مقال بوك

حدث في جمهوريات الموز !

تحت حكم "الجونتا" العسكرية، تدهور الإقتصاد البرازيلي بشكل خطير، وتمت مطاردة المعارضة السياسية بواسطة ما عرف وقتها بـ "فرق الموت" التي كانت تتولي إغتيال المعارضين

مشاركة:
حجم الخط:

بقلم:

معصوم مرزوق

هذه هي الحلقة الثالثة والأخيرة من سلسلة مقالاتي التي خصصتها للحديث عن التطور السياسي في بعض دول أمريكا اللاتينية ، وهي تجارب عايشتها عن قرب ، وكتبت عنها ، ولا زلت أتابعها ، وأتيح لي في مرحلة مبكرة من حياتي الدبلوماسية أن أقارن الأفكار بلقاءات حية مع خبراء في أغلب تلك التجارب ، وعلي ارض أمريكا اللاتينية نفسها .
وقد تناولت في الحلقتين السابقتين تجربة كل من الأرجنتين وتشيلي ، وفي الحلقة الحالية أتناول التجربة البرازيلية .

نجح إنقلاب عسكري في البرازيل أول إبريل 1964، واستمر في الحكم حتي 15 مارس 1985، وكان شعار المجلس العسكري البرازيلي أثناء فترة حكمه الطويلة هو “إما أن تحب البرازيل، أو تغادرها”، وإما أن تغادرها علي قيد الحياة، أو تغادر الحياة نفسها!

وتحت حكم “الجونتا” العسكرية، تدهور الإقتصاد البرازيلي بشكل خطير، وتمت مطاردة المعارضة السياسية بواسطة ما عرف وقتها بـ “فرق الموت” التي كانت تتولي إغتيال المعارضين، وكانت تلك الفرق تتشكل من كتائب من البلطجية تحت قيادة ضباط شرطة، وقد كشفت التحقيقات فيما بعد أن تلك الفرق كان يمولها رجال أعمال مرموقين، ورغم انتهاء الحكم العسكري لا يزال القضاء البرازيلي حتي الآن يتعقب أعضاء تلك الفرق الإجرامية، ويصدر أحكاماً مشددة بالسجن ضدهم.

إلا أن كل هذا الرعب لم ينجح في القضاء علي جذوة المعارضة المشتعلة في البرازيل، بل دفعت المعارضين إلي العمل السري تحت الأرض، وأدي ذلك إلي إنتشار التفجيرات في أنحاء مختلفة من البرازيل، بل وحدث أنه تم إختطاف عدد من السفراء منهم سفير أمريكا في البرازيل مقابل الإفراج عن المعتقلين السياسيين.. وكانت الفتاة ديلما روسوف واحدة من الطلبة الذين شاركوا في العمل السري وتم إعتقالها وتعذيبها بشكل وحشي.. وقد أصبحت هذه الفتاة فيما بعد رئيسة للبرازيل بعد فترة رئاسة العظيم لولا دي سيلفا..

وقد هب الشعب البرازيلي في مواجهة حكم “الجونتا العسكرية” وعمت الإضرابات العمالية، واندفع البرازيليون إلي الشوارع عام 1979، وأستمر الزخم الثوري حتي عودة الديمقراطية للبلاد عام 1985، بعد أن ساءت الأحوال الإقتصادية بشكل غير مسبوق، وعجزت الحكومة عن سداد الديون التي استدانها المجلس العسكري دون تقدير للعواقب الإقتصادية، خاصة مع تطبيق سياسة أطلق عليها “أبيرتورا” (أي الإنفتاح!)، تبنت بغباء شديد تطبيقات مدرسة شيكاغو التي استفاد منها فقط حفنة من الرأسماليين والشركات متعددة الجنسية بحجة تشجيع الإستثمار.

إن سياسة الانفتاح التي بدأها الحكم العسكري في البرازيل قد أغرقت الإقتصاد البرازيلي لمدة تتجاوز ثلاثة عقود حيث ورط الإنقلاب العسكري البرازيل في ديون باهظة، وربما حقق نوعاً من الإستقرار من خلال قبضته الفولاذية ومطاردة المعارضة وإغتيال وسجن رموزها، كما ساعدته القروض الباهظة في الإنفاق علي بعض المجالات الخدمية التي أعطت صورة خادعة للإستقرار، وهو ما أدي إلي تدفق بعض الإستثمارات التي استغلت ذلك الإستقرار القصري المفروض كي تحقق أرباحاً طائلة، وإن كان كل ذلك علي حساب الشعب البرازيلي.

ومن المدهش أن “حكم سليمان” في الحالة البرازيلية طبقه المجلس العسكري نفسه علي نفسه، فعندما تمكن بالفعل من القضاء علي المعارضة المسلحة، التي كانت في الأساس رد فعل لقمع السلطة، أعلن بفخر أنه حقق الإستقرار، ولكن ذلك جعل الطبقة المتوسطة العريضة تري أنه طالما تحقق الإستقرار فما فائدة وجود الجيش في السلطة؟!!.

وكان لا بد أن يأتي ماسح للأحذية أسمه “لولا دي سيلفا” كي يعالج أمراض الإقتصاد البرازيلي.. ولكن تلك قصة أخري.

شارك المقال: