النار تتسع :من يوقظ الحكام العرب؟
حين تتحول المنطقة إلى مسرح دائم للحروب، لن تكون هناك دولة محصنة بالكامل. الاقتصاد سيتأثر، الممرات البحرية ستتهدد، وأسواق الطاقة ستصبح رهينة للتوتر الدائم.

الحرب لم تعد حريقا محدودا
الحرب فى المنطقة ليست مجرد مواجهة بين ايران من جهة وإسرائيل المدعومة من أمريكا من جهة أخرى. هذا التبسيط المخلّ لم يقنع أحدًا من بداية الحرب.
فالنار التى اشتعلت فى أكثر من ساحة -فى لبنان والعراق واليمن، وارتداداتها التى تطرق أبواب الأردن والسعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وسلطنة عمان- لم تعد حريقًا محدودًا يمكن احتواؤه، بل مشروع فوضى واسع يعاد عبره رسم خريطة القوة فى الشرق الأوسط.

من سيربح الحرب
السؤال الذى يفرض نفسه اليوم ليس: من سيربح هذه الحرب؟ بل: من سيدفع ثمنها؟ ومن سيملأ الفراغ الناتج عنها؟
والإجابة المؤلمة هى:
أن الشعوب العربية هى التى تدفع الثمن، بينما يقف كثير من الحكام العرب فى موقع المتفرج أو الشريك الصامت.
وأن ما تخلّفه الحروب ليس الدمار المباشر فقط، بل أيضا الفراغ الذى تتركه خلفها. فالتاريخ يعلمنا أن الفراغ فى الشرق الأوسط لا يبقى خاليًا طويلً، سرعان ما تتدافع القوى الإقليمية والدولية لملئه.
في ظل غياب مشروع عربي موحد
إذا انشغلت المنطقة بحروب تستنزف دولها، فإن قوى مثل تركيا وإيران وباكستان والهند وإسرائيل ستسعى بطبيعة الحال إلى توسيع نفوذها السياسى والعسكرى، بينما تظل أمريكا وروسيا والصين حاضرة لإدارة هذا التوازن بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
عندما يحدث ذلك فى ظل غياب مشروع عربى موحد، تتحول الدول العربية إلى مجرد جغرافيا مفتوحة للتنافس الدولى، حيث لا يُسأل من يملك الأرض بقدر ما يُسأل من يملك القرار فوقها.
علاقة تبعية لأمريكا
لقد اعتادت الأنظمة العربية، منذ عقود، إدارة علاقتها مع واشنطن باعتبارها الضامن الوحيد لبقائها السياسى والأمنى. وبمرور الوقت تحولت تلك العلاقة من شراكة سياسية إلى تبعية استراتيجية جعلت القرار العربى مرتهنًا للإرادة الأمريكية. وهكذا أصبحت المنطقة، فى كثير من الأحيان، ساحة تُدار فيها الصراعات الكبرى بالوكالة.
أمريكا لم تنتج استقرار للعرب
لكن التاريخ القريب يفضح هذا الوهم، فالولايات المتحدة لم تكن يومًا حارسًا لأمن المنطقة بقدر ما كانت مديرًا لصراعاتها. منذ غزو العراق عام 2003 وحتى اليوم، لم تُنتج السياسات الأمريكية استقرارًا حقيقيًا، بل خلقت فراغات سياسية وأمنية تمددت فيها الصراعات الطائفية والمليشيات والحروب الأهلية.
إن الرهان العربى الدائم على المظلة الأمريكية يشبه من يضع باب خشبى على الصحراء كدليل حيازته الآمنه، فعندما تتعارض المصالح، تنسحب واشنطن أو تعيد ترتيب أولوياتها، تاركة الحلفاء يواجهون العاصفة وحدهم.
المشكلة الكبري لحكام العرب
المشكلة الأكبر أن بعض الحكام العرب ما زالوا ينظرون إلى الصراع الدائر باعتباره صراعًا إيرانيًا–إسرائيليًا لا يعنيهم مباشرة، أو يرون فيه فرصة لإضعاف خصم إقليمى. غير أن هذا التفكير القصير النظر يتجاهل حقيقة واضحة: أن تفكيك التوازنات الإقليمية لا يتوقف عند حدود دولة بعينها، بل يمتد ليضرب الجميع.

مسرح دائم للحروب
فحين تتحول المنطقة إلى مسرح دائم للحروب، لن تكون هناك دولة محصنة بالكامل. الاقتصاد سيتأثر، الممرات البحرية ستتهدد، وأسواق الطاقة ستصبح رهينة للتوتر الدائم، بل إن الأمن الداخلى نفسه سيظل عرضة للاهتزاز كلما اتسعت دوائر الفوضى.
غياب الإرادة العربية
إن أخطر ما فى المشهد الراهن ليس الحرب ذاتها، بل غياب الإرادة العربية المستقلة، ففى لحظة تاريخية تتشكل فيها موازين قوى جديدة عالميًا، ما زالت معظم الأنظمة العربية تتصرف بعقلية الحرب الباردة، وكأن العالم لم يتغير.
هل يمكن الخروج من دوامة الحرب؟
لقد آن الأوان لطرح سؤال صريح: هل يمكن للمنطقة أن تخرج من دوامة الحروب دون مشروع عربى مستقل يوازن مع القوى الدولية بدل من الارتهان لها؟
إن الاستقرار الحقيقى لن تصنعه القواعد العسكرية الأجنبية، بل تفاهمات إقليمية جديدة تعترف بتعقيد المنطقة وتوازن مصالحها. فالجغرافيا السياسية لا تسمح بإقصاء أى قوة كبرى فى الشرق الأوسط، سواء كانت عربية أو إقليمية.
إعادة التفكير في معادلة الأمن
وربما تكون اللحظة الراهنة—على قسوتها—فرصة لإعادة التفكير فى معادلة الأمن العربى. فبدل أن تبقى الدول العربية مجرد ساحات للصراع، يمكنها أن تتحول إلى صانعة للتوازن إذا امتلكت شجاعة القرار المستقل.
لكن ذلك يتطلب من الحكام العرب أن يدركوا حقيقة بسيطة: أن من يشعل الحروب فى منطقتنا لا يفعل ذلك دفاعًا عن أحد، بل بحثًا عن مصالحه الخاصة، أما الشعوب العربية فقد أدركت هذه الحقيقة منذ زمن طويل.






