حسن مدبولي يكتب: دماء الصغار في رقابكم ؟
عندما تفقد هذه الأم الثقة في أن الغد قد يكون أرحم من اليوم، وحين يصبح الشارع تهديداً، والمستشفى عبئاً، والمجتمع جداراً صلباً،فاننا نكون أمام جرائم تقترب من أن تكون متعمدة

لحظة كاشفة للعوار المجتمعي
هذه ليست حادثة عابرة، بل هى لحظة فاضحة كاشفة أظهرت خللاً عميقاً في بنية المجتمع وقيمه، وكشفت الغطاء عن غشومية السياسات الاقتصادية الجهولة ، الموغلة فى التوحش .
فأرواح أطفال الإسكندرية ليست أرقاماً في خبر روتينى رتيب يمكن نسيانه بعد حين، لكنها تعتبر اتهاما صريحا يعلو فوق كل خطاب ناعم مدلس،وهى أيضا عار مباشر يدنس جبهات الجميع بلا استثناء.
مأساة مركبة
وما وقع هو باختصار مأساة مركبة، حيث أننا أمام أمّ أنهكها المرض، وخذلها أقرب الناس إليها، وأُغلقت في وجهها أبواب النجاة.
لم تجد يداً تمتد، ولا مؤسسة تحتوي، ولا أملاً يمكن الاتكاء عليه.
احباط وانهيار
فقررت في لحظة انهيار كامل إختيار الموت خلاصاً، لا لنفسها فقط، بل لفلزات كبدها أيضاً.
هذا هو جوهر تلك الكارثة التى وقعت بالاسكندرية.
عندما تحولت “الحياة” ، في وعي إنسان مكسور منهار صحيا ونفسيا ، إلى خطرٍ داهم ينبغي الهروب منه،
إن تلك الفاجعة الموجعة لا تنحصر فى الفعل وحده، بل أيضا في السياق الذي صنع الفعل أو دفع اليه.
مأساة المجتمع الظالم
عندما تفقد هذه الأم الثقة في أن الغد قد يكون أرحم من اليوم، وحين يصبح الشارع تهديداً، والمستشفى عبئاً، والمجتمع جداراً صلباً،فاننا نكون أمام جرائم تقترب من أن تكون متعمدة.
وعندما تتكرر المأساة فى أكثر من مدينة ومنطقة، ولا يتوقف أحد أمام الدوافع أو المسببات، فإننا لا نكون أمام “حادث فردي”، بل أمام نتيجة منطقية لمسار طويل من الإهمال والتجريف والتزييف والخداع.
الشعارات الزائفة لا تكفي المجتمع
إن كافة الشعارات اللامعة عن “الحياة الكريمة” والجمهوريات الجديدة والمستقبل المزهر، تنهار بأكملها أمام واقعة واحدة كهذه، لأن كرامة الإنسان لا تُقاس بالكلمات، ولابالقيمة النظرية الانشائية لمقام الأمهات أو السيدات المصريات على ألسنة المسئولين ،
لكن الفيصل فى هذا المقام يكمن فى الحصول على الشعور بالأمان، وتوافر أبسط الحقوق الانسانية من العلاج،والتعليم والحماية، والأمن والأمل،بلا إهانة،أو متاجرة.
انها نتاج سياساتكم
فما وقع من مأساة هو خلاصة طبيعية ونتيجة منطقية لتراكم السياسات التى تُنتج الفقر وتعيد تدويره، وتغلق منافذ النجاة، ثم تترك الضحايا يواجهون مصيرهم وحدهم دون مساندة أو دعم،
كما أن دماء هؤلاء الأطفال تعتبر شهادة اتهام ضد من يديرون المجال العام بلا رؤية للعدالة الاجتماعية،
و في أي مجتمع يحترم الحياة، فهذه الحادثة كانت كفيلة بزلزال سياسي وأخلاقي، لا بمجرد تعاطف عابر، قد ينتهى بعد ساعات ،






