تقارير

تقرير: الذكرى الـ 15 لتنحي مبارك حين اعتقدنا نجاح الثورة

الجانب الآخر لمأزق السلمية هو أن القوى الثورية انحشرت بين القوتين الرئيسيتين في البلد، الجيش والإخوان، بحكم مشاركة الإخوان ونزول الجيش في 28 يناير

مشاركة:
حجم الخط:

مرت الذكرى الـ 15 لتنحي الرئيس الراحل محمد حسني مبارك عن الحكم، بضغط من ثورة شعبية استمرت لمدة 18 يوم في ميدان التحرير وميادين المحافظات.

في المناسبة دي من المفيد تذكر يناير وما أنجزته بحكم أن الأجيال الجديدة ترى فيها علامة على إخفاق جيل الثورة عن إحداث التغيير السياسي المأمول، وكأن تغيير البنى الاجتماعية والهياكل السياسية يحدث بمجرد التظاهر في الشارع! وبحكم أن السلطة تعيد إنتاج نفس الأسباب اللي فجرَّت يناير في الوقت اللي بتحذر فيه منها.

قبل تحليل أشكال نجاح يناير وما ينسب إليها من إخفاق، يجب التذكير أن الثورات تحدث بعد تحلل الأنظمة وجمودها وانغلاقها على نخب بعينها على حساب بقية الشعب اللي بتكون غير ممثلة سياسياً ولا ممكنة اقتصادياً بما ينال من المناعة الوطنية (المهمة رقم 1 للسلطة) وده مع الوقت بيدفع الشعوب للمطالبة بالتغيير الشامل، بعدما بيتعذر الإصلاح ويضيع الأمل وينتشر اليأس وتفقد السلطة القدرة على التفاعل الحي مع مجتمعها، وتنعزل عنه خلف بوكس البوليس و جدران الزنازين.

كيف نجحت يناير؟

 يناير كانت حصيلة تقاطع مسارين، الأول ثقافي ممثلاً في طموح سياسي لأبناء الطبقة الوسطى المتعلمين اللي أرادوا إنجاز تحول ديمقراطي بدلا من حكم الفرد ودولة قانون بدلا من عزبة الرئيس، وحريات بدلا من بطش الضباط.

الثاني مسار ذو طابع اجتماعي ساهم في تدشينه الفوارق الطبقية غير المسبوقة في المجتمع بسبب السياسات النيوليبرالية اللي عملت تنمية لا متكافئة (المصطلح مستعار من سمير أمين) لصالح ضيقة في أعلى الهرم الاجتماعي على حساب الطبقات الشعبية اللي تضررت بشدة في آخر ١٠ سنين من حكم مبارك.

أما قمع الشرطة، فكان المُحفِّز أو الصاعق المفجر للتغيير، بعدما وصل البطش الأمني في الزنازين والشوارع إلى حد الإذلال، وده سبب الغضب الهائل اللي انفجر في وجه الشرطة وتسبب في تحطم البنية الأساسية للجهاز الأمني في عدة ساعات.

مع ذلك، ورغم البطولات الملحمية في 28 يناير و1 فبراير، فإن الثورات العفوية نادراً ما تنجح في تحقيق غاياتها الكبرى بالنقاء الثوري ولا بالتحرر من أعباء وغِلال الخوف اللي بتفرضها الأنظمة البوليسية، لافتقادها إلى التنظيم والقيادة، بما يجعلها قادرة على تحقيق أهدافها المباشرة في المدى القريب، لكن في المدى المتوسط بتكون فريسة سهلة للقوى التاريخية المتجذرة سواء في المعارضة والسلطة.
 لو أردنا تقييم يناير موضوعي سنجد أن يناير وقعت بعمق فيما نسميه “مأزق السلمية” وده الوجه الآخر لـ”مأزق العنف” (اللي رفضته يناير بوعي) مأزق السلمية بيتخلص في أنه بيضع سقف على الأهداف السياسية المباشرة للقوى الثورية: الأول، الإطاحة بالرئيس وده تحقق فعلاً، والثاني الوصول لانتخابات نزيهة وده حصل بالفعل في انتخابات برلمانية ورئاسية.

هدف أي ثورة سلمية هو الوصول لانتخابات، دي المهمة الأولى للقوى المشاركة في الثورة، لكن ما الذي يترتب على هذه الانتخابات فده أمر يشارك فيه الشعب كله بقواه السياسية والمجتمعية وعائلات النافذة وشبكاته المالية وثقافته ومستويات تعليمه المتفاوتة.

يعني باختصار الثوري اللي شارك في يناير مش “مِغسل وضامن جنة” دوره تلخص في تنحية المكون الحاكم في السلطة وإجبار المكون البديل على إجراء انتخابات نزيهة، أما من يصعد إلى السلطة وفقاً لهذه الانتخابات فدي مسئولية الشعب كله، وأما كيف يدير الحاكم اللي بيدعي أنه بيمثل الثورة فدي مسئوليته الشخصية ومسؤولية الكيان اللي بينتمي إليه.

لكن لا يعقل أن تطالب يناير بإسقاط النظام، والنظام سقط فعلياً في 2011 وتحطم بشكل شبه كامل، وليس فقط رأس النظام كما يشاع، بدليل الإطاحة بالحزب الحاكم والبرلمان ومجلس الشورى والحكومة، ومجمل النخبة الحاكمة، أما النظام الحالي فأعيد بناؤه كلياً في خواتيم المرحلة الانتقالية وأثناء وجود الإخوان في السلطة، ويجب أن نفهم ذلك بشكل دقيق.

نجاح الثورة وإخفاق السياسة

 الجانب الآخر لمأزق السلمية هو أن القوى الثورية انحشرت بين القوتين الرئيسيتين في البلد، الجيش والإخوان، بحكم مشاركة الإخوان ونزول الجيش في 28 يناير، ودي لحظة مفصلية رسمت المسار اللي هتمشي فيه الثورة كصراع بين أطراف 3: شباب الثورة، وهم أضعفها بحكم سيولتهم التنظيمية ولا انسجامهم الإيديولوجي، والإخوان وهي جماعة راكمت قدرات تنظيمية وسياسية ومالية على مدار ٨ عقود قبل الثورة، والجيش وهو العمود الفقري للدولة.

تطور الصراع الثلاثي عبر مرحلتين: الأولى تحالف مرحلي بين الجيش والإخوان لفرض حدود على التغيير الثوري الجامح، عبر تأطير الثورة في مسارات إجرائية تمثلت في استفتاء مبكر جداً على الدستور أعقبه انتخابات تشريعية، لم يكن شباب يناير جاهزون لخوضها، وده فرض على يناير أنها تكون قصيرة العمر.

المرحلة الثانية، وهي الصراع بين الجيش والإخوان، واللي بدأ في وقت سابق بكتير لـ 30 يونيو 2013، وكان أولى محطاته في يناير 2012 مع حصول الإخوان على أكثرية في مجلس الشعب، رغم وعودهم بالمشاركة على ثلث المقاعد بس، قبل الرجوع في الوعد وتوسيع منافستهم.

سيطرة الإخوان على البرلمان أعطتهم جرعة عالية من الشعور بالقوة بشكل دفعهم للمطالبة بإقالة حكومة الجنزوري اللي عينها الجيش، وأعلنوا رغبتهم في تشكيل حكومة خاصة بيهم، وده استفز الجيش اللي كان قلق أصلاً من نكث الإخوان لوعدهم الانتخابي، وشاف في جمع الإخوان بين البرلمان والحكومة سيطرة حقيقية على الدولة.

– المحطة الثانية للصدام هو أن الجماعة نكثت عهدها بعدم المنافسة على موقع رئيس الجمهورية، وتحججت بذلك بفتوى المحكمة الدستورية بعدم شرعية البرلمان بسبب قيامه على قانون معيب دستورياً.

المحطة الثالثة كانت إلغاء الرئيس الراحل محمد مرسي الإعلان الدستوري اللي كانت قيادة الجيش أصدرته حتى لا يجمع الإخوان بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وجمع مرسي بين السلطتين في شخصه.

المحطة الرابعة وكانت في مارس 2013 مع إعلان الكلية الحربية أن المتدربين الجدد فيهم عدد من أبناء عائلات إخوانية منهم ابن شقيق محمد مرسي، وده كان بمثابة كسر لخط أحمر شديد الحساسية للجيش في عدم انتساب المُسيسين لصفوفه، سواء إخوان أو شيوعيين أو أي تيار إيديولوجي آخر.

المحطة دي بالذات كانت سبب استجابة قادة الجيش لنصائح وتحذيرات ضباط الأمن الوطني بأن الإخوان لديهم مشكلة جوهرية مع الدولة المصرية، وأنهم يريدون السيطرة عليها عبر اختراق الجيش والأجهزة الأمنية وتحويلهم لصالح الجماعة، وده كان أحد الأسباب الأساسية في أن الجيش يغير من موقعه في بنية السلطة من ضامن للنظام السياسي إلى صانع للنظام زي ما حصل في 2013.

باختصار ما عرقل قوى يناير عن بناء استراتيجية فعالة توصل قوى ثورية فعلاً إلى السلطة، وليس قوى دينية محافظة تتكلم باسم الثورة وتحتكر تمثيلها، وهو أن يناير كانت حدث جديد من نوعه في السياسة المصرية، ومع غياب شبه تام للأحزاب الضرورية لأي انتقال سياسي منظم من حكم الفرد إلى الديمقراطية المستقرة.

جيل يناير كان بلا سابق خبرة ولا تعليمات وإرشادات للعمل والتحرك، وقد استغلت الديناصورات السياسية ذلك في تحجيم الثورة ومحاولة القفز عليها، لكن يناير قدرت ترسم في النهاية نموذج ومثال سياسي واشتقت ثقافة سياسية فريدة من نوعها عمادها وقوامها أن الشعب وحده مصدر السلطة وصاحب البلد، حتى ولو ادعى الضباط العكس.

المصدر صفحة الموقف المصدي فيسبوك

شارك المقال: