ذاكرة مثقلة بالشتات في رواية (شقي وسعيد)
كذا يربط موت الأم بين الحاضر والماضي، فتتحرك الرواية عبر أصوات متداخلة، صوت الطفل الملفوف في القماط الوردي، وصوت الشاب الذي يتذكر، وصوت الراوي الذي يحاور نفسه باستمرار.

تبدأ رواية “شقي وسعيد” ( دار بدائل 2025) للمبدع “حسين عبدالرحيم” بموت الأم، وهي أساس حياة السارد منذ طفولته، لتصبح نقطة ارتكاز لذاكرة مثقلة بالشتات، فمن لحظة تأمل الجسد المسجّى على طاولة الصاج، ينفتح السرد على لحظات الحرب في بورسعيد فيما بعد يونيو 1967، ثم الهجرة مع موجات التهجير القسري، ثم الاستقرار المؤقت في طلخا.
هكذا يربط موت الأم بين الحاضر والماضي، فتتحرك الرواية عبر أصوات متداخلة، صوت الطفل الملفوف في القماط الوردي، وصوت الشاب الذي يتذكر، وصوت الراوي الذي يحاور نفسه باستمرار.
هذا التداخل يجعل من الرواية ذاكرة جماعية للتهجير، تتجسد في أصوات الأمهات، العم عابدين، والجيران الذين شكّلوا فضاءً إنسانيًا متوترًا ومثقلًا بالخوف، الشكوك، والانكسارات.
تتخلل النص محطات محورية مثل مشهد الهروب من بورسعيد، المركب “اللنش” الذي يعبر البحيرة وسط الصراخ والضباب، المجمع المدرسي حيث يتكدس المهجرون وتتصاعد التوترات.
حادثة الاعتداء في الحمام العمومي وما تركته من ندوب على وعي الطفل، ثم الإقامة في ” 18حارة سعيد” في طلخا، حيث تظهر شخصيات جديدة مثل “أم هاشم” التي تتحول إلى أيقونة للرغبة.
ذاكرة مهزومة
تستعيد الرواية أحداث تهجير أهالي مدن القناة عقب هزيمة 1967، السارد يتساءل باستمرار: “هل عشت حقًا ما مضى، أم هي أحلام وكوابيس؟”، وهذا يعكس طبيعة الذاكرة الجمعية التي تختلط فيها الحقيقة بالأسطورة، الذكرى بالهذيان.
الطفل الملفوف في القماط الوردي هو رمز للبراءة المهددة، بكاء النساء، صرخات الجنود، كلها تؤثر في تشكيل وعيه. لقد كابد النفي منذ طفولته، وها هو يكتشف العالم عبر دموع الأم، غياب الأب، سقوط الصديقة في الظلام.
أما المجمع المدرسي في طلخا فنراه فضاءً مكبوتًا، مكانًا للتكدس، للعار، للفضائح التي تلاحق المهجّرين. وبالتالي تصبح حارة سعيد في طلخا مسرحا متكاملا لتجربة التشظي.
أيقونة التناقض
تمثل الأم أو الصديقة مركز الرواية، ومن المعلوم أن “الصّديقة”، في الثقافة الإسلامية تعادل “القديسة” في المسيحية، لذا تذكرها الرواية في أكثر من موضع بقداسة تذكرنا بالسيدة مريم، حتى أن
الصلاة على جثمانها، في ختام الرواية، ستكون في “مسجد مريم”، بالذات وليس في أي مسجد آخر، “تجلى جسد الصّديقة شفيفاً، لينفذ من القبة العالية لمسجد مريم، نحو السماء”.
تبدو الأم في مواقف كثيرة صلبة كالصخر، حامية لطفلها، وفي لحظات أخرى تبدو مهزومة، متمزقة.
علاقتها بالطفل محمّلة بالحب والقسوة معًا، فهي تقبّله وتضمه، لكنها تصفعه أيضًا حين يحدق في جسد “أم هاشم”
أما الأب حسانين، العسكري أو المستبقى، فهو شخصية غامضة تحضر وتغيب.
حضوره مرتبط بالزي العسكري، وغيابه الطويل المتكرر يدفع الرواية لأن ترسم صورته من خلال ذاكرة الراوي.
هذا الغياب المزدوج جسديا ونفسيا، يعمق حالة التشظي للراوي، واللافت أن الراوي لا يدين الأب ولا يحمله مسئولية الغياب، ولكنه يلوم الحرب التي أدت إلى كل ذلك.

جدل الذاكرة والهوية
يعيش السارد باستمرار بين سؤالين: من أنا؟ ومن هي أمي؟
هذه الأسئلة ليست شخصية فقط، بل هي انعكاس لهوية جيل كامل فقد مكانه وأرضه.
والأصوات الخمسة التي تسكنه ترمز إلى تشظي الذات، فنجده يروى وهو رضيع، وهو طفل، وهو صبي، هو دائما الراوي نفسه لكن عبر ذات متشظية.
فالوعي نفسه لم يتغير، الراوي دائما يمتلك نفس الوعي الذي يمتلكه الحسين في الخمسين يوم ماتت أمه.
يقول: “أنظر في دهشة، أستطلع وجوه خمسة من الأشقياء، كانوا وحدهم يسيرون بخفة بلا صوت، تتدلّى رؤوسهم قريبة من الصدور، يرفعون أقدامهم بصعوبة. يشبهونني وقت الخطو والركض واستشعار الخطر”.
وهنا نلاحظ أن الراوي الطفل هنا مجرد قناع يتخذه الكاتب فوعي السارد أكثر نضجا ومعرفة من أن يكون وعيا لطفل،.
ورغم أنه اختار “شقي وسعيد” عنوانا لكنه يرينا الشقي فقط.
فالراوي وحيد وحزين دائما، يتساءل “الحسين”: “هل عشتُ حقاً ما مضى، أم أنها كوابيس شخص غيري، وحينما يتحدث عن مهجره، يذكر كثيرا “حارة سعيد”
فكأن حارة المنفى لم تعد عنوانا بل هوية، وكأنه يصنع لنفسه جذرا في الأرض الجديدة، لكن الجيران يشيرون لهم دائما باعتبارهم مهجرين.
الخلاصة
ختاما فرواية “شقى وسعيد” تميزت بتمثلها تجربة الهزيمة والتهجير من منظور ذاتي/طفولي، فهي رواية عن المنفى الداخلي، عن جيل ولد في أتون الهزيمة فحمل آثارها إلى الأبد. جمالية النص تنبع من لغته المتوترة، من قدرته على تحويل التفاصيل الصغيرة (قماط وردي، صفعة أم، مركب مهتز) إلى رموز كبرى عن الوطن، الذاكرة، والهوية.





