مقالات
مني شماخ
مني شماخ

أعلامية وكاتبة روائية

الانتحار صرخة مجتمع (4) : ازدواجية الرحمة

في مجتمعنا، جملة: “حسابه عند ربنا”. تُقال عندما يُذكر ظالم، أو يُطرح نموذج فجّ لإساءة واضحة. تُقال كأنها نهاية الحديث، أو كأنها إغلاق لباب المساءلة، لا فتح له.

مشاركة:
حجم الخط:

بقلم: منى شماخ 

حين نحاسب الضحية ونتسامح مع الجلاد

في مجتمعنا، جملة: “حسابه عند ربنا”. تُقال عندما يُذكر ظالم، أو يُطرح نموذج فجّ لإساءة واضحة. تُقال كأنها نهاية الحديث، أو كأنها إغلاق لباب المساءلة، لا فتح له. ومع تكرارها، تحوّلت هذه الجملة من تعبير عن التسامح، إلى ملاذ مريح للهروب من مسؤولية المواجهة.
لكن ما يلفت النظر حقًا، هو هذا التناقض الصارخ في استخدام الجملة نفسها.
فبينما نُسارع إلى إعفاء الظالم من أي حساب دنيوي، بدعوى أن حسابه مؤجل عند الله، نجدنا -في المقابل- نمارس أقسى أنواع المحاكمة تجاه شخص أنهى حياته. فجأة، نصبح قضاة، ونصدرالأحكام، ونُحلّل الدوافع، بل ونتعامل مع الأمر وكأنه جريمة مكتملة الأركان تستحق الإدانة العلنية.

الانتحار صرخة مجتمع (1) إذا الإيمان ضاع

الانتحار صرخة مجتمع (2) الضحايا والأطفال

هذه الازدواجية تعكس بنية أعمق في وعينا الجمعي.

نحن، ببساطة، نميل إلى التساهل مع من يملك القوة، ونقسو على من هزمه ضعفه.
نمنح الأول حصانة، ونجرّد الثاني حتى من حقه في الصمت.
نسرع بإدانة الشخص الذي أنهى حياته، دون أن نسأل: لماذا ومتى وكيف أعلن هزيمته أمام إرادة الحياة، وقرر التفريط في أعز ما يملك: نفسه.
وراء هذه النهاية، طبقات من الألم غير المرئي، محاولات صامتة للتماسك، وربما استغاثات لم تجد من يسمعها. ومع ذلك، نتجاوز كل هذا، ونختزل الحكاية في حكم قاطع، يصدر غالبًا بلا معرفة، وبلا رحمة.
السؤال الذي ينبغي أن يُطرح ، هو:
ما الذي دفع إنسانًا إلى هذا القدر من اليأس؟
وأين كنا نحن:كأفراد ومجتمع من تلك الرحلة؟

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

إذا كان هناك من يستحق المساءلة، فهم الأحياء.

ليس فقط من مارسوا قسوة مباشرة، بل أيضًا من ساهموا بصمتهم، بتجاهلهم، أو بعجزهم عن مد يد العون في الوقت المناسب. فاليأس لا يتكوّن في لحظة، بل هو حصيلة تراكمات: كلمة جارحة، ضغط مستمر، شعور بالعجز، أو بيئة لا تمنح الإنسان مساحة للنجاة.
المفارقة المؤلمة أن من نُحاكمه بعد رحيله، لم يعد قادرًا على الدفاع عن نفسه، بينما من نُعفيهم وهم أحياء، لا يزالون يملكون القدرة على الفعل، والتأثير، وربما التكرار.
ليست الدعوة هنا إلى تبرير الانتحار، ولا إلى تجاهل خطورته،
بل إلى إعادة ترتيب بديهيات العدالة والرحمة داخلنا.
أن نتوقف عن إصدار الأحكام على من انتهت حكايتهم،
وأن نبدأ، بدلًا من ذلك، في مساءلة من ساهم في نهايتها.
ربما لن نصل دائمًا للإجابات الكاملة، لكن أقل ما يمكن أن نملكه هو قدر من التواضع الإنساني، ومحاولة التعرف على الحقيقة والقدرة على الصمت حين نفشل في أن نعرف،
ورغبة حقيقية في أن نكون أقل قسوة… وأكثر انتباهًا.
رحم الله أمواتنا جميعًا.

شارك المقال: