آراء و تحليلات
د. أيمن خالد
د. أيمن خالد

باحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي

القواعد العسكرية الأجنبية؟

من هنا يصبح فهم طبيعة القواعد العسكرية الأجنبية مدخلًا ضروريًا لفهم معادلة الصراع الدائرة اليوم، وليس مجرد تفصيل ثانوي في سياق المواجهة بين واشنطن وطهران.

مشاركة:
حجم الخط:

 كيف يدخل الخليج في معادلة الصراع الأميركي–الإيراني؟

لم يعد الجدل الدائر اليوم حول احتمال انخراط دول الخليج في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران جدلًا سياسيًا عابرًا يمكن تفسيره بميزان المواقف الدبلوماسية أو حسابات اللحظة. فالقضية أعمق من ذلك بكثير، لأنها ترتبط بطبيعة النظام الأمني الذي تشكّل في الخليج منذ عقود، وبالمنطق القانوني والاستراتيجي الذي يحكم وجود القواعد العسكرية الأجنبية في أراضي الدول.

إن الخطأ الأكبر في النقاش الجاري هو التعامل مع وجود هذه القواعد وكأنه تفصيل عسكري تقني، بينما هو في الحقيقة أحد أهم عناصر الهندسة الأمنية في المنطقة. فالدولة التي تسمح بوجود قاعدة عسكرية أجنبية على أراضيها لا تمنح مجرد تسهيلات لوجستية محدودة، بل تدخل في علاقة استراتيجية مركّبة تتداخل فيها الاعتبارات القانونية والسياسية والعسكرية، وتؤدي في النهاية إلى نشوء ما يمكن تسميته وحدة المصير الأمني بين الدولة المستضيفة والدولة صاحبة القاعدة.

ومن هنا يصبح فهم طبيعة القواعد العسكرية الأجنبية مدخلًا ضروريًا لفهم معادلة الصراع الدائرة اليوم، وليس مجرد تفصيل ثانوي في سياق المواجهة بين واشنطن وطهران.

أولاً: القواعد العسكرية في القانون الدولي بين السيادة والتفويض

في الأصل، يقوم النظام الدولي على مبدأ سيادة الدولة على إقليمها، وهو المبدأ الذي يشكل حجر الأساس في القانون الدولي العام. غير أن هذه السيادة لا تمنع الدولة من الدخول في اتفاقيات تسمح بوجود قوات عسكرية أجنبية على أراضيها، سواء في إطار تحالفات دفاعية أو ترتيبات أمنية أو اتفاقيات تعاون عسكري.

لكن هذه الاتفاقيات لا تعني مجرد وجود رمزي لقوات أجنبية، بل تنشئ وضعًا قانونيًا خاصًا يتم بموجبه تخصيص جزء من الإقليم الوطني لاستخدام دولة أخرى ضمن شروط محددة. وبذلك تصبح القاعدة العسكرية – من الناحية القانونية – مساحة تمارس فيها الدولة الأجنبية جزءًا من نشاطها العسكري والعملياتي، وإن بقيت السيادة الشكلية للدولة المستضيفة قائمة من حيث المبدأ.

غير أن السيادة في هذه الحالة تصبح سيادة مقيدة أو مشروطة، لأن الاتفاقيات المنظمة للقواعد العسكرية غالبًا ما تمنح القوات الأجنبية صلاحيات واسعة في إدارة القاعدة واستخدامها لأغراض عسكرية تتجاوز أحيانًا حدود الدولة المستضيفة نفسها.

وبهذا المعنى فإن القاعدة العسكرية تمثل شكلًا من أشكال التفويض الاستراتيجي الذي تمنحه الدولة المستضيفة للدولة الأجنبية، بحيث تتحول القاعدة إلى نقطة ارتكاز لقوة عسكرية خارجية داخل الإقليم الوطني.

ثانياً: معادلة القواعد العسكرية بين التمكين والحماية

لا تقوم القواعد العسكرية الأجنبية على أراضي الدول دون مقابل. فالعلاقة بين الدولة المستضيفة والدولة صاحبة القاعدة تقوم على معادلة واضحة تتكرر في معظم التجارب الدولية.

الطرف الأول في هذه المعادلة هو تمكين الدولة الأجنبية من استخدام جزء من الإقليم لتحقيق أهدافها العسكرية والاستراتيجية. وهذا التمكين لا يقتصر على إقامة منشأة عسكرية، بل يشمل تشغيل منظومات عسكرية متقدمة، وتخزين الأسلحة، وإدارة العمليات اللوجستية والاستخبارية، وربما استخدام القاعدة كنقطة انطلاق لعمليات عسكرية خارج حدود الدولة المستضيفة.

أما الطرف الثاني في المعادلة فهو الحماية أو الردع الذي تحصل عليه الدولة المستضيفة في المقابل فوجود قوة عسكرية كبرى على أراضي الدولة يشكل عنصر ردع مهمًا في مواجهة التهديدات الخارجية، ويمنح الدولة نوعًا من المظلة الأمنية التي قد تعجز عن توفيرها بقدراتها الذاتية.

ومن هنا نشأ في الفكر الاستراتيجي مفهوم المظلة الأمنية التي توفرها الدول الكبرى لحلفائها، بحيث يصبح وجود القواعد العسكرية جزءًا من منظومة الردع الإقليمي.

لكن هذه المعادلة لا تخلو من ثمن استراتيجي، لأن الدولة التي تستضيف قاعدة عسكرية أجنبية تدخل – بحكم هذا الترتيب – في شبكة المصالح والصراعات المرتبطة بالدولة صاحبة القاعدة.

ثالثاً: وحدة المصير الأمني في زمن الحروب

حين تندلع الحروب، تتغير طبيعة الحسابات السياسية والعسكرية بشكل جذري. ففي زمن السلم يمكن النظر إلى القواعد العسكرية بوصفها ترتيبات دفاعية أو أدوات ردع، لكن في زمن الحرب تتحول هذه القواعد إلى أهداف عسكرية واضحة في مسرح العمليات.

فالقانون الدولي الإنساني، الذي ينظم سلوك الأطراف في النزاعات المسلحة، يميز بين الأهداف المدنية والأهداف العسكرية. والقاعدة العسكرية، بحكم طبيعتها ووظيفتها، تدخل بشكل مباشر في فئة الأهداف العسكرية.

لكن الإشكالية تظهر حين تكون هذه القاعدة قائمة على أرض دولة ليست طرفًا مباشرًا في الحرب. ففي هذه الحالة يصبح الفصل بين القاعدة والإقليم الذي تقوم عليه مسألة شديدة التعقيد، لأن الضربة العسكرية الموجهة إلى القاعدة قد تمتد آثارها إلى الدولة المستضيفة نفسها.

وهنا يظهر مفهوم وحدة المصير الأمني الذي ينشأ بين الدولة المستضيفة والدولة صاحبة القاعدة. فوجود القاعدة يجعل الإقليم الوطني جزءًا من البيئة العملياتية للقوة العسكرية الأجنبية، ويجعل الدولة المستضيفة – بصورة أو بأخرى – داخل معادلة الصراع.

رابعاً: الخليج بين الجغرافيا العسكرية ومعادلة الردع

تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في منطقة الخليج، حيث تشكل القواعد العسكرية الأمريكية جزءًا أساسيًا من البنية الأمنية الإقليمية منذ عقود.

فمنذ نهاية الحرب الباردة ثم بعد حرب الخليج في تسعينيات القرن الماضي، تطور النظام الأمني في الخليج على أساس وجود عسكري أمريكي واسع النطاق، يضم قواعد جوية وبحرية ومنشآت لوجستية ومراكز قيادة.

وقد لعب هذا الوجود دورًا مهمًا في تشكيل ميزان الردع في المنطقة، سواء في مواجهة التهديدات الإقليمية أو في حماية طرق الطاقة والتجارة الدولية.

لكن هذا الوجود العسكري نفسه جعل الخليج جزءًا من المسرح الاستراتيجي للصراعات الكبرى في المنطقة. فالقواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج ليست مجرد منشآت دفاعية محلية، بل هي جزء من شبكة القوة العسكرية الأمريكية الممتدة عبر العالم.

وبذلك تصبح هذه القواعد – في حال اندلاع مواجهة كبرى – عناصر فاعلة في العمليات العسكرية، وليس مجرد منشآت محايدة داخل أراضي الدول المستضيفة.

خامساً: منطق الحرب وتفسير مواقف الأطراف

إذا نظرنا إلى المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران من هذا المنظور، فإن كثيرًا من الأسئلة التي تطرح في الإعلام والسياسة تصبح أقل غموضًا.

فمن جهة أولى، ليس من المستغرب أن تنحاز الدول التي تستضيف قواعد أمريكية إلى جانب الولايات المتحدة في حال تصاعد الصراع، لأن العلاقة بين الطرفين لا تقوم على الحياد، بل على ترتيبات أمنية عميقة تجعل أمن كل طرف مرتبطًا بالآخر.

ومن جهة ثانية، ليس من الغريب أيضًا أن تنظر إيران إلى هذه القواعد باعتبارها جزءًا من القوة العسكرية المعادية، وأن تعتبرها أهدافًا محتملة في حال اندلاع المواجهة.

وبهذا المعنى فإن الجدل الدائر حول ما إذا كان الخليج سيدخل الحرب أم لا يبدو في كثير من الأحيان جدلًا شكليًا؛ لأن البنية الأمنية التي نشأت في المنطقة جعلت من الصعب الفصل بين أمن الخليج وأمن القوة العسكرية التي تنتشر قواعدها على أراضيه.

فالقواعد العسكرية الأجنبية لا تمنح الحماية فقط، بل تخلق أيضًا حالة من التشابك الاستراتيجي تجعل الجغرافيا المحلية جزءًا من معادلة الصراع الدولي.

ومن هنا يمكن فهم الحقيقة التي كثيرًا ما يغفلها الخطاب السياسي: أن الدول التي تستضيف قواعد عسكرية أجنبية لا تشتري الأمن فقط، بل تشتري معه أيضًا احتمال أن تصبح جزءًا من مسرح الحرب عندما تشتعل الصراعات الكبرى في النظام الدولي.

 

شارك المقال: