كاتب وكتاب
أحمد شلتوت
أحمد شلتوت

كاتب وناقد أدبي

التاريخ السري لأرض المتحف المصري الكبير

هكذا ينظر "سامح فايز" إلى الأسطورة بوصفها نقيضًا للعلم، بل بوصفها مرحلة من مراحل فهم المكان. فالأرض – كما يقول – تحمل دائمًا طبقتين معرفيتين: طبقة شعبية شفاهية، وطبقة رسمية علمية

مشاركة:
حجم الخط:

كتاب جديد 

يسعى كتاب (جُحر الديب) التاريخ السري لأرض المتحف المصري الكبير” للكاتب “سامح فايز” إلى الكشف عن البنية العميقة التي تربط قرية كفر غطاطي بمشروع حضاري ضخم هو المتحف المصري الكبير، مقدّمًا بذلك سردية مركبة تمزج بين التاريخ الاجتماعي، والبحث الأركيولوجي، والتأمل الثقافي في علاقة المصري بأرضه وذاكرته.

فالكتاب يرى أن الأرض التي بُني عليها المتحف المصري الكبير هي نقطة التقاء بين طبقات زمنية متعددة تمتد من العصور الفرعونية المبكرة إلى الدولة الحديثة.

ويتتبع التحولات التاريخية التي مرّت بها المنطقة، بدءًا من المقابر القديمة التي اكتشفتها بعثات أثرية في أوائل القرن العشرين، مرورًا بمرحلة القبائل العربية والعلاقات الاجتماعية التقليدية، ثم مرحلة الإقطاع وأرض الباشوات، وصولًا إلى التحولات العمرانية الحديثة ومشروع المتحف المصري الكبير.

 فتح طبقات المكان 

ويرى أن ظهور المتحف أعاد فتح طبقات المكان التي ظلت مطمورة لقرون، وأعاد توجيه الانتباه إلى قرية بعيدة عن اهتمام المؤرخين والجغرافيين.
يرى الكتاب أن الأرض تمثل سجلّ للطبقات التاريخية التي تعاقبت عليها، يبدو ذلك في تحليل المؤلف لمقبرة قديمة اكتشفت في المنطقة، والتي تعود إلى عصور ما قبل الأسرات أو بدايات الدولة المصرية القديمة.

مستندا إلى تقارير بعثات أثرية أجنبية عملت في غرب الجيزة في أوائل القرن العشرين، هذه المقبرة تمثل الطبقة الأولى من تاريخ المكان، الطبقة التي تسبق ظهور القرية نفسها.

ومن هنا يرجح أن كفر غطاطي ليست مجرد تجمع سكاني حديث نسبيًا، وإنما امتداد لمشهد تاريخي أقدم بكثير، يعود إلى آلاف السنين.

بين الأسطورة والتاريخ

يحمل الاسم القديم للمنطقة “جُحر الديب” دلالات أسطورية تشير إلى الخوف والغموض، يرى المؤلف في هذا الاسم تعبيرًا عن ذاكرة شعبية تشكّلت في ظل غياب المعرفة العلمية بالمكان. فالأسطورة، في هذا السياق، تأتي كمحاولة لتفسير المجهول.

ومع ظهور الدولة الحديثة ومؤسساتها، بدأت هذه الأساطير تتراجع تدريجيًا أمام خطاب علمي جديد يعتمد على البحث الأثري والخرائط والمسوح الجغرافية.

هكذا ينظر “سامح فايز” إلى الأسطورة بوصفها نقيضًا للعلم، بل بوصفها مرحلة من مراحل فهم المكان. فالأرض – كما يقول – تحمل دائمًا طبقتين معرفيتين: طبقة شعبية شفاهية، وطبقة رسمية علمية، والكتاب يسعى إلى الجمع بين هاتين الطبقتين في قراءة واحدة.

الهوية الهجينة

يهتم الكتاب بتحولات السلطة في المنطقة، فيتتبع انتقال الأرض من نظام القبائل والعلاقات التقليدية إلى نظام الإقطاع في عصر أسرة محمد علي، حيث خضعت الأراضي لسيطرة الباشوات وكبار الملاك، ويوضح أثر هذا التحول في بنية المجتمع المحلي، إذ تحولت الأرض من فضاء اجتماعي مفتوح إلى مورد اقتصادي تحكمه علاقات الملكية والضرائب والسجلات الرسمية.

ويشير الكاتب إلى أن هذه المرحلة تركت أثرًا عميقًا في ذاكرة المكان، إذ أصبحت القرية جزءًا من منظومة السلطة المركزية للدولة.

التحولات العمرانية في المنطقة 

يتوقف الكتاب عند التحولات العمرانية التي شهدتها المنطقة في العقود الأخيرة، خصوصًا منذ السبعينيات، حين بدأت المدن السكنية الحديثة تتوسع في محيط القرية.

وقد أدى هذا التوسع إلى ظهور هوية جديدة للمكان، ليست ريفية خالصة ولا حضرية بالكامل، هذه الهوية الهجينة – كما يصفها المؤلف – نتجت عن تداخل أنماط الحياة بين القرية والمدينة.

فالعمارات الخرسانية بدأت تحل محل البيوت الطينية، والطرق الحديثة ربطت القرية بالعاصمة بشكل أكثر مباشرة. ومع هذا التحول العمراني، تغيرت نظرة السكان إلى الأرض وإلى أنفسهم.

لحظة تنوير

ينظر الكتاب إلى مشروع المتحف المصري الكبير، باعتباره لحظة تنوير، لأنه يعيد تعريف علاقة المصريين بماضيهم، فالمتحف – في نظره – مؤسسة تعيد صياغة الوعي الوطني من خلال تقديم التاريخ المصري في صورة متكاملة يمكن للناس رؤيتها والتفاعل معها.

عن العلاقة بين المركز والهامش يطرح المؤلف يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يؤثر مشروع حضاري ضخم مثل المتحف المصري الكبير في القرى المجاورة له؟
الإجابة التي يقدمها الكتاب تقوم على فكرة “التأثير غير المرئي”، فالمتحف يصنع موجات من التحول الثقافي تمتد تدريجيًا عبر التعليم والإعلام والمشروعات العمرانية، وبالتالي تصبح كفر غطاطي مثالًا على كيفية انتقال الحداثة من المركز إلى الأطراف.

المؤلف سامح فايز

قراءة سياسية لدور المتحف 

يقدم الكتاب أيضًا قراءة سياسية غير مباشرة لدور المتحف في مواجهة الخطابات المتطرفة. فالمؤلف يرى أن التطرف يقوم على سردية مغلقة تختزل التاريخ في تفسير واحد، بينما يقدم المتحف سردية إنسانية مفتوحة تسمح بتعدد القراءات، هكذا يصبح المتحف – في نظر الكاتب – أداة ثقافية لمواجهة الفكر المتشدد، لأنه يعيد مركزية الإنسان في التاريخ ويكسر فكرة “النقاء المطلق” التي تعتمد عليها الخطابات المتطرفة، وبالتالي يصبح الحديث عن المتحف جزءًا من نقاش أوسع حول مستقبل الهوية الثقافية في مصر.

وأخيرا فهذا الكتاب يفتح بابًا جديدًا لقراءة التاريخ المصري من زاوية المكان المحلي، فبدلًا من التركيز على الأحداث الكبرى أو الشخصيات التاريخية، يسلط الضوء على قرية صغيرة بوصفها نموذجًا مصغرًا لتحولات المجتمع المصري، ويطرح فكرة أن فهم تاريخ مصر لا يكتمل إلا من خلال دراسة الأطراف والهامش، وليس المركز وحده.

شارك المقال: