د. أيمن خالد يكتب: لماذا الهدنة ليست في صالح إيران؟
الثلاثاء ليس موعدًا عابرًا، بل محطة اختبار لإرادتين متقابلتين: إرادة ترى أن الوقت أداة لإكمال مشروعها، وأخرى تدرك أن الوقت ذاته قد يتحول إلى فخ يُحكم إغلاقه تدريجيًا.

تصميم للذكاء الاصطناعي من وحي المقال
في لحظةٍ تتقاطع فيها الساعات مع التهديدات، ويختلط فيها صوت الطاقة بصوت الحرب، تقف المنطقة على حافة قرارٍ يتجاوز حدود الاشتباك العسكري إلى إعادة تشكيل المعادلة الإقليمية برمتها.
اختبار الإرادات يبدأ غذا
الثلاثاء ليس موعدًا عابرًا، بل محطة اختبار لإرادتين متقابلتين: إرادة ترى أن الوقت أداة لإكمال مشروعها، وأخرى تدرك أن الوقت ذاته قد يتحول إلى فخ يُحكم إغلاقه تدريجيًا.
وبين التهديد الأمريكي المعلن، ورفض إيران للشروط المطروحة عبر الوسيط الباكستاني، يتكثف المشهد بين احتمالات الحرب، وسيناريوهات الهدنة، وقلق عالمي يتصل بالمضائق والطاقة والأسواق.
د. أيمن خالد يكتب: من روح العيد إلى مشروع الوحدة
د. أيمن خالد يكتب: حرب هرمز ليست جزرًا بل مفاتيح العالم
د. أيمن خالد يكتب: أين ينتهي القانون ويبدأ الاشتباك؟
إيران ليست مترددة في اتخاذ قرارها
إيران، في هذه اللحظة، لا تبدو مترددة في رفض الهدنة أو التفاوض، ليس من باب المكابرة السياسية، بل من باب القراءة المتراكمة لسلوك الطرف المقابل.
فالدول لا تتخذ قراراتها الكبرى تحت ضغط اللحظة فقط، بل بناءً على ذاكرة سياسية ممتدة، وعلى فهم عميق لطبيعة المشاريع المتقابلة، وحدود المناورة داخلها.
1) الهدنة كفخ زمني لا كفرصة سياسية
الهدنة، في ظاهرها، تُقدَّم كإيقافٍ لإطلاق النار وفتحٍ لمسار التهدئة، لكنها في باطنها قد تتحول إلى أداة لإعادة ترتيب ميزان القوة.
فالتجارب العسكرية الحديثة تُظهر أن فترات التهدئة لا تُستخدم فقط لالتقاط الأنفاس، بل لإعادة التموضع، وتعزيز القدرات، وتحديث بنك الأهداف، وقراءة ردود الفعل الدولية والإقليمية بدقة أكبر.
وفي الحالة الراهنة، تدرك إيران أن أي هدنة قد تمنح الولايات المتحدة فرصة إضافية لتثبيت تفوقها العملياتي، وتوسيع انتشارها العسكري، وإحكام السيطرة على مفاصل القرار في مسرح العمليات.
الهدنة مرحلة انتقالية لإيران
من هذا المنطلق، لا تُقرأ الهدنة في طهران كنافذة للحل، بل كمرحلة انتقالية نحو ضغط أكثر دقة وتنظيمًا.
فالفارق بين “وقف النار” و”إدارة النار” كبير، وإيران تميل إلى الاعتقاد بأن ما يُعرض عليها هو الشكل الثاني لا الأول.
ولذلك، فإن قبول الهدنة قد يعني، في حساباتها، الدخول في مسار تصاعدي مؤجل، تُدار فيه المواجهة بأدوات أكثر إحكامًا من الطرف الأقوى.
2) تجربة 2015… الذاكرة التي تحكم القرار
منذ الاتفاق النووي عام 2015، تشكّلت لدى إيران قناعة متراكمة بأن التفاهم مع الولايات المتحدة لا يُنتج استقرارًا دائمًا، بل يؤسس لمرحلة مؤقتة قابلة للانقلاب.
فالانسحاب الأمريكي اللاحق من الاتفاق لم يُقرأ في طهران كتحول سياسي عابر، بل كدليل على أن الضمانات في العلاقة مع واشنطن تبقى هشة وقابلة لإعادة التعريف وفق تغير الإدارات والمصالح.
هذه الذاكرة لم تعد مجرد حدث تاريخي، بل أصبحت جزءًا من آلية اتخاذ القرار. فالتفاوض، وفق هذا التصور، لا يُنهي الصراع، بل يعيد ترتيبه، وقد يُستخدم كأداة لاحتواء الخصم مرحليًا قبل الانتقال إلى مرحلة ضغط أعلى.
لذلك، فإن أي دعوة جديدة للتفاوض أو الهدنة تُقابل بسؤال أساسي: ما الذي تغير هذه المرة؟ وإذا لم يكن الجواب مقنعًا، فإن الرفض يصبح خيارًا عقلانيًا لا انفعاليًا.
3) إيران كهدف استراتيجي… لا كخصم مرحلي
إيران لا تنظر إلى نفسها كطرف في نزاع محدود، بل كهدف داخل مشروع أوسع لإعادة تشكيل المنطقة.
هذا الإدراك ينبع من قراءة تراكمية للتحركات الأمريكية والإسرائيلية، التي لا تتوقف عند حدود احتواء السلوك الإيراني، بل تمتد—وفق الرؤية الإيرانية—إلى إعادة تعريف دورها وموقعها بالكامل.
وفي هذا السياق، يصبح القبول بالهدنة أو التفاوض خطوة محفوفة بالمخاطر، لأنها قد تُفسَّر كدخول في مسار طويل الأمد يُدار تدريجيًا لتفكيك عناصر القوة الإيرانية، سواء على المستوى العسكري أو الإقليمي أو السياسي.
ومن هنا، فإن الرفض لا يُبنى فقط على معطيات اللحظة، بل على تصور استراتيجي أوسع يرى أن المشروع المقابل يتجاوز إيران، لكنه يمر بها حتمًا.
4) ميزان القوة… حين لا يكون الردع ممكنًا
لا تخفى على صانع القرار الإيراني حقيقة ميزان القوة القائم، حيث تمتلك الولايات المتحدة تفوقًا عسكريًا وتقنيًا واضحًا، وقدرة على تنفيذ عمليات دقيقة وعميقة في وقت قصير.
كما تدرك طهران أن هذا التفوق لا يقابله، في اللحظة الراهنة، ردع موازٍ قادر على إيقاف القرار الأمريكي إذا ما اتُّخذ.
إلى جانب ذلك، فإن استخدام مفاهيم مثل “الدفاع الاستباقي” و”الخطر الوشيك” يمنح واشنطن مساحة قانونية وسياسية لتبرير أي تحرك عسكري، حتى في ظل اعتراضات دولية محدودة التأثير.
وفي ظل هذه المعادلة، يصبح قرار الحرب—من حيث التوقيت والنطاق—أقرب إلى الإرادة الأمريكية منه إلى توازن القوى التقليدي، وهو ما يدفع إيران إلى إعادة حساباتها بعيدًا عن الرهانات الكلاسيكية على الردع.
5) سردية الحرب… من يكتبها؟
في هذه المرحلة، لا تبدو الحرب مجرد نتيجة لتصعيد متبادل، بل أقرب إلى سردية تُدار بإيقاع واضح من طرف يمتلك القدرة على تحديد لحظات التصعيد والتهدئة.
فالإشارات السياسية والعسكرية، والتصريحات المتتابعة، وحركة القوات، كلها توحي بأن مسار المواجهة لا يُترك للصدفة، بل يُضبط ضمن إطار استراتيجي محدد.
هذا لا يعني غياب دور الأطراف الأخرى، لكنه يشير إلى أن القدرة على تحديد “متى وكيف” لا تزال تميل إلى جهة واحدة.
وفي مثل هذا السياق، تتحول الهدنة إلى أداة ضمن هذه السردية، لا إلى كسر لها، ويصبح القبول بها جزءًا من الدخول في إطار تُرسم حدوده مسبقًا.
6) ما بعد إيران… السؤال الذي لا يُقال
رغم أن التركيز ينصب على إيران، إلا أن جوهر القضية يتجاوزها. فالسؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمآل هذه المواجهة، بل بما سيترتب عليها من إعادة تشكيل للتوازنات الإقليمية والدولية.
فإذا كانت إيران محطة ضمن مشروع أوسع، فإن ما بعدها قد يكون أكثر تعقيدًا، سواء على مستوى إعادة توزيع النفوذ، أو على مستوى طبيعة النظام الإقليمي القادم.
القلق العالمي يتزايد لأجل الطاقة والممرات البحرية
وهنا يبرز القلق العالمي المرتبط بالطاقة والمضائق والتجارة، حيث لا يمكن فصل مصير هرمز وباب المندب عن طبيعة الترتيبات التي ستلي هذه المرحلة.
فالعالم لا ينظر إلى إيران فقط، بل إلى ما ستؤول إليه قواعد اللعبة بعد هذه اللحظة، وهل نحن أمام استقرار جديد، أم أمام مرحلة أكثر انكشافًا واضطرابًا.
الخلاصة
إيران لا ترفض الهدنة لأنها لا تريد السلام، بل لأنها لا ترى فيها ضمانًا للبقاء، ولا مسارًا ينهي الصراع وفق شروط متوازنة. وفي المقابل، لا تُطرح الهدنة كحل نهائي، بل كأداة ضمن مسار أكبر لإعادة تشكيل المعادلة.
العالم اليوم يقف بين معادلات متداخلة: الطاقة، والمضائق، والأسواق، والسياسة، لكنه في جوهره يقف أمام سؤال واحد:
هل ما يجري صراع على إيران… أم صراع على شكل العالم بعدها؟






