مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

زلزال هرمز (13) ليلة تغيير قواعد اللعبة

ما يميز ضربات الليلة الماضية هو اتساع رقعة الاستهداف ووصولها إلى مراكز ثقل حيوية في وسط إسرائيل، متجاوزةً بذلك جبهة الشمال الحدودية

مشاركة:
حجم الخط:

في الليلة الماضية، لم تكن سماء شمال ووسط إسرائيل مجرد مسرح لعملية عسكرية عابرة؛ فقد شهدت رشقات صاروخية تجاوزت المائة صاروخ، تزامنت مع تهديدات علنية غير مسبوقة من “حزب الله” بـ “الاجتياح البري”، مما كسر حاجز الردع الذي طالما تغنت به المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. إن هذا التطور يمثل لحظة فارقة لا تُقرأ كمجرد تصعيد، بل كإعلان عن “عقيدة هجومية” جديدة تضع تل أبيب في مأزق استراتيجي لم تشهده منذ عقود.

1. اللحظة الراهنة: كسر حاجز “العمق”

ما يميز ضربات الليلة الماضية هو اتساع رقعة الاستهداف ووصولها إلى مراكز ثقل حيوية في وسط إسرائيل، متجاوزةً بذلك جبهة الشمال الحدودية. هذا التكتيك، الذي يعتمد على الإغراق الصاروخي ، أظهر فشل المنظومات الدفاعية التقليدية في تأمين “حماية مطلقة” للمدن. والأخطر في المشهد هو تغيير لغة الخطاب؛ فالحزب الذي كان يكتفي بالرد، بات يلوح بزمام المبادرة الهجومية، مما أجبر القيادة السياسية في تل أبيب على التفكير في خيارات لم تكن ضمن حساباتها، مثل الاجتياح البري الواسع.

2. العودة إلى الجذور: كيف وصلنا إلى هنا؟

لفهم كيف تحول “حزب الله” من قوة دفاعية في الجنوب إلى فاعل إقليمي يهدد العمق، يجب أن نربط هذه اللحظة بمحطات تاريخية مفصلية:
 تأسيس الردع (1982-2000): وُلدت نواة المقاومة في أعقاب اجتياح 1982، حيث قاد شخصيات مثل عباس الموسوي ثم حسن نصر الله استراتيجية استنزاف طويلة ضد الوجود الإسرائيلي. انتهى هذا المسار بانسحاب إسرائيل من الجنوب عام 2000، وهو الانسحاب الذي رسخ لدى الحزب قناعة بأن “الميدان لا السياسة” هو من يفرض الحقائق.
 تحول 2006 (زلزال تموز): كانت حرب 2006 بمثابة “مختبر حقيقي” أثبت فيه الحزب، بفضل التخطيط العسكري الدقيق الذي أشرف عليه الشهيد عماد مغنية، أن التفوق الجوي الإسرائيلي ليس كافياً للحسم. ومنذ ذلك الحين، بدأ “التراكم الكمي والنوعي” للترسانة الصاروخية وتطوير شبكات الأنفاق.

3. ما بين التهديد والواقع: لماذا تغيرت المعادلة؟

إن التهديد بالاجتياح الذي طُرح في الساعات الماضية ليس مجرد “حرب نفسية”. فالحزب اليوم يمتلك قدرات استخباراتية وتقنية لم تكن متوفرة في 2006، تشمل مسيرات انتحارية وصواريخ دقيقة قادرة على شل المطارات والقواعد الجوية.

الميدان الرقمي والتقني.. كيف تآكلت أسطورة التفوق التكنولوجي؟

في المواجهة الجارية (مارس 2026)، يواجه الجيش الإسرائيلي تحدياً لم يعهده في حروبه السابقة: “تأقلم العدو مع التكنولوجيا”. فبينما استثمرت إسرائيل المليارات في تطوير “القبة الحديدية” ومنظومة “مقلاع داوود” ، استطاع حزب الله تطوير استراتيجية “الإغراق والالتفاف” التي جعلت هذه المنظومات تواجه لحظات حرجة من العجز التقني.

1. استراتيجية الإغراق

تعتمد القبة الحديدية على رادارات متطورة لحساب مسار المقذوف وتحديد ما إذا كان سيصيب منطقة مأهولة أم لا. ما فعله الحزب في الرشقات الأخيرة (أكثر من 100 صاروخ في وقت واحد) هو عملية “إشغال تقني” للحواسب المشغلة للمنظومة.
التكتيك: إطلاق مزيج من الصواريخ “الغبية” (رخيصة التكلفة) مع صواريخ دقيقة ومسيرات انتحارية في آن واحد.
النتيجة: تضطر المنظومة الدفاعية لاستهلاك مخزونها من صواريخ “تامير” الاعتراضية الباهظة الثمن (التي تصل تكلفة الواحد منها إلى 50 ألف دولار) لمواجهة أهداف قد لا تزيد قيمتها عن بضع مئات من الدولارات، مما يؤدي في النهاية إلى “نفاذ الذخيرة اللحظي” ومرور الصواريخ الدقيقة نحو أهدافها في حيفا وتل أبيب.

2. سلاح المسيرات: “الرادار الصامت”

تعد المسيرات الانتحارية هي الكابوس الحقيقي للدفاع الجوي الإسرائيلي. بفضل بصمتها الرادارية الصغيرة وقدرتها على الطيران بارتفاعات منخفضة جداً متبعةً تضاريس الأرض , تنجح هذه المسيرات في “التسلل” خلف خطوط الرادار.
الابتكار التقني: استخدم الحزب في معارك الأيام الماضية مسيرات تعمل بتقنية “الذكاء الاصطناعي المستقل”، حيث لا تعتمد على إشارات GPS التي تقوم إسرائيل بتشويشها في منطقة الشمال، بل تعتمد على “الرؤية الحاسوبية”) لتحديد معالم الأرض والوصول للهدف، مما جعل التشويش الإلكتروني الإسرائيلي عديم الفائدة.
3. الحرب السيبرانية وصراع الترددات

خلف الستار الصاروخي، تدور حرب إلكترونية طاحنة. تشير تقارير استخباراتية إلى أن الحزب، وبدعم تقني من “محور المقاومة”، تمكن من تنفيذ هجمات سيبرانية استهدفت أنظمة الإنذار المبكر في بعض المستوطنات، مما أدى لتعطيل صفارات الإنذار أو تأخيرها، وهو ما يفسر وقوع إصابات مباشرة دون سابق إنذار.

4. دور “بيدو” والبدائل الرقمية

كما أشرنا في تحليل سابق، فإن الاعتماد على البدائل غير الغربية مثل نظام الملاحة الصيني “بيدو” (Beidou) منح الحزب استقلالية عن نظام GPS الأمريكي الذي تسيطر عليه واشنطن وتل أبيب. هذا التحول الرقمي جعل من “سلاح الإشارة” لدى الحزب شبكة مشفرة ومعقدة يصعب اختراقها أو التنصت عليها بالوسائل التقليدية.

الخلاصة:

نحن أمام مشهد تقني مقلوب؛ فالتكنولوجيا التي كانت تمنح إسرائيل “الأمان المطلق” باتت اليوم تواجه “تكنولوجيا مضادة” تتسم بالرخص والذكاء والمرونة. إن نجاح الحزب في الوصول لقلب تل أبيب الليلة الماضية هو شهادة وفاة لمبدأ “الدفاع الجوي المحكم”.
هذا الواقع التقني يقودنا مباشرة إلى السؤال الوجودي: إذا فشلت التكنولوجيا والدفاع الجوي في حماية العمق الإسرائيلي، فهل يتبقى لإسرائيل خيار سوى “الاجتياح البري”؟ وما هي مخاطر هذا السيناريو في ظل تهديدات الحزب المقابلة بالدخول إلى الجليل؟

المفارقة الاستراتيجية:

بينما كانت إسرائيل في العقود الماضية هي الطرف الذي يحدد “توقيت الاجتياح” و”أهدافه”، نجدها اليوم في موقف “المدافع” الذي يحاول استيعاب صدمات ضربات الحزب المستمرة.
إن ما يحدث الآن هو نتاج عقود من العمل السري والتطوير التقني، حيث لم يعد الصراع محصوراً في شريط حدودي، بل أصبح مرتبطاً بـ “توازن القوى الإقليمي”.

شارك المقال: