د. أيمن خالد يكتب: إيقاف في إيران واشتعال لبنان
أن ما جرى لم يكن تسوية للصراع، بل إعادة تموضع له ضمن بنية متعددة المستويات، تتداخل فيها أدوات الدولة مع شبكات النفوذ غير المباشر، وتختلط فيها قواعد القانون الدولي بحسابات القوة الاستراتيجية.

غارات جوية على لبنان خلفت مئات القتلى
لم يكن الإعلان عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران حدثًا عابرًا في سياق أزمة عابرة، بل كان لحظة كاشفة لطبيعة النظام الدولي المعاصر، حيث لا تُدار الحروب بالضرورة لإنهائها، بل لإعادة توزيعها ضمن جغرافيا جديدة أقل كلفة وأكثر قابلية للسيطرة.
فبينما بدا المشهد للوهلة الأولى وكأنه انزياح نحو التهدئة، سرعان ما كشفت التطورات اللاحقة – وفي مقدمتها الانقضاض الإسرائيلي واسع النطاق على لبنان –
أن ما جرى لم يكن تسوية للصراع، بل إعادة تموضع له ضمن بنية متعددة المستويات، تتداخل فيها أدوات الدولة مع شبكات النفوذ غير المباشر، وتختلط فيها قواعد القانون الدولي بحسابات القوة الاستراتيجية.
د. أيمن خالد يكتب: حرب هرمز ليست جزرًا بل مفاتيح العالم
د. أيمن خالد يكتب: أين ينتهي القانون ويبدأ الاشتباك؟
د. أيمن خالد يكتب: لماذا الهدنة ليست في صالح إيران؟
د. أيمن خالد يكتب: هدنة إعادة كتابة مفاتيح القوة
أولًا: بنية النزاع – ثلاثية الردع الإيراني في مواجهة الاستراتيجية الأمريكية–الإسرائيلية
لفهم طبيعة الاتفاق وحدوده، لا بد من العودة إلى بنية الصراع ذاته، الذي يقوم على ثلاث ركائز رئيسية شكّلت على مدار السنوات الماضية جوهر الخلاف بين المعسكر الأمريكي–الإسرائيلي من جهة، وإيران من جهة أخرى، وهي:
البرنامج النووي
وتخصيب اليورانيوم بوصفه تهديدًا استراتيجيًا طويل المدى
والقدرات الصاروخية الباليستية باعتبارها أداة ردع إقليمية،
ثم شبكة الأذرع المسلحة الممتدة في لبنان واليمن والعراق، والتي تمثل ذراعًا عملياتية غير مباشرة للنفوذ الإيراني.
وقد أظهرت الوقائع أن الاتفاق الأخير ركّز بصورة أساسية على الركيزتين الأولى والثانية.
حيث جرى احتواء المسار النووي ضمن ترتيبات أمنية–سياسية، بالتوازي مع استهداف القدرات الصاروخية أو تحييدها ضمن معادلة ردع جديدة.
في حين تم ترك الركيزة الثالثة خارج إطار الاتفاق، ليس بوصفها تفصيلًا ثانويًا، بل باعتبارها ملفًا مؤجلاً أو مفصولًا عمدًا عن مسار التهدئة.
ثانيًا: التكييف القانوني – بين وقف إطلاق النار والهدنة في ميزان القانون الدولي
من الناحية القانونية، يكتسب التمييز بين وقف إطلاق النار والهدنة أهمية حاسمة في فهم طبيعة الاتفاق.
فوقف إطلاق النار يُعدّ إجراءً مؤقتًا يهدف إلى تعليق العمليات القتالية المباشرة بين أطراف محددة، دون أن يتضمن تسوية نهائية للنزاع أو معالجة شاملة لأسبابه، كما أنه لا يستلزم بالضرورة وجود آليات رقابة أو التزامات تفصيلية.
أما الهدنة، فهي اتفاق أكثر شمولًا، يتضمن تحديدًا واضحًا للأطراف، ونطاقًا جغرافيًا دقيقًا، وشروطًا تنفيذية وآليات مراقبة، وغالبًا ما يشكّل مدخلًا لمسار سياسي لاحق.
وبالنظر إلى غياب هذه العناصر في الحالة الراهنة، يمكن الجزم بأن ما جرى بين واشنطن وطهران لا يرقى إلى مستوى الهدنة بالمعنى القانوني، بل يظل في إطار وقف إطلاق نار محدود النطاق، وهو توصيف يفسّر بدوره قابلية الاتفاق للتجزئة والتفسير الانتقائي.
ثالثًا: لبنان خارج النص – الاستبعاد المقصود للفاعلين من غير الدول
إن أعنف ما شهده لبنان من ضربات عسكرية متزامنة مع إعلان وقف إطلاق النار، لا يمكن تفسيره كحدث منفصل أو تصعيد طارئ، بل يجب قراءته ضمن البنية العميقة للاتفاق ذاته.
فاستبعاد حزب الله – بوصفه أحد أبرز الفاعلين المرتبطين بإيران – من إطار التفاهم، لم يكن نتيجة خلل تفاوضي، بل كان خيارًا استراتيجيًا مقصودًا يهدف إلى فصل مسارات الصراع.
هذا الفصل يسمح للولايات المتحدة بإدارة المواجهة مع الدولة (إيران) ضمن سقف محدد، في حين تُترك لإسرائيل مهمة التعامل مع الذراع الإقليمية ضمن منطق العمليات العسكرية المباشرة.
بذلك، فإن لبنان لم يُستثنَ من الاتفاق، بل لم يُدرج فيه أصلًا، وهو ما يفسر غياب أي قيد قانوني أو سياسي يمنع استمرار العمليات العسكرية على أراضيه.
رابعًا: الشرعية المتنازع عليها – حدود القانون الدولي أمام استخدام القوة
في ظل غياب تفويض صريح من مجلس الأمن الدولي، تظل العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، وكذلك الضربات الأمريكية ضد الفصائل المرتبطة بإيران في العراق أو اليمن، ضمن نطاق ما يمكن وصفه بـ”الشرعية المتنازع عليها”.
فهذه العمليات تُبرَّر من قبل منفذيها على أساس الدفاع الوقائي أو مواجهة تهديدات غير مباشرة، في حين تُعدّ من منظور قانوني صارم استخدامًا للقوة خارج الإطار المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة.
غير أن الواقع الدولي يُظهر أن هذه الحالة لم تعد استثناءً، بل أصبحت نمطًا متكررًا، حيث يُعاد تفسير القواعد القانونية بما يتوافق مع موازين القوة، وتُستخدم الأعراف والتأويلات لتوسيع نطاق المشروعية السياسية على حساب الصرامة القانونية.
خامسًا: من خفض التصعيد الرأسي إلى التصعيد الأفقي – نموذج إدارة الصراع المعاصر
يكشف المشهد الراهن عن انتقال واضح من نمط خفض التصعيد الرأسي بين القوى الكبرى، إلى نمط التصعيد الأفقي عبر الساحات الإقليمية.
ففي الوقت الذي جرى فيه احتواء المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، شهدت الأطراف الإقليمية – وفي مقدمتها لبنان – تصعيدًا عسكريًا واسع النطاق.
وهو ما يعكس نموذجًا متقدمًا في إدارة الصراعات يقوم على تفكيك الجبهات بدل توحيدها.
هذا النموذج يسمح بتقليل مخاطر الحرب الشاملة، لكنه في المقابل يطيل أمد النزاعات ويحوّل الدول الضعيفة إلى مسارح دائمة للاشتباك، حيث تُدار الحروب بالوكالة، وتُوزَّع الأدوار بين الفاعلين وفق حسابات دقيقة.
سادسًا: الاستشراف – نحو توسع منضبط للصراع لا انحسار له
إذا ما أُخذت هذه المعطيات مجتمعة، فإن التقدير الأكثر ترجيحًا هو أننا لا نتجه نحو مرحلة تهدئة شاملة، بل نحو مرحلة توسع منضبط للصراع.
حيث تستمر العمليات العسكرية في الساحات المرتبطة بالأذرع الإقليمية، مع بقاء خطوط الاتصال مفتوحة بين واشنطن وطهران لمنع الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
هذا السيناريو يعني عمليًا أن العراق قد يبقى ساحة للضغط الأمريكي على الفصائل المسلحة.
اليمن سيظل مجالًا محتملًا للتصعيد ضد الحوثيين، في حين يبقى لبنان في قلب المواجهة باعتباره الحلقة الأكثر حساسية في شبكة النفوذ الإيراني.
وبذلك، فإن وقف إطلاق النار لا يُعدّ نهاية للصراع، بل مرحلة انتقالية ضمن مسار أطول، تُعاد فيه صياغة موازين القوة بشكل تدريجي.
خاتمة: إعادة تشكيل الحرب بدل إنهائها
إن القراءة الدقيقة لما جرى تقود إلى نتيجة مفادها أن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لم يكن مشروع سلام، بل أداة لإعادة تنظيم الصراع ضمن حدود قابلة للإدارة.
فقد جرى تحييد المواجهة المباشرة، مقابل إطلاق يد الفاعلين الآخرين في ساحات مختلفة، وهو ما يجعل من المرحلة الحالية مرحلة إعادة تشكيل للحرب لا إنهاء لها.
وفي هذا السياق، يصبح القانون الدولي حاضرًا بوصفه إطارًا تفسيريًا، لكنه ليس الحاكم الوحيد، حيث تبقى الكلمة النهائية لموازين القوة وقدرة الأطراف على فرض قراءتها الخاصة للشرعية.






