مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

حينَ دخلتْ إيرانُ المعركةَ واهتزَّ ميزانُ الردعِ في الخليجِ

كن أخطر ما في اللحظة ليس الصواريخ ذاتها، بل السردية التي تتشكل حولها. القول إن إيران خارج المعركة بالكامل كان قراءة ساذجة لميزان اشتباك يتغير أمام أعيننا. في المقابل، إعلان نجاح حاسم في الساعات الأولى انفعال معاكس لا يقل اختزالا

مشاركة:
حجم الخط:

بين كسرُ العينِ قبلَ القبضةِ:

حينَ دخلتْ إيرانُ المعركةَ واهتزَّ ميزانُ الردعِ في الخليجِ

معتز منصور 

ما يجري ليس تبادلا ناريا محدودا، بل لحظة اختبار صلبة لمعادلة الردع في الإقليم كله. الضربة التي استهدفت رادار AN/FPS 132 في قاعدة العديد لا يمكن قراءتها كواقعة تقنية معزولة، بل كرسالة سياسية عسكرية مركبة. هذا الرادار جزء من شبكة الإنذار المبكر الأميركية المرتبطة بمنظومات الدفاع الصاروخي العابرة للإقليم، وأي مساس به، سواء كان تعطيلًا مؤقتا أو إضعافا وظيفيا، يعني أن طهران اختارت أن تضرب العين قبل أن تناور مع القبضة.

قاعدة العديد ليست منشأة عادية. إنها أحد أهم مراكز تمركز القوات الأميركية في الخليج، وترتبط عملياتيا بالقيادة المركزية الأميركية. وجود شبكة إنذار مبكر فيها يجعلها عقدة في منظومة إقليمية تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط، حيث تتكامل مع أنظمة إسرائيلية متعددة الطبقات، الربط العملياتي لا يعني وحدة القرار، لكنه يعني وحدة الفضاء الراداري، ضرب هذه العقدة يساوي محاولة إرباك المشهد بكامله، لا مجرد تسجيل نقطة دعائية.

بالتوازي، وصول مسيرات وصواريخ قديمة نسبيا إلى عمق فلسطين المحتلة يحمل دلالة تكتيكية واضحة. استنزاف صواريخ الاعتراض، إجبار الخصم على إطلاق ذخائر أعلى كلفة ضد تهديدات أقل كلفة، إنها معادلة اقتصاد نار بامتياز. هنا لا تُقاس الفعالية بعدد المقذوفات التي أُطلقت، بل بنسبة الاستنزاف بين الكلفة والهامش. حين تطلق صاروخا اعتراضيا بعشرات أو مئات الآلاف من الدولارات لإسقاط مسيرة رخيصة، فأنت تدخل تدريجيا في معركة استدامة، لا في استعراض قوة.

إعلان إدخال خرمشهر 4 الخدمة بمدى يقارب ألفي كيلومتر يضيف بعدا آخر. سواء وُصف بأنه فرط صوتي أم باليستي تقليدي عالي السرعة، الأهم هو الرسالة السياسية، إيران تقول إنها لا ترد فقط، بل ترفع السقف النوعي. في العقيدة الصاروخية، الإعلان عن سلاح جديد في لحظة اشتباك ليس تفصيلا تقنيا، بل خطوة نفسية موجهة إلى غرف القرار قبل أن تكون موجهة إلى ساحات الميدان.

أما الحديث عن استهداف سفينة دعم قتالي أميركية من طراز MST، فهو مؤشر إلى أن المعركة إن توسعت لن تبقى جوية صاروخية فقط، بل ستلامس البحر. البحر هنا ليس مسرحا جانبيا، بل شريان إمداد استراتيجي. أي اشتباك بحري مباشر يعني اقترابا خطيرا من مواجهة مفتوحة لا يمكن احتواؤها بسهولة ضمن قواعد اشتباك رمادية.

في المقابل، ما يُتداول عن استهداف مدرسة ابتدائية في إيران، إن ثبت بصور وأدلة مستقلة، فذلك ينقل المعركة إلى مستوى أخلاقي وقانوني مختلف. استهداف منشأة تعليمية مدنية جريمة وفق القانون الدولي الإنساني ما لم يثبت استخدامها عسكريا. هنا لا تعود المسألة ميزان قوى فقط، بل ميزان شرعية. الإمبراطوريات حين تضرب أهدافا مدنية تظن أنها تردع، لكنها غالبا تعيد إنتاج بيئة مقاومة أوسع.

لكن أخطر ما في اللحظة ليس الصواريخ ذاتها، بل السردية التي تتشكل حولها. القول إن إيران خارج المعركة بالكامل كان قراءة ساذجة لميزان اشتباك يتغير أمام أعيننا. في المقابل، إعلان نجاح حاسم في الساعات الأولى انفعال معاكس لا يقل اختزالا. الحروب الكبرى لا تُحسم في الضربة الأولى، بل في القدرة على الاستمرار، في حجم المخزون، في مرونة الاقتصاد، في صلابة الجبهة الداخلية.

ما ينبغي تفكيكه بهدوء هو سؤال الاستدامة. الولايات المتحدة تمتلك بنية عسكرية عالمية، قواعد ممتدة، وقدرة على إعادة التموضع بسرعة. لكنها في الوقت ذاته مثقلة بحسابات داخلية، رأي عام متعب من الحروب، واستحقاقات انتخابية لا تحتمل مغامرات مفتوحة. إسرائيل تملك تفوقا تقنيا في الدفاع الجوي، لكنها تواجه جغرافيا ضيقة، عمقا استراتيجيا محدودا، وجبهة داخلية سريعة التأثر بالاختراقات. إيران من جهتها تعتمد على عمق جغرافي واسع، شبكة حلفاء إقليميين، وعقيدة صبر طويل. لكنها تعاني اقتصادا محاصرا، وضغوطا اجتماعية، وحدودا تقنية لا يمكن تجاهلها.

انخراط دول الخليج والأردن في إسقاط الصواريخ فوق أجوائها ليس تفصيلا ثانويا. كل صاروخ يُعترض فوق سماء دولة ما يعيد تعريف موقعها في المعادلة. هنا تتبدد أوهام الحياد الكامل. المجال الجوي في زمن الصواريخ جزء من المعركة، سواء أرادت الدول ذلك أم لم ترد. غير أن القراءة الصفرية التي تصنف كل خطوة باعتبارها خيانة أو تبعية تختزل منطق الدولة، الذي يقوم على حماية المجال الوطني أولا، ولو ضمن شبكة تحالفات معقدة.

السؤال الأعمق إذن، هل نحن أمام جولة محدودة لإعادة تثبيت قواعد ردع جديدة، أم أمام انزلاق إلى مواجهة مباشرة واسعة. إن كان الهدف الإيراني إظهار القدرة على اختراق المنظومات وإرباك العقد الاستراتيجية، فقد حقق جزءا من الرسالة. وإن كان الهدف الأميركي الإسرائيلي اختبار السقف الإيراني وضرب بنيته دون جر المنطقة إلى حرب شاملة، فالمعركة لم تقل كلمتها بعد.

التاريخ القريب يعلمنا أن الضربات الافتتاحية غالبا ما تخدع المراقبين. في كل مواجهة غير متناظرة، يراهن طرف على الصدمة الأولى، ويراهن آخر على النفس الطويل. النتيجة لا تُكتب في بيان الحرس الثوري الأول، ولا في تصريح مسؤول أميركي مستعجل، بل في قدرة كل طرف على تحمل كلفة الأسابيع التالية.

ما بعد الضربة الأولى ليس احتفالا ولا إنكارا، بل لحظة حساب بارد. من يملك زمام المبادرة ليس من أطلق الصاروخ الأول، بل من يفرض قواعد الاشتباك التالية. هنا يتقرر شكل الإقليم لسنوات، لا في الضجيج، بل في ما يتبعه من هدوء مشروط.

معتز منصور – كاتب وباحث سياسي

ما يجري ليس تبادلا ناريا محدودا، بل لحظة اختبار صلبة لمعادلة الردع في الإقليم كله. الضربة التي استهدفت رادار AN/FPS 132 في قاعدة العديد لا يمكن قراءتها كواقعة تقنية معزولة، بل كرسالة سياسية عسكرية مركبة. هذا الرادار جزء من شبكة الإنذار المبكر الأميركية المرتبطة بمنظومات الدفاع الصاروخي العابرة للإقليم، وأي مساس به، سواء كان تعطيلًا مؤقتا أو إضعافا وظيفيا، يعني أن طهران اختارت أن تضرب العين قبل أن تناور مع القبضة.

قاعدة العديد ليست منشأة عادية. إنها أحد أهم مراكز تمركز القوات الأميركية في الخليج، وترتبط عملياتيا بالقيادة المركزية الأميركية. وجود شبكة إنذار مبكر فيها يجعلها عقدة في منظومة إقليمية تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط، حيث تتكامل مع أنظمة إسرائيلية متعددة الطبقات. الربط العملياتي لا يعني وحدة القرار، لكنه يعني وحدة الفضاء الراداري. ضرب هذه العقدة يساوي محاولة إرباك المشهد بكامله، لا مجرد تسجيل نقطة دعائية.

بالتوازي، وصول مسيرات وصواريخ قديمة نسبيا إلى عمق فلسطين المحتلة يحمل دلالة تكتيكية واضحة. استنزاف صواريخ الاعتراض، إجبار الخصم على إطلاق ذخائر أعلى كلفة ضد تهديدات أقل كلفة، إنها معادلة اقتصاد نار بامتياز. هنا لا تُقاس الفعالية بعدد المقذوفات التي أُطلقت، بل بنسبة الاستنزاف بين الكلفة والهامش. حين تطلق صاروخا إعتراضيا بعشرات أو مئات الآلاف من الدولارات لإسقاط مسيرة رخيصة، فأنت تدخل تدريجيا في معركة استدامة، لا في استعراض قوة.

إعلان إدخال خر مشهر 4 الخدمة بمدى يقارب ألفي كيلومتر يضيف بعدا آخر. سواء وُصف بأنه فرط صوتي أم باليستي تقليدي عالي السرعة، الأهم هو الرسالة السياسية، إيران تقول إنها لا ترد فقط، بل ترفع السقف النوعي. في العقيدة الصاروخية، الإعلان عن سلاح جديد في لحظة اشتباك ليس تفصيلا تقنيا، بل خطوة نفسية موجهة إلى غرف القرار قبل أن تكون موجهة إلى ساحات الميدان.

أما الحديث عن استهداف سفينة دعم قتالي أميركية من طراز MST، فهو مؤشر إلى أن المعركة إن توسعت لن تبقى جوية صاروخية فقط، بل ستلامس البحر. البحر هنا ليس مسرحا جانبيا، بل شريان إمداد استراتيجي. أي اشتباك بحري مباشر يعني اقترابا خطيرا من مواجهة مفتوحة لا يمكن احتواؤها بسهولة ضمن قواعد اشتباك رمادية.

في المقابل، ما يُتداول عن استهداف مدرسة ابتدائية في إيران، إن ثبت بصور وأدلة مستقلة، فذلك ينقل المعركة إلى مستوى أخلاقي وقانوني مختلف. استهداف منشأة تعليمية مدنية جريمة وفق القانون الدولي الإنساني ما لم يثبت استخدامها عسكريا. هنا لا تعود المسألة ميزان قوى فقط، بل ميزان شرعية. الإمبراطوريات حين تضرب أهدافا مدنية تظن أنها تردع، لكنها غالبا تعيد إنتاج بيئة مقاومة أوسع.

لكن أخطر ما في اللحظة ليس الصواريخ ذاتها، بل السردية التي تتشكل حولها. القول إن إيران خارج المعركة بالكامل كان قراءة ساذجة لميزان اشتباك يتغير أمام أعيننا. في المقابل، إعلان نجاح حاسم في الساعات الأولى انفعال معاكس لا يقل اختزالا. الحروب الكبرى لا تُحسم في الضربة الأولى، بل في القدرة على الاستمرار، في حجم المخزون، في مرونة الاقتصاد، في صلابة الجبهة الداخلية.

ما ينبغي تفكيكه بهدوء هو سؤال الاستدامة. الولايات المتحدة تمتلك بنية عسكرية عالمية، قواعد ممتدة، وقدرة على إعادة التموضع بسرعة. لكنها في الوقت ذاته مثقلة بحسابات داخلية، رأي عام متعب من الحروب، واستحقاقات انتخابية لا تحتمل مغامرات مفتوحة. إسرائيل تملك تفوقا تقنيا في الدفاع الجوي، لكنها تواجه جغرافيا ضيقة، عمقا استراتيجيا محدودا، وجبهة داخلية سريعة التأثر بالاختراقات. إيران من جهتها تعتمد على عمق جغرافي واسع، شبكة حلفاء إقليميين، وعقيدة صبر طويل. لكنها تعاني اقتصادا محاصرا، وضغوطا اجتماعية، وحدودا تقنية لا يمكن تجاهلها.

انخراط دول الخليج والأردن في إسقاط الصواريخ فوق أجوائها ليس تفصيلا ثانويا. كل صاروخ يُعترض فوق سماء دولة ما يعيد تعريف موقعها في المعادلة. هنا تتبدد أوهام الحياد الكامل. المجال الجوي في زمن الصواريخ جزء من المعركة، سواء أرادت الدول ذلك أم لم ترد. غير أن القراءة الصفرية التي تصنف كل خطوة باعتبارها خيانة أو تبعية تختزل منطق الدولة، الذي يقوم على حماية المجال الوطني أولا، ولو ضمن شبكة تحالفات معقدة.

السؤال الأعمق إذن، هل نحن أمام جولة محدودة لإعادة تثبيت قواعد ردع جديدة، أم أمام انزلاق إلى مواجهة مباشرة واسعة. إن كان الهدف الإيراني إظهار القدرة على اختراق المنظومات وإرباك العقد الاستراتيجية، فقد حقق جزءا من الرسالة. وإن كان الهدف الأميركي الإسرائيلي اختبار السقف الإيراني وضرب بنيته دون جر المنطقة إلى حرب شاملة، فالمعركة لم تقل كلمتها بعد.

التاريخ القريب يعلمنا أن الضربات الافتتاحية غالبا ما تخدع المراقبين. في كل مواجهة غير متناظرة، يراهن طرف على الصدمة الأولى، ويراهن آخر على النفس الطويل. النتيجة لا تُكتب في بيان الحرس الثوري الأول، ولا في تصريح مسؤول أميركي مستعجل، بل في قدرة كل طرف على تحمل كلفة الأسابيع التالية.

ما بعد الضربة الأولى ليس احتفالا ولا إنكارا، بل لحظة حساب بارد. من يملك زمام المبادرة ليس من أطلق الصاروخ الأول، بل من يفرض قواعد الاشتباك التالية. هنا يتقرر شكل الإقليم لسنوات، لا في الضجيج، بل في ما يتبعه من هدوء مشروط.

شارك المقال: