مقالات
محمد سعيد
محمد سعيد

كاتب صحفي

المقامر: هل يحكم ترامب العالم بـ كرة الروليت؟

هذه هي السياسة التي يتبعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في جميع قراراته والتي يمكن تسميتها بسياسة "رقصة المقامر".

مشاركة:
حجم الخط:

صالة قمار البيت الأبيض 

خطوة للامام .. خطوتين للخلف

هذه هي مفردات راقصة التانجو الشهيرة ..

هي أيضًا نفس الاستراتيجية التي يطبقها جميع المقامرين المحترفين في العالم مع إمكانية عكسها لتصبح “خطوة للخلف .. خطوتين للأمام”.

هذه هي السياسة التي يتبعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في جميع قراراته والتي يمكن تسميتها بسياسة “رقصة المقامر”.

مقامرة انتخاب ترامب 

وانطلاقًا من ذلك يمكن القول بان صعود ترامب إلى البيت الأبيض لم يكن حدثًا تقليديًا في تاريخ السياسة الأمريكية، بل كان أقرب إلى “مقامرة كبير” دخل به رجل أعمال اعتاد اللعب على الحافة.

فالرجل الذي صنع جزءًا من ثروته من كازينوهات القمار في أتلانتيك سيتي، لم يترك هذه العقلية ولا هذه السياسة عند دخوله عالم السياسة، بل حملها معه بكل تفاصيلها.

عقلية المقامر تسيطر على سياساته 

من يتتبع شخصية ترامب يكتشف سريعًا أنه لا يفكر بعقلية السياسي الكلاسيكي، بل بعقلية “المقامر” الذي يرفع سقف المخاطرة كلما شعر أن المكسب ممكن؛ حتى لو كانت الخسارة ضخمة.

علاقته بعالم الترفيه، خاصة المصارعة الحرة، تؤكد هذا النمط.

عاشق لرياضة القتال 

فقد كان الرجل من عشاق رياضات القتال.

لذا كان يستضيف مباريات المصارعة والملاكمة للترويج لمنتجعاته السياحية وكازينوهاته، ليحصل على نسبة من المراهنات في الثمانينيات والتسعينيات.

قد ظهر أكثر من مرة في فعاليات اتحاد WWE، ودخل في رهانات واستعراضات مع رئيس اتحاد الـ WWE آنذاك، فينس مكمان.

في مشاهد تعكس شغفه المبالغ فيه بالاستعراض والمخاطرة معًا، فهو شخصية “استعراضية” تعشق المخاطرة لجذب الانتباه وفرض السيطرة.

من الرهانات إلى السياسة 

هذه الروح المقامرة انتقلت حرفيًا إلى قراراته السياسية.

ويمكن القول بان الرجل البرتقالي – كما يصفه اغلب الامريكان – لم يرى العمل السياسي كفن إدارة هادئة، بل ينظر إليه كــ “حلبة مصارعة”

بمعنى أدق “طاولة قمار” كبيرة.

يتعامل مع الاقتصاد باسلوب المقامرة 

قراراته الاقتصادية، على سبيل المثال، كثيرًا ما تسببت في هزات بالبورصات العالمية.

تغريدة واحدة منه كانت كفيلة برفع أو خفض أسهم شركات بمليارات الدولارات.

غالبية المتابعين يرون في ذلك نوعًا من “التلاعب غير المباشر”، خاصة حين كانت هذه التحركات تصب في صالح رجال أعمال اغلبهم مقرب من ترامب أو شركاء لأبنائهم في شركات بعينها.

حتى موت زوجته لعب به قمارا 

فأبو حنان وهو اسم الشهرة لدونالد ترامب لدى عموم المصريين لا يترك فرصة الا وقام باستغلالها حتى ولو كانت الموت.

مثال قيامه باستغلال ثغرة في القانون الأمريكي فدفن زوجته إيفانا ترامب في نادٍ للجولف في بدمينستر، بولاية نيوجيرسي.

حيث كان يُنظر إلى ملعب الجولف كمشروع تجاري، بينما يحوله الدفن إلى “مقبرة غير ربحية، “لان قانون الولاية يمنح الأراضي المخصصة كمقابر من ضرائب الممتلكات والدخل والمبيعات.

نفس تعامله مع السياسة العالمية

أما على مستوى السياسة الخارجية، فالمشهد كان أكثر وضوحًا.

في فنزويلا، راهن ترامب على إسقاط النظام عبر الضغط والعقوبات، ثم قام بمغامرة خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لكنه لم يحقق النتيجة التي أرادها.

ثم جاء تهديده بالاستيلاء على جرينلاند—قرار بدا للكثيرين “غريبًا جدًا”، كأنه عرض شراء قطعة أرض في صفقة عقارية، مش دولة ذات سيادة.

نظرته لغزة كانت عقارية 

كما قال نفس الشيء بالنسبة لغزة التي نظر اليها كصفقة عقارية يريد تحويلها الى منتجعات سياحية للتربح منها وليسا ارضا محتلة سيظل أهلها يقاتلون ويجاهدوا حتى يستعيدوها من المحتلين مهما كانت قوتهم المزعومة.

ملف الصين خطوة للأمام خطوتين للخلف 

وفي ملف الصين، فرض رسومًا جمركية ضخمة، ثم تراجع جزئيًا، ثم عاد للتصعيد.

متبعا نفس السياسة “خطوة للأمام وخطوتين للخلف”

مما تسبب في ارباك الأسواق العالمية بشكل واضح، وتخلق حالة عدم يقين مستمرة.

في إيران يتلاعب بأسواق العالم 

أخطر تجليات هذه المقامرة ظهرت في التعامل مع إيران.

بعد تصعيد كبير، انتهى الأمر بضربة عسكرية محدودة، تبعها توتر شديد في أسواق الطاقة.

تحركت أسعار النفط بشكل حاد، ودخل المستثمرون في حالة ترقب وشك وارتباك وعدم القدرة على اتخاذ قرارات بدون مخاطرة.

مقامر مجنون 

هنا يظهر بوضوح تأثير قرارات ترامب: حركة واحدة منه ممكن تهز سوق عالمي بالكامل.

النمط نفسه تكرر في أكثر من ملف: تهديدات قوية، ثم تراجع، ثم مفاوضات، ثم تصعيد جديد.

أحيانًا كان يعلن أنه “حقق النصر” وأنه سينهي العمليات، ثم يفاجئ الجميع بزيادة القوات أو تشديد الإجراءات.

كأننا أمام مقامر مجنون “بيزود” الرهان في كل جولة، حتى لو اللعبة نفسها مش مستقرة.

نظرية الرجل المجنون 

على المستوى النفسي، يمكن تفسير هذا السلوك برغبة عميقة في السيطرة والانتصار، حتى لو كان الثمن حالة من الفوضى المؤقتة.

ترامب كان يعتمد على “الصدمة” كأداة تفاوض، وعلى عدم التوقع كوسيلة للضغط، او ما يُعرف بـ ” نظرية الرجل المجنون”

وهي “تكتيك تفاوضي” يهدف الى إجبار الخصوم على تقديم تنازلات خوفاً من رد فعله غير المحسوب
وتقوم النظرية التي اشتهر بها الرئيس الأمريكي الراحل ريتشارد نيكسون ومستشاره الثعلب اليهودي هنري كيسنجر خلال حرب فيتنام، وتقوم النظرية على 3 قواعد أساسية

أولها: إرهاب الخصوم بإقناعهم بان الرئيس متقلب المزاج، غير عقلاني، ومستعد لاستخدام القوة المفرطة (حتى النووية) عند الغضب.

والقاعدة الثانية هي التفاوض من موقع قوة لان الخصم عندما يقتنع بانك “مجنون”، ستكون اقوى منها وسيكون أقرب إلى تقديم تنازلات لتجنب استفزازك، خوفاً من رد فعل كارثي غير محسوب.

اما القاعدة الثالثة في هذا التكتيك التفاوضي فهي الغموض الاستراتيجي، بما يمنع الآخرين من توقع خطوتك القادمة، مما يجعلهم دائماً في حالة دفاع وارتباك.

إيران تقول :لو كنت مجنونا نحن أجن 

ولكن حتى الان لم تنفع هذه السياسة مع الإيرانيين الذين يحرصون على بث رسالة يومية موجهة لترامب وتابعه نتنياهو منذ قدوم المرشد الجديد “لو انت مجنون فانا اجن من أمك”

لكن السؤال الأهم هنا: هل هذه المقامرة نجحت؟
وبصراحة الإجابة مش بسيطة

. في بعض الأحيان حقق ترامب المقامر البراجماتي مكاسب تكتيكية، لكنه في أحيان كثيرة خلق حالة من عدم الاستقرار العالمي.

العالم الآن بيتعامل مع رئيس “مش تقليدي”، لان قراراته أقرب لرهانات، وتصريحاته ممكن تقلب الموازين في لحظة.

مجنون بالاستعراض 

باختصار، البرتقالي دونالد ترامب الشهير بـ “ابوحنان”.. مقامر براجماتي مجنون بالاستعراض.

وبالنسبة لرجل بهذه المواصفات هل المؤسسات الأمريكية التقليدية “الدولة العميقة” قادرة على كبح جماح هذا المقامر، أم أن القواعد تغيرت للأبد؟

وهل ستتحمل السياسة الدولية عقلية المقامر الاستعراضي الذي يلعب “البوكر” مع العالم بقواعد “الروليت”؟!

شارك المقال: