آراء و تحليلات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

د. محمد فؤاد يكتب … لبنان تحت النار

مشاركة:
حجم الخط:

لم يكن لبنان بالنسبة لي يومًا مجرد بلد على خريطة، أو ساحة خبر في نشرة، بل كان وما زال قطعة حية من وجداني، تمتد جذورها في تفاصيل حياتي اليومية، في ضحكة ابني نوار الذي يحمل من روحه، وفي وجوه أهلي وعائلتي، في بيت حمزة في طرابلس حيث تختلط الذكريات برائحة البحر، ويصبح المكان أكثر من جغرافيا، بل هو انتماء لا يقبل القسمة، لذلك فإن وجع لبنان ليس خبرًا أتابعه، بل ألمًا أشعر به، وقلقًا يسكنني، وخوفًا على ناسه الذين يشبهوننا في كل شيء، من الحلم البسيط إلى الصمود القاسي.

ومن هذا الارتباط الشخصي الذي يتجاوز حدود المتابعة إلى عمق الانتماء، يصبح النظر إلى ما يتعرض له لبنان اليوم من عدوان إسرائيلي وتصعيد مستمر، أمرًا لا يمكن فصله عن الإحساس بالمسؤولية، ولا عن محاولة فهم ما يجري في هذا البلد الذي يقف مرة أخرى على خط النار، بين معادلات الردع التي يفرضها حزب الله، ومحاولات إسرائيل لاختراق الجنوب، وبين انقسام الداخل اللبناني وقلق الشارع، في مشهد معقد تتداخل فيه السياسة بالميدان، والإقليم بالمحلي، والوجع الشخصي بالتحليل العام.

ومن هذا المنطلق، يصبح النظر إلى ما يجري في الجنوب اللبناني اليوم أقرب إلى قراءة في مأساة مفتوحة، حيث لا تختزل الحرب في الاشتباك العسكري، بل تتجسد في أرقام ثقيلة تكشف حجم الكلفة الإنسانية، وتعيد طرح السؤال القديم الجديد: من يحمي لبنان… وبأي ثمن؟

أولًا: أرقام الحرب… حين تتحول الجغرافيا إلى كارثة إنسانية

تكشف المعطيات الميدانية أن لبنان يعيش واحدة من أكبر موجات النزوح الداخلي في تاريخه الحديث، إذ تجاوز عدد النازحين مليون وخمسين ألف شخص، وهو رقم يعكس تفريغًا شبه كامل لقرى الجنوب الحدودية، وتحولها إلى مناطق أشباح تحت القصف.

أما على مستوى الخسائر البشرية، فقد سقط 1345 شهيدًا، إلى جانب 4000 جريح خلال فترة زمنية محدودة، وهي أرقام لا تعكس فقط كثافة الضربات الإسرائيلية، بل طبيعة الاستهداف الذي طال في كثير من الأحيان مناطق مدنية مأهولة، ما يشير إلى أن الحرب لم تعد موجهة فقط ضد بنية عسكرية، بل ضد مجتمع كامل.

هذه الأرقام تضع لبنان أمام معادلة قاسية: بلد منهك اقتصاديًا، يواجه نزوحًا جماعيًا، وخسائر بشرية متصاعدة، في ظل غياب قدرة الدولة على الاستجابة، ما يجعل المجتمع المحلي يتحمل العبء الأكبر.

ثانيًا: إسرائيل… من الضرب العسكري إلى هندسة الفراغ السكاني مقابل كلفة أمنية متصاعدة في الشمال

التحليل المتقدم لنمط العمليات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني يكشف أن ما يجري لا يندرج ضمن منطق “الرد التكتيكي” بقدر ما يعكس تحولًا بنيويًا في العقيدة القتالية، يقوم على استخدام القوة النارية كأداة لإعادة تشكيل المجال الجغرافي والديموغرافي، عبر إنتاج بيئة طاردة للسكان، وليس فقط تدمير قدرات عسكرية، إذ أن الاستهداف المنهجي للقرى الحدودية، والمنازل، والمزارع، والبنى الخدمية، يشير إلى محاولة فرض “منطقة عازلة بحكم الأمر الواقع” تُصنع بالنار لا بالاتفاق.

غير أن هذه المقاربة، التي تفترض أن الضغط على البيئة الحاضنة سيقود إلى إضعاف حزب الله، اصطدمت بواقع ميداني معكوس، حيث تحولت الجبهة الشمالية داخل إسرائيل نفسها إلى مساحة استنزاف مفتوحة، ليس فقط عسكريًا بل اجتماعيًا وأمنيًا، إذ لم تعد مستوطنات الشمال قابلة للحياة الطبيعية تحت تهديد دائم من الصواريخ الموجهة والطائرات المسيّرة.

فعليًا، اضطرت إسرائيل إلى إخلاء شريط واسع من بلداتها الحدودية، مع نزوح يتراوح بين 70 إلى 100 ألف مستوطن، وهو رقم يعكس انهيار “نظرية العمق الآمن” التي طالما اعتمدت عليها، فيما تكشف المعطيات الميدانية عن إصابات مباشرة ومتراكمة في صفوف الجيش، خصوصًا الوحدات المنتشرة على خط التماس، نتيجة استهداف دقيق لمواقع المراقبة والرادارات والتحصينات، ما أدى إلى خسائر بشرية مستمرة (قتلى وجرحى)، وإن بقيت الأرقام الرسمية الإسرائيلية شديدة التحفظ، في إطار إدارة الوعي الداخلي.

الأخطر من ذلك أن حزب الله نجح في نقل العبء النفسي للحرب إلى الداخل الإسرائيلي، حيث لم تعد المواجهة محصورة في “منطقة عمليات”، بل تحولت إلى تهديد يومي للحياة المدنية، عبر إنذارات متكررة، وتعطيل اقتصادي في الشمال، وإرباك دائم للمنظومة العسكرية، ما يعني أن إسرائيل، رغم تفوقها الناري، لم تنجح في فرض بيئة أمنية مستقرة حتى داخل حدودها.

ثالثا : حزب الله… من رد الفعل إلى إدارة الاستنزاف المركب

في المقابل، يكشف أداء حزب الله عن تحول نوعي من منطق “الرد” إلى منطق “إدارة الاستنزاف”، حيث لا تقتصر عملياته على تحقيق توازن ردعي مباشر، بل تتعمد إنتاج حالة ضغط تراكمية، تستهدف البنية العملياتية للجيش الإسرائيلي والبنية النفسية للمجتمع في آن واحد.

فاستهداف نقاط المراقبة، وتدمير تجهيزات تقنية حساسة، واستخدام الطائرات المسيّرة في اختراق العمق التكتيكي، يعكس انتقال الحزب إلى مستوى أعلى من العمل العملياتي، يقوم على تقويض فعالية الانتشار الإسرائيلي، وليس فقط الرد عليه، وهو ما يفسر تزايد الحذر الإسرائيلي في تحريك قواته البرية على الحدود.

الأهم أن الحزب يضبط إيقاع التصعيد بدقة، بحيث يحافظ على مستوى اشتباك مرتفع بما يكفي لتعطيل المشروع الإسرائيلي في الجنوب، دون أن يمنح تل أبيب ذريعة لحرب شاملة، ما يعني أننا أمام معادلة دقيقة ومعقدة في آن واحد:

إسرائيل تحاول تفريغ الأرض لإعادة تشكيلها… وحزب الله يعيد ملء المعادلة بالتهديد لمنع تثبيت هذا الفراغ.

وهنا تكمن المفارقة المركزية في هذه المواجهة:

كلما زادت إسرائيل من الضغط الناري على الجنوب، زادت هشاشة جبهتها الداخلية في الشمال، وكلما وسّع حزب الله نطاق تهديده، ازداد ارتباط أمن إسرائيل بمعادلة لا تستطيع حسمها دون كلفة استراتيجية مفتوحة.

رابعًا: هل نجحت معادلة الردع؟ قراءة واقعية

رغم الخسائر الكبيرة في لبنان، لا يمكن القول إن إسرائيل حققت حسمًا استراتيجيًا، إذ لا تزال ضربات حزب الله مستمرة، ولا تزال الجبهة الشمالية تشكل مصدر قلق دائم لتل أبيب.

لكن في المقابل، لا يمكن أيضًا تجاهل أن كلفة الردع على لبنان مرتفعة جدًا، حيث يدفع المدنيون الثمن الأكبر، وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا:

هل الردع القائم هو توازن حقيقي… أم مجرد إدارة للألم؟

خامسًا:

ديموغرافيا الصراع وتعدد مراكز القرار بين إيران وفرنسا والغياب العربي

لا يمكن فهم الموقف اللبناني من الحرب دون إدراك أن لبنان ليس دولة تقليدية تُنتج قرارها من مؤسساتها، بل كيان مركّب تحكمه توازنات ديموغرافية طائفية دقيقة، حيث يتوزع السكان – بصورة تقديرية – بين كتلة شيعية وازنة تقارب ثلث السكان، وكتلة سنية بحجم قريب، وكتلة مسيحية كانت تاريخيًا الأكبر لكنها تراجعت ديموغرافيًا بفعل الهجرة والتحولات، مع حضور درزي أقل عددًا لكنه مؤثر سياسيًا، وهذه التركيبة لا تُترجم فقط في البرلمان أو الحكومة، بل في طبيعة القرار نفسه، الذي يُصاغ كنتيجة توازن بين هذه الكتل لا كإرادة دولة مركزية.

في هذا السياق، تتحول كل طائفة إلى ما يشبه “وحدة سياسية-اجتماعية” لها حساباتها الأمنية وامتداداتها الخارجية، وهو ما يفسر أن الموقف من الحرب لا يُبنى على أساس وطني جامع، بل على قراءة كل مكوّن لمصالحه ومخاوفه.

في البيئة الشيعية، التي تمثل اليوم الكتلة الأكثر تماسًا مع الجغرافيا الجنوبية والأكثر تماسكًا تنظيميًا، يتداخل العامل الديموغرافي مع العامل العسكري، حيث يشكل حزب الله التعبير الأقوى عن هذه البيئة، ليس فقط كقوة مسلحة، بل كبنية تمثيل وحماية في آن واحد، وهنا يصبح الدعم الإيراني عنصرًا حاسمًا، لا بوصفه مجرد إسناد خارجي، بل كامتداد استراتيجي يعزز موقع هذه الكتلة في معادلة الداخل، ويمنحها القدرة على فرض خيار المواجهة، أو على الأقل التحكم بسقفها، ما يجعل قرار الحرب مرتبطًا جزئيًا بحسابات إقليمية تتجاوز لبنان.

في المقابل، تقف الكتلة السنية – التي تمثل وزنًا ديموغرافيًا موازيًا تقريبًا- في موقع أكثر هشاشة سياسيًا، نتيجة غياب مركز قيادي واضح منذ سنوات، وتراجع الحضور العربي، خصوصًا الخليجي، الذي كان تاريخيًا يشكل مظلة سياسية ومالية لهذه البيئة، وهو ما خلق حالة من التشتت، حيث يسود رفض ضمني للانخراط في حرب لا تملك هذه الكتلة قرارها، لكن دون القدرة على إنتاج توازن مقابل، ما يحولها إلى قوة اجتماعية كبيرة بوزن سياسي محدود في لحظة الحرب.

أما الكتلة المسيحية، التي فقدت تفوقها العددي لكنها لا تزال تحتفظ بثقل مؤسساتي وسياسي، فتتعامل مع الصراع من زاوية مختلفة، حيث يُقرأ سلاح حزب الله بوصفه اختلالًا في التوازن الداخلي، لا مجرد أداة مقاومة، وهنا يظهر التعويل على الدور الفرنسي والغربي كرافعة توازن، في ظل قناعة متزايدة بأن غياب الدولة وتغوّل السلاح قد يقودان إلى انهيار الكيان نفسه، لا فقط إلى حرب عابرة.

ضمن هذا التوزع، لا يعود سلوك الدولة ومؤسساتها- وفي مقدمتها الجيش- مستقلًا عن هذه التوازنات، فإعادة تموضع الجيش اللبناني أو انسحابه من بعض النقاط في الجنوب يعكس إدراكًا عميقًا لحدود القدرة على الفعل في بيئة لا يوجد فيها إجماع ديموغرافي-سياسي يسمح بقرار موحد، بل توازن قلق بين قوى مختلفة، لكل منها حساباتها وامتداداتها.

وهنا يتجسد التداخل بين الداخل والخارج بشكل مباشر:

         إيران تدعم الكتلة الشيعية وتمنحها عمقًا استراتيجيًا يعزز حضورها في المعادلة،

         فرنسا تحاول الحفاظ على موقعها التاريخي كضامن غير مباشر للتوازن، خصوصًا عبر البوابة المسيحية،

         فيما يترك الغياب العربي الكتلة السنية في حالة انكشاف سياسي، ما يخلّ بالتوازن التقليدي الذي كان قائمًا في لبنان.

الخلاصة: لبنان ليس منقسمًا فقط… بل موزع ديموغرافيًا على مشاريع متوازية

ما يكشفه هذا المشهد أن الأزمة اللبنانية ليست مجرد انقسام سياسي، بل تعبير عن خلل عميق في التوازن بين الديموغرافيا والسلطة والسلاح، حيث لا تتطابق الكتل السكانية مع مراكز القرار، ولا تتوحد تحت مظلة وطنية واحدة.

وبذلك، يصبح لبنان أقرب إلى فضاء تتعايش فيه ثلاث مقاربات للحرب:

         مقاربة ترى المواجهة ضرورة وجودية ومدعومة إقليميًا،

         وأخرى تخشاها لكنها عاجزة عن منعها،

         وثالثة تحاول الهروب منها عبر التعويل على الخارج،

في ظل دولة تقف في المنتصف… دون أن تملك القدرة على الحسم.

الخلاصة: الطوائف ليست متفرجة… بل هي بنية القرار نفسها

ما يكشفه هذا الواقع أن لبنان لا يعاني فقط من انقسام طائفي، بل من تعدد “مشاريع داخل الدولة”، حيث لكل طائفة قراءتها للحرب، وحساباتها، وامتدادها الخارجي، ما يجعل أي قرار وطني جامع شبه مستحيل في لحظة تصعيد.

وبذلك، لا يصبح السؤال: هل لبنان في حرب؟

بل: أي لبنان يقاتل… وأي لبنان يحاول تجنب الحرب؟

سادسًا: رجل الشارع… بين الصمود القسري والخوف المشروع

بعيدًا عن التحليلات السياسية، يقف المواطن اللبناني أمام واقع قاسٍ:

نازح بلا ضمانات، أو مقيم تحت تهديد دائم، في بلد يعاني أصلًا من انهيار اقتصادي.

في الجنوب، يتحول الصمود إلى خيار إجباري، بينما في بيروت والشمال، يسود شعور بأن الحرب قد تمتد في أي لحظة، ما يخلق حالة من القلق الجماعي، تتجاوز الانقسامات السياسية.

خاتمة: لبنان… ساحة مفتوحة أم خط دفاع أخير؟

لبنان اليوم ليس فقط ساحة مواجهة، بل اختبار حقيقي لمعادلات القوة في المنطقة، حيث تتقاطع الاستراتيجيات الإقليمية مع واقع داخلي هش، وتتحول الأرقام – 1345 شهيدًا، 4000 جريح، وأكثر من مليون نازح- إلى لغة الحرب الحقيقية.

وبينما تستمر إسرائيل في الضغط لإعادة تشكيل الجنوب، ويواصل حزب الله تثبيت معادلة الردع، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا:

هل يستطيع لبنان تحمّل هذه المعادلة طويلًا… أم أن الانفجار الكبير لم يأتِ بعد؟

شارك المقال: