مقالات
السفير معصوم مرزوق
السفير معصوم مرزوق

دبلوماسي وسفير سابق

دبلوماسية التخويف!

هناك من يري أن المسألة ليست جديدة علي المجتمع الأمريكي ، وأنه رغم مظاهر الحرية والديمقراطية ، فأن السيطرة الفعلية علي هذا المجتمع هي لطبقة مجمع المال والسلاح ،

مشاركة:
حجم الخط:

أعتدنا أن نخوف أطفالنا بنماذج متوارثة مثل ” أبو رجل مسلوخة ” و ” الغول ” و ” العفريت ” ..إلخ ، والهدف البريئ من ذلك كان – ولا يزال – ” تربوياً ” في الغالب الأعم ، فلكي نجبر الطفل علي إتباع سلوك معين أو الإمتناع عنه ، نستغل ونكرس غريزة الخوف من المجهول ، بأن نجعل هذا المجهول معلوماً بشعاً أو رهيباً ، ولا شك في نجاح هذا الأسلوب في تحقيق الهدف منه ، وإن كنت لا أريد أن أتحدث الآن عن آثاره السلبية تربوياً ونفسياً .. بل وسياسياً !

قانون الوطنبة الأمريكي

أن ما أريد تناوله هو التوسع في هذا الإستخدام البدائي علي المستوي الدولي في ظل ممارسات العولمة ، فمن الثابت مثلاً أن بعض الدوائر المسيطرة في الفكر الأمريكي المعاصر قد نجحت في خلق نماذج ” أبو رجل مسلوخة ” لتخويف المجتمع الأمريكي نفسه وتبرير إجراءات تعسفية داخلية وخارجية، وكان من ذلك تمرير قانون الوطنية ( Patriot Act ) الذي عصف بالحريات المدنية والكفالات القانونية لحقوق المواطنين ، والذي أعتبره حتي بعض المعلقين داخل أمريكا بأنه إنقلاب أبيض علي الدستور الأمريكي ، وأدي إلي إعتقالات وعمليات مراقبة وتفتيش خارج الضمانات والكفالات القانونية ، وبشكل لم تعد تجرؤ عليه بعض ديكتاتوريات العالم الثالث علي حد وصف هؤلاء المعلقين .
ولست في وارد سرد الحالات التي تعرض فيها مواطنون أمريكيون للقبض التعسفي ، أو لإجراءات تحقيق شابتها عورات عديدة ، فذلك منشور ومعلوم لدي الكافة ، إلا أن ما يثير التأمل هنا هو كيفية إستيعاب المجتمع الأمريكي لهذه الإجراءات التعسفية ؟ 

سياسة التخويف من الأشباح

هناك من يري أن المسألة ليست جديدة علي المجتمع الأمريكي ، وأنه رغم مظاهر الحرية والديمقراطية ، فأن السيطرة الفعلية علي هذا المجتمع هي لطبقة مجمع المال والسلاح ، ويؤسس هؤلاء نظريتهم علي أساس النظر للتاريخ الأمريكي نفسه ، فهذه الدولة التي سوغت لنفسها إبتلاع شمال المكسيك ، وإستعباد الزنوج حتي ستينات القرن الماضي ، وشن الحروب في أرجاء المعمورة الأربعة.

هذه الدولة، أو بالأحري القوي المسيطرة فيها ، لا تستطيع الإستمرار دون التلويح بعفريت ما أو بغول معين ، ولقد توفر ذلك أثناء الحرب الباردة من خلال العفريت الشيوعي ، ولم تكن المكارثية سوي قمة جبل الثلج في هذا الإطار ، فبإسم محاربة الخطر الشيوعي نشطت أجهزة الأمن ومؤسسات الدعاية السوداء داخل وخارج أمريكا ، بدءاً من تلويث سمعة بعض الأفراد إلي الإغتيالات والإنقلابات العسكرية .. يقول أصحاب هذه النظرية أن التاريخ الأمريكي قد أعتمد سياسة نشر الرعب سواء بطرق سلمية أو عسكرية .
وهناك نظرية أخري تري أن هذه الظاهرة قد بدأت في 11 سبتمبر 2001 ، حين أنقضت الطائرات علي مباني مركز التجارة العالمي في نيويورك ، ومبني البنتاجون في واشنطون ، حيث لم يعد أمام صانع القرار الأمريكي سوي إعتماد سياسة الإجهاض المبكر حتي يحمي أرض أمريكا بنقل الحرب ضد الإرهاب إلي مزارع الإرهاب ، وأصبح من اليسير علي المحافظين الجدد أن يبرروا بعض إجراءات التأمين الداخلي مهما خالفت القواعد الدستورية والإتفاقية التي عاش وتمتع بها المواطن الأمريكي ، علي أساس أن ذلك ثمن هين مقابل توفير أمن المواطن .

إشكالية الأمن السياسي 

والواقع أن إشكالية الأمن السياسي للدولة في علاقته بأمن المواطن وحقوقه هي مسألة شائكة وتتطلب مقالاً منفصلاً ، وإن كانت تدخل في صلب موضوع هذا المقال، إلا أنه يمكن القول لأغراض الإختصار أن الميزان الدقيق لهذه الإشكالية يتمثل في الضمانات القانونية والشفافية والمحاسبية ، وإلا عصف الأمن السياسي للدولة بأمن وحقوق المواطن .
وربما تستمد المدرسة الأخيرة من الفكر قوتها من حقيقة أن ” أبو رجل مسلوخة ” ليس مجرد فلكلوراً شعبياً أو أسطورة محكية ، وإنما ظاهرة كانت لها آثارها الواضحة للعيان في بقايا مباني مركز التجارة الدولية ، أو في مناطق متعددة للعالم ، إن إسم العفريت معروف وهو “الإرهاب ” ، بغض النظر عن إختلاف وجهات النظر حول التعريف .
وسواء أتفقنا أو أختلفنا مع الآراء السابقة ، فهي كلها تدور في إطار تطبيقات نظريات التخويف في داخل المجتمع الأمريكي ، وهي مسألة لأهل هذا البلد فهم أدري بشعابها ، ولكن ما يهمنا هنا هو إمتداد آثار هذه النظريات إلي العلاقات الدولية .

مبررات التدخل في الدول الأخرى 

من الثابت أن العديد من الكتاب والفقهاء في الغرب قد وجدوا مبررات عدة للتدخل في الشئون الداخلية للدول وصل إلي أقصاه في شكل الظاهرة الإستعمارية بحجة التمدين ورفع شأن الدول التي وقعت تحت نير الإستعمار ، وأخفي هذا التدخل أبشع أنواع الإستغلال والإستعباد تحت إسم الحضارة.

لقد كان نوعاً من فرض وصاية مباشرة علي شعوب بأكملها ، بحجة أن هذه الشعوب قاصرة عن إدراك مصالحها ، وخلف هذا الستار المخملي أغتصبت هذه الشعوب وأنتهبت ثرواتها ، ثم جاءت فترة الحرب الباردة ، وأصبح للتدخل ستاراً آخر هو حماية الشعوب من إستبداد الشيوعية ، وهو تاريخ آخر أسود لتلك النظريات التي تفترض بشكل عنصري وصاية شعب أو فكر علي شعوب أخري.

وتطبيقاً لهذه النظريات قامت الأحلاف ودبرت الإنقلابات والإغتيالات ، ودعمت الديكتاتوريات ، بل وعمقت النظريات الدينية المتطرفة كوسيلة لمواجهة ” بعبع ” الشيوعية ” الملحدة ، وهي قصة تستحق أن تروي بتفاصيلها ، إلا أن هذا ليس محلها .

شارك المقال: