مقالات
د. محمد محفوظ
د. محمد محفوظ

كاتب و محلل

د. محمد محفوظ يكتب : حضارة أم عمران وعمارة

الحضارة ما هي إلا الثقافة ، ولكن مغلفة بالمنجزات المادية الناتجة عن تلك الثقافة وتلك المنجزات المادية تتمثل في : الأدوات ، والأجهزة ، والعمارة ، والزراعة ، والصناعة ، وتخطيط المدن

مشاركة:
حجم الخط:

اختلاس الحضارة بزخرف العمران والعمارة

“أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم جبارين”  [ سورة الشعراء : ١٢٨ – ١٣٠ ]

– هل كل ثقافة قابلة لبناء الحضارة ؟؟

– وهل كل بناء وإنشاء وعمران وتشييد ينبغي أن يحمل صفة الحضارة ؟؟

د. محمد محفوظ.. يكتب: ميراث مكيافيلي

د. محمد محفوظ يكتب : الديكتاتور
– ‏وهل يمكن لأي ثقافة متدنية منحطة أن تكون نواة أو جوهر لحضارة ؟

تساؤلات لا يفرضها فقط الواقع الملتبس الذي تحاصره كلمة الحق التي يُراد بها الباطل .
بل يفرضها أيضا التباس المفاهيم التي تختلط معانيها ومقاصدها ، فلا تنتج إلا فوضى معرفية تفتح الباب للتدليس على الشعوب ، وتزييف العقول وتجريف الوعي .

لذا ، من المفيد إزالة اللبس الواضح في المفاهيم بين ثلاثة من المصطلحات الشائعة ، وهي : الثقافة – الحضارة – الهوية .

إذ تُستخدم تلك المصطلحات في الكثير من الكتابات بحسن أو بسوء نية ، بحيث يكون أحدها مرادفا للآخر ؛ مما يؤدي إلى الخلط والتخبط ، أو التدليس والتنطع ، فتغيب دلالات تلك المفاهيم المتمايزة المتوالدة في نفس الوقت .

ويمكن تعريف الثقافة بأنها :

مجموع القيم والمعايير والسلوكيات ( السامية الراقية ) السائدة في مجتمع من المجتمعات ، بالإضافة إلى مجموع المنتجات الفكرية والمعنوية النافعة مثل ( الآداب والفنون والعلوم والفلسفة.. إلخ ) .

أما الحضارة فهي : امتداد ( مادي ) للثقافة .

بمعنى أن الحضارة ما هي إلا الثقافة ، ولكن مغلفة بالمنجزات المادية الناتجة عن تلك الثقافة .
وتلك المنجزات المادية تتمثل في : الأدوات ، والأجهزة ، والعمارة ، والزراعة ، والصناعة ، وتخطيط المدن ، وكافة وسائل السيطرة على البيئة الطبيعية .

بينما الهوية هي : ( طابع ) للحضارة 

بمعنى أن الهوية ما هي إلا الحضارة ، ولكن ملونة بالانتماءات الجغرافية أو الدينية أو العرقية .. إلخ .

إذن ، وبصيغة رياضية :

الثقافة = القيم والمعايير والسلوكيات السامية الراقية السائدة + المنتجات الفكرية والمعنوية النافعة

* الحضارة = الثقافة + المنجزات المادية الناتجة عن هذه الثقافة

* الهوية = الحضارة × الانتماءات الجغرافية أو الدينية أو العرقية.. إلخ

لعل ما سلف من تعاريف يوضح ، بأنه إذا غابت صفة ( السمو والرقي ) نظريا أو عمليا عن مجموع القيم والمعايير والسلوكيات التي تتكون منها الثقافة . وغابت صفة ( النفع ) عن منتجها الفكري والمعنوي ، فإنها تصبح ثقافة متدنية منحطة .

ولا يمكن لتلك الثقافة المنحطة مهما رفعت من شعارات نظرية راقية سامية ولكنها عمليا كاذبة فاحشة ، ومهما تم تغليفها بمنجزات مادية سامقة .
لا يمكن لتلك الثقافة المتدنية المنحطة أن تنال اسم أو صفة الحضارة ، وإنما لا تحمل إلا وصف واسم العمران والعمارة ، لتصبح مجرد علو في الأرض منهجه الفساد والإفساد ، ومجرد زينة وزخرف بالجماد والنبات والحيوان على حساب قمع وسحق وطحن حرية وكرامة الإنسان .

الانجازات المادية لا تقول أن هنا حضارة 

ولذلك ، لا يمكن لأي نظم استبدادية ديكتاتورية ( قديمة أم حديثة أم معاصرة ) ، تقبض بيدها على كل السلطات ، وتعصف بالحقوق والحريات ، وتلقي بمن يعارضها في المقابر والمعتقلات .
لا يمكن لها أن تدعي بأن منجزاتها المادية على الأرض تستحق صفة الحضارة ، بل هي مجرد صروح للعمران والعمارة ، تتأسس قواعدها على ثقافة متدنية منحطة ، تمجد الحجر وتحتقر البشر ، وتحتفي بالجماد والمباني ، وتزدري المبادئ والقيم والمعاني .

ولا يمكن لأي نظم معاصرة تمارس الديمقراطية داخليا ، بينما تتحالف مع نظم غير ديمقراطية خارجيا لتعصف من أجل مصالحها الضيقة الذاتية بكل القيم الإنسانية ، لا يمكن لمثل هذه النظم أن تختلس صفة الحضارة لتخلعها تدليسا وكذبا على صروحها للعمران والعمارة .

لهذا ، ينبغي مراجعة ومناهضة إلصاق صفة الحضارة بأي ممالك أو إمبراطوريات أو إمارات أو سلطنات أو جمهوريات ، افتقرت منجزاتها المادية في مجال العمران والعمارة إلى جوهر ثقافي يتسم بالسمو والرقي والنفع والجدارة .

فنظم البطش والقمع والقهر والطغيان ، ونظم الانتهازية والكيل بمكيالين ، من الظلم والسفه وصفها بالتحضر ، مهما علت وتمددت منجزاتها المادية على الأرض ، بينما تنزف دماء وتتبدد أحلام ضحاياها على ذات الأرض .

ولذلك ، تظل النظم الديكتاتورية ، ونظم النفاق الديمقراطية ، قامعة ومناقضة للحضارة ، حتى لو أطلقت العنان للعمران والعمارة ، فأي حضارة تلك التي تكون بوسم الحقارة ، ورسم القذارة ، وطعم المرارة ، وعنوان الخسارة .

ولكن … ربما يجادل البعض بأن العمران والعمارة حتى لو كانا نتاجا لثقافة متدنية منحطة ، فإنه يظل فيهما منافع للناس .

ولعل الرد على ذلك يتمثل في القول المأثور بـ ( مقدمة ابن خلدون ) والذي مفاده :
“الظلم مؤذن بخراب العمران” 

نعم .. الظلم مؤذن بخراب العمران ..

فالعمران والعمارة لا يحميهما إلا الحكم الرشيد الملتزم بالحق والعدل داخليا وخارجيا ، ومحليا وإقليميا وعالميا ، فيبزغ ويتألق ويشع في كنف رشده وحقه وعدله نور الحضارة على كل البشرية .

بينما حكم البطش والقمع أو النفاق والانتهازية ، قد يبني ويشيد ويتوسع ، ولكن أساساته وقواعده المخوخة القائمة على الظلم والفساد والتدليس ، سرعان ما تتصدع وتنهار جزاءا وفاقا لغياب القيمة والرشد والبصيرة وضعف البرهان .

ولذلك ، عمران وعمارة بلا حكم رشيد جوهره داخليا وخارجيا : تداول الحكم ، والفصل بين السلطات ، واحترام الحرية والكرامة ، وتكريس العدالة .. ذلك العمران وما يكتنفه من عمارة ، ما هو إلا اختلاس للحضارة .. بزخرف العمران والعمارة . وما هو إلا بنيان تتم تعليته على أساسات واهية ، ليكون المصير المحتوم .. سقطة ساحقة مدوية .

شارك المقال: