مقالات
محمد كمال
محمد كمال

كاتب وباحث حقوقي

الإمارات بين الاقتصاد والأمن القومي المصري؟

في أزمة سد النهضة الإثيوبي الذي يهدد شريان الحياة وتوافر المياه للمصريين، قدمت أبو ظبي دعماً مالياً سخياً لأديس أبابا، بل ومولتها بمنظومات دفاع جوي متطورة (بانتسير-إس1) لحماية السد من أي تدخل عسكري مصري محتمل.

مشاركة:
حجم الخط:

 كيف قوضت التدخلات الإماراتية مصالح المصريين؟

شهدت السنوات التي تلت ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 تحولات جذرية في التعاطي الإماراتي مع الشأن المصري، حيث انتقلت أبو ظبي إلى تبني استراتيجية شاملة لوأد أول تجربة ديمقراطية مدنية في مصر.

لم يقتصر هذا الدور على التدخل السياسي المباشر، بل امتد ليطال عمق الأمن القومي والاقتصاد المصري، وصولاً إلى التحالف المفتوح مع إسرائيل، وهو ما خلق حالة من الغضب الشعبي المكتوم الذي تجلى في ظواهر اجتماعية غير مسبوقة.

إجهاض الديمقراطية وهندسة الانقلاب

نظرت الإمارات لثورة يناير كتهديد وجودي لأنظمتها، وعملت مبكراً على تمويل شبكات لإثارة الفوضى الأمنية والمجتمعية لإفشال التجربة الديمقراطية.

حيث كشفت تقارير أمنية وتحقيقات رسمية قُدمت للمحاكم المصرية عن تورط جهات إماراتية وسفارتها بالقاهرة في تمويل تشكيلات عصابية لترويع المواطنين وافتعال اشتباكات دموية.

توج هذا المسار بتمويل ودعم وتوجيه حركة “تمرد” لتوفير الغطاء المدني للانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013، وهو ما فضحته لاحقاً تسريبات صوتية أثبتت تدفق الأموال الإماراتية لدعم هذا التحرك والإطاحة بالرئيس المنتخب.

الاستحواذ الاقتصادي: من المساعدات إلى الاحتكار

رُوج للمليارات الخليجية والإماراتية التي تدفقت بعد 2013 على أنها “مساعدات”، لكنها وُظفت فعلياً لترسيخ منظومة الحكم العسكري، تحولت لاحقاً إلى أداة لابتلاع قطاعات الدولة الحيوية.

ففي القطاع الصحي، استحوذت كيانات إماراتية (مثل “أبراج كابيتال” ولاحقاً شركات أخرى) على كبرى المستشفيات الاستثمارية ومعامل التحاليل مثل “المختبر” و”البرج” بعد دمجها، مما أدى لرفع أسعار الخدمات الطبية بنسب هائلة وصلت إلى 10 أضعاف، وسط تحذيرات نقابية وبرلمانية من خطورة هذه الممارسات الاحتكارية، بالإضافة إلى مخاوف من تسريب البيانات الصحية لملايين المصريين.

ولم يسلم قطاع الموانئ الاستراتيجي، حيث هيمنت موانئ دبي ومجموعة موانئ أبو ظبي على عمليات حيوية في العين السخنة والإسكندرية وغيرها، مما يهدد السيادة الوطنية ويجعل حركة التجارة المصرية رهينة لسياسات تخدم في الأساس نفوذ الموانئ الإماراتية.

حصار جيوسياسي: النيل، السودان، وليبيا

على صعيد الأمن القومي، تماهت السياسات الإماراتية مع أعداء وخصوم مصر الاستراتيجيين وساهمت في محاصرتها جغرافياً.

في أزمة سد النهضة الإثيوبي الذي يهدد شريان الحياة وتوافر المياه للمصريين، قدمت أبو ظبي دعماً مالياً سخياً لأديس أبابا، بل ومولتها بمنظومات دفاع جوي متطورة (بانتسير-إس1) لحماية السد من أي تدخل عسكري مصري محتمل.
وجنوباً في السودان، والذي يمثل العمق الاستراتيجي الأهم لمصر، دعمت الإمارات ميليشيات “الدعم السريع” بالأسلحة والمدرعات عبر جسور جوية سرية، ما أدى لتمزيق الدولة السودانية وتدفق أكثر من 1.2 مليون لاجئ إلى مصر، مما فرض ضغوطاً ديموغرافية واقتصادية هائلة على الدولة المصرية.

أما غرباً، فقد أغدقت أبو ظبي الطائرات المسيرة والتمويل العسكري على ميليشيات خليفة حفتر في ليبيا، مما أطال أمد الحرب وأجج الصراع المسلح على مقربة من الحدود المصرية الغربية.

التطبيع وصدمة الوجدان الشعبي

إلى جانب هذه التدخلات، أضاف التحالف الإماراتي المفتوح مع إسرائيل وتوقيع ما يُسمى “اتفاقيات إبراهيم” جرحاً غائراً في الوجدان العربي.

وتعمق هذا الجرح مع استمرار العلاقات التجارية والدبلوماسية الدافئة بين أبو ظبي وتل أبيب رغم حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال على الشعب الفلسطيني في غزة، في تحدٍ صارخ للإرادة الشعبية.

هذه السلسلة الطويلة من السياسات التخريبية والاستحواذية كانت هي التفسير المباشر لظاهرة “الشماتة” الشعبية الواسعة التي اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي في مصر والدول العربية إبان تعرض الإمارات لهجمات بصواريخ وطائرات مسيرة في الحرب التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية على ايران.

لم يكن هذا التفاعل المصري ابتهاجاً بالعنف، بل كان تعبيراً سيكولوجياً عن “عدالة المقهورين”، وغضباً شعبياً عارماً من نظام استباح مقدرات المصريين الديمقراطية والاقتصادية وصنع أزماتهم اليومية.

لتثبت الشعوب العربية والمصرية أن بوصلتها لا تزال موجهة نحو قيم الحق والحرية، وأنها ترفض بشكل قاطع سياسات الاستبداد والارتهان الخارجي.

شارك المقال: