السايكو سياسي والبورنو اقتصادي
ولعل فضيحة الرئيس الأمريكي/ بيل كلينتون مع مونيكا لوينسكي ، وفضيحة الملياردير الأمريكي/ إبستين الذي انتحر بمحبسه عام ٢٠١٩

فجر إبستين فضيحة عالمية لقادة العالم ونجومه
نظرات في الهوس والفجور ما بين السياسي والاقتصادي
ما ببن السايكو ( السيكولوجي ) ، والبورنو ( الإباحي ) ، يتم اغتصاب مقدرات الشعوب في شطحات الهوس ومنزلقات الفجور ، سواء أكان ذلك على المستوى السياسي أم المستوى الاقتصادي .
ولذلك ، لم يعد ( الميكروسكوب ) لرصد الميكروبات – التي تنخر في جسد العالم – كافيا للتشخيص ، بل أصبح ( التليسكوب ) مطلوبا لتوفير رؤية بعيدة وعريضة لأمراض العالم المزمنة المعدية ، والتي باتت كابحة ومانعة للتغيير .
إذن ، بالميكروسكوب والتليسكوب معا ، يمكن أن نبدأ في ترتيب الإجابة على السؤال المزمن المحزن ، ومفاده :
إلى متى ستظل معلقة في الأفق المسدود ، عبارة : لا عزاء للشعوب ؟!
١- السايكوسياسي :
يمثل السايكوسياسي معلم رئيسي في تاريخ الحكم والسيطرة .
فالبعض يدخل إلى السلطة محملا بهوس التسلط والهيمنة . والبعض الآخر تتملكه السلطة بهوسها ، فيصبح انعكاسا لتسلطها وهيمنتها .
ولذلك تظل البارانويا ( جنون العظمة ) تمثل الهوس المصاحب لأي سلطة ، خصوصا لو لم يتم وضع سقف محدد لفترات تلك السلطة ، ولم يتم الفصل ببن أركانها .
بينما يظل ( الإنكار ) هو الميكانيزم الهوسي الذي يمنح التوازن لخلل البارانويا ، لتبرير التعامي عن المظالم والجرائم والانتهاكات ، وتبديد المقدرات والثروات ، بلا خجل ولا وجل .
فمن النمرود : ( أنا أحيي وأميت )
إلى فرعون : ( أنا ربكم الأعلى )، ( وما علمت لكم من إله غيري )
مرورا بـ لويس الرابع عشر : ( أنا الدولة .. والدولة أنا )
وصولا إلى هتلر ، وستالين، وعصرنا الراهن بكل أقزامه في الإنسانية ، الذين تقودهم مُركبات النقص لتقمص هيئة العمالقة في التوحش والحيوانية .
طابور بغيض من المهاويس بالسلطة ، الذين أهدروا أرواح عشرات الملايين من البشر في حروب عبثية ونزاعات هزلية ، وبددوا أحلام أمم وأجيال ، بالقمع والفشل والفساد ، من أجل التشبث المريض بمقاعد الحكم والسلطة.
طابور طويل ، وسلسال من الدم والعويل ، يؤكد بأنه مازالت البارانويا ، تجد نفوسا مشوهة قابلة لاحتواء الهوس والتكبر والتجبر ، وسحق الملايين من أجل كبرياء مهووس واحد ، تعاونه عصابة من ( الجلادين )
ليظل ( السايكوسياسي ) بذلك ، مصطلحا قابلا وباقتدار للتداول ، لتوصيف الحضيض والانحدار الذي ما زالت تكابده غالبية الجماعة الإنسانية ، تحت حكم الجانحين عن الفطرة السوية ، والسادرين في غيهم بالإنكار والسادية .
ولكن السايكوسياسي لا يقتصر فقط على دوائر الحكم والسيطرة .
بل يمتد أيضا إلى طائفة عريضة من المحكومين ، الممسوسون بجذام وجرب الاستبداد ، فتراهم مدافعين مساندين تابعين لكل جبار عنيد .
كما يمتد السايكوسياسي أيضا ، ليؤجج النزعة القومية البغيضة التي نشأ حول آبارها المسمومة النموذج الذي ينتظم وفقا له العالم ، ألا وهو ( نموذج الدولة القومية ) ، ليتحول العالم إلى معازل قومية تعتنق أوهام التفوق والتفرد والريادة العنصرية .
ورغم أن العلم التطبيقي أثبت بالدليل المصور ، أن البشرية كلها يجمعها كوكب واحد يدور حول الشمس ، إلا أن الإمكانية التي وفرتها التكنولجيا للتواصل والانتقال بين أرجاء العالم ، ما زالت تقيدها الحدود السياسية الوهمية ، والعملات الوطنية التصادمية ، والجيوش وأجهزة المخابرات العدائية التآمرية ، ليظل ما وحدته التكنولجيا ، تفرقه الأيدلوجيا ، بموجب هلاوس جنون الارتياب ، والبارانويا القومية الخبيثة .
ولعل أصدق تجلى للحضيض الذي ما فتأت تتردى فيه المبادئ الانسانية بسبب الهلاوس القومية ، يتمثل في المشهد التاريخي الشهير لغرس العلم الأمريكي على سطح القمر ، وكأنها كانت رسالة مفادها : أن البشرية التي أتيح لها أن تقفز بالتكنولجيا إلى الفضاء ، لترى بأم عينيها الأرض ككرة تسافر بالجميع في مدار حول الشمس ، دونما اعتبار للحدود والقوميات ، تلك البشرية ذاتها تؤكد بغرس العلم الأمريكي على سطح القمر ، سقطتها الإنسانية من أعالي الفضاء في بئر البارانويا القومية !!!!!
٢- البورنواقتصادي :
لم تبدأ الإباحية ببيوت الدعارة ، مرورا بعروض الإستربتيز والبيب شو بالملاهي الليلية ، وصولا للمواقع الإلكترونية الجنسية .
بل بدأت بتعرية الشعوب مما يسترها من الدخل ، والرزق ، والستر ، والكرامة الإنسانية .
ورغم أن التاريخ ينذرنا والحاضر يخبرنا ، بأن البورنواقتصادي يمثل نتيجة حتمية للسايكوسياسي.
إلا أن مؤسسات التمويل الدولية تدهشنا ، عندما تجتهد في تلميع البورنواقتصادي وتوقيره بالمصطلحات الفخيمة العريضة ، التي بموجبها يتم تقنين الفقر وتبربر الهدر والتعمية على الفساد ، تحت عنوان السياسات المسماة زورا بـ ( الإصلاح الاقتصادي ) ، بينما اسمها حقا وصدقا ( الإذلال الاقتصادي ) .
فأي إصلاح اقتصادي هذا الذي يمكن أن تحققه نظم ديكتاتورية ينخر ببنيانها الفساد ، وتعض بالنواجز على السلطة ، وتتحلل من أي مسئولية !!!!
وبذلك ، يفتح هذا الإذلال الاقتصادي الباب لتلك الحكومات الديكتاتورية الفاشلة ، لكي تمارس بموجبه السادية الاقتصادية على شعوبها ، المجبرة على الاستسلام لذل وهوان الاغتصاب الاقتصادي بنكهة الماسوشية ودناءاتها .
فالسايكوسياسي باحتضانه لهلاوس القومية بكل شططها ، يجعل الدول المتقدمة ، تحكم شعوبها بالديمقراطية ، بينما تتغاضى عن الديكتاتورية في الشطر المتخلف من العالم ، لتصبح المبادئ الإنسانية حول الحرية والعدالة والمساواة ، مجرد شعارات هزلية ، يتم التضحية بها تحت جنازير الاستبداد ، طالما كان هذا الاستبداد يحمي للدول المتقدمة مصالحها الاقتصادية القومية تحت الرايات الحمر للبورنو / اقتصادي .
ويبدو أنه لا فكاك من مظالم البورنواقتصادي ، طالما استمر الاقتصاد أسيرا لمفاهيم شيطانية ، تقنن الهدر وتمنطق الفقر ، ولا تتحرج من التضخم السرطاني للثروة في قبضة أقلية ، غالبا ما تتواطأ مع أي سلطة لتضمن لمصالحها الاستقرار والاستمرارية .
ولذلك ، تبدو المفاهيم الاقتصادية العبثية مثل : مفهوم (العرض والطلب) ومفهوم (الدعاية الإعلانية) الابتزازية، تبدو تلك المفاهيم امتدادا لأنشطة التعري، لتصبح التعرية الاقتصادية مشابهة للتعرية الجنسية.
فهل من معنى في القرن الواحد والعشرين من تاريخ البشرية، لمفهوم : العرض والطلب ، الذي يتجاهل أن لكل سلعة أو خدمة (تكلفة) ومن ثم ينبغي أن يكون لهما هامش ربح ، مهما زاد أو نقص العرض أو الطلب ؟!
وهل من معنى لتحميل أسعار السلع والخدمات بتكلفة إعلانية هزلية احتيالية ، تتلاعب بغرائز المستهلك من خلال المثيرات النفسية لتحقيق استجابة شرائية انفعالية ، مع تجاهل تام لمواصفات الجودة السلعية أو الخدمية ، فتزيد التكلفة دون جودة حقيقية ؟!!!
وهكذا ، يضمن البورنو اقتصادي استمراريته بموجب تلك المفاهيم العبثية التي تفتقر للمنطق الإنساني ، ومسكونة بالغرائزية الحيوانية . فلا ينتج عن ذلك إلا مغالاة في الهدر والفقر ، لتتسع الفجوة بين هامش ضيق تتراكم فيه الثروة ، ومتن شاسع تأكل أحلامه الضائقة المالية .
ولكن .. للسايكو والبورنو تقلباتهما
التي تجعل البورنو يركب ظهر السياسي ، بينما يخترق السايكو عقل الاقتصادي .
ليظهر بذلك مصطلح ( البورنو/سياسي ) ، ويقابله مصطلح ( السايكو/اقتصادي )
٣- البورنوسياسي :
يؤكد الواقع للأسف ، بأن الإباحية السياسية ترتبط بالأجهزة المخابراتية . فبينما تدير عصابات الجريمة المنظمة ( المافيا ) شطرا من أنشطة البورنو الاقتصادي ، فإن أجهزة المخابرات باعتبارها ( منظمات للجرائم المقننة ) كالاغتيال والتخريب والتجسس ، تدير بالمقابل أنشطة البورنو السياسي ، ليظل العالم موبوءا بجيوش من العيون الإلكترونية (الكاميرات) والآذان الإلكترونية (الميكروفونات) والفيروسات الرقمية (التطبيقات الاختراقية أو التخريبية) بهدف التجسس والتلصص على أدق تفاصيل العلاقات الحميمية، شرعية كانت أم غير شرعية، وسوية كانت أم غير سوية، ليتم استخدامها للابتزاز والتهديد من أجل خدمة أغراض الأمن القومي للدولة القومية !
لتصبح العلاقات الجنسية أو أي مخازي أخلاقية ، بمثابة صيد ثمين تتعقبه أجهزة بسلطات وصلاحيات متعدية لكل المبادئ والقيم الأخلاقية والإنسانية !!
أيضا، يستمد البورنوسياسي وجوده من وضعية الهرمية السياسية البغيضة المسيطرة على نظم الحكم بالعالم، والتي يقبع بموجبها على قمة السلطة فرد واحد، ومهما كانت تقابله سلطات مستقلة ورقابية، فإن للقمة أمراضها التي قلما يبرأ منها إلا أولي العزيمة الحديدية.
ولعل فضيحة الرئيس الأمريكي/ بيل كلينتون مع مونيكا لوينسكي ، وفضيحة الملياردير الأمريكي/ إبستين الذي انتحر بمحبسه عام ٢٠١٩ ، وكان مدانا بتهمة الاتجار الجنسي بالأطفال ، وما تضمنته وثائق محاكمته – التي تم تسريب الكثير منها – من أسماء لسياسيين بارزين وأفراد من العائلات الملكية وفنانين ورجال أعمال ومحامين، لعل كل ذلك يوضح كيف تفتن قمة السلطة الهرمية -بالبورنوسياسي- شاغلها حتى في ظل النظم الديمقراطية.
فما بالنا إذن بالنظم الديكتاتورية التي يمتلك فيها الشاغل للقمة السلطوية صلاحيات مطلقة ، وسلطات بلا أدنى مسئولية ، بما يجعل الخيال فقط – الذي قد لا يمكن مهما اشتط أن يجمح أبدا لقذارة الواقع – هو الذي يصور لنا جانب يسير من الفضائح الجنسية المدوية لفتوات النظم الاستبدادية ، تلك الفضائح المحجوبة قسرا عن الرأي العام بفضل متاريس وأسوار الحظر والتعتيم ، وهالات التفخيم والتعظيم للزعيم الفرد رسول العناية الوطنية !!!
٤- السايكواقتصادي :
بينما يعري البورنواقتصادي الشعوب مما يسترها من الدخل والرزق والستر والكرامة الإنسانية.
فإن السايكواقتصادي يغدق بشلالات من المليارات على فئة قليلة بالأوساط الرياضية أو الفنية، أو بالبورصات المالية.
ولعله لا وجود لأي منطق اقتصادي أو أخلاقي، يجعل شابا يجري خلف كرة ، يحصد مئات الملايين من الدولارات أو اليوروهات سنويا!
أو فنانا ( مشخصاتي أو مغنواتي ) يحصل على عشرات الملايين كأجر لفيلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني أو حفلة غنائية !
أو أن يتم بيع اللوحات لمشاهير الرسامين بعشرات الملايين في المزادات الفنية !
وبنفس المنطق الأعوج ، يبدو مفهوم (البورصة) ، كسوق تحولاتها انقلابية ، يبدو مفهوما عبثيا شيطانيا .
فلا معنى لصعود وهبوط الأسهم بالبورصة، إلا لو استحضرنا أجواء موائد القمار ، بمكاسبها الخيالية، وخسائرها المدوية، لتصبح البورصات بذلك مجرد نوادي للقمار ، يتم جني الأرباح منها أو تجرع الخسائر، وفقا لمؤثرات في أغلبها غير اقتصادية، وإنما هي مؤثرات قد تكون تآمرية أو انفعالية.
فما هو إذن المنطق الاقتصادي الذي يسمح بهذا النزيف المالي ، لتتراكم الثروة بيد أقلية، بينما تعاني شرايين ميزانيات الدول من جلطات تسدها، فتتجمد الأجور، وتنهار الرعاية الصحية والاجتماعية.
بالتأكيد، لا وجود للمنطق في ظل الانبطاح للسايكواقتصادي، مثلما لا وجود للأخلاق في ظل الاغتصاب من البورنواقتصادي، ليظل الاقتصاد رهينا للسايكو والبورنو بكل أدرانهما!
إن المتأمل المتألم من الحرب الروسية العبثية في أوكرانيا، والحرب الهمجية لجيش الاحتلال الإسرائيلي في غزة، ومن قبلهما مذابح الروهينجا في ميانمار، وثورات الربيع العربي المجهضة كلها بلا استثناء، بمصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا والجزائر والسودان، وقبلهم جميعا ذلك النزيف الدموي من المخازي اللإنسانية المتعاقبة في تاريخ البشرية المعاصر، سواء من جرائم نظم الحكم الديكتاتورية، أو ازدواجية معايير النظم الديمقراطية،إن المتأمل المتألم سيدرك بأن السايكو والبورنو بتقلباتهما ما بين السياسي والاقتصادي ، يؤكدان بأن العالم يعيش في القرن الواحد والعشرين بتجهيزات مادية تكنولجية متقدمة، تقابلها قوالب فكرية وبنية مؤسسية بدائية ووحشية ومجرِمة.
فبنية الدولة القومية بمنظومتها الفكرية، تعوق الاستجابة للضرورات التي تفرضها القضايا والمبادئ الإنسانية، التي ينبغي التعامل معها من منظور إن الأرض كوكب واحد متصل ومتحد ، وليس ممزقاََ إلى مساحات جغرافية، وأعلام قومية، وبشر تم تأطيرهم وحبسهم داخل أكذوبة وهمية اسمها (الجنسية)
الأمر الذي يقود إلى العجز عن مواجهة القضايا المصيرية التي تتعلق بحاضر ومستقبل الإنسانية، بسبب انشغال كل دولة بقضاياها الفرعية، واستعدادها لسفك الدماء ودعم الديكتاتوريات من أجل مصالحها الذاتية.
ليتمدد بذلك الفقر، ويتجذر الهدر، ويتعزز عرش السايكو والبورنو بتجلياتهما الشيطانية سياسية كانت أم اقتصادية !
فهل في الأفق من عزاء للشعوب ؟!
مازال السؤال قائما.
رابط المقال المختصر:






