ارتفاع عدد الإسرائيليين المصابين بالصدمات منذ بدء الحرب على غزة من 300 إلى 3000 أسبوعيا
ويقول تحقيق الصحيفة إنه بعد عامين ونصف العام من “طوفان الأقصى” يوم اهتزت الأرض، فإن موجات “التسونامي” الحقيقي تصل الآن للساحل، وتشمل ليالي بدون نوم، ونوبات خوف، واعتداءات جنسية، وعنفا وتفكك عائلات كاملة تحت وطأة الجراح النفسية.

تكشف معطيات رسمية جديدة عن ارتفاع عدد المصابين الإسرائيليين بالصدمات على خلفية قومية (أمنية) من 300 متعالج في الأسبوع قبل الحرب، إلى 3000 مع ارتفاع كبير في طالبي المساعدة النفسية مما يعرف بـ”الخط الساخن”.
وفي حديث طويل لصحيفة “يديعوت أحرونوت” تقول المديرة العامة لجمعية “نطال” (الجمعية الخاصة بالصدمة على خلفية قومية) المحامية إفرات شفروط، إن القادم أصعب. مشيرة لارتفاع عدد الإسرائيليين المتورطين بالإدمان على السموم، والعنف داخل العائلة، والأزمة الاقتصادية نتيجة الحرب على غزة منذ السابع من أكتوبر 2023.
ويقول تحقيق الصحيفة إنه بعد عامين ونصف العام من “طوفان الأقصى” يوم اهتزت الأرض، فإن موجات “التسونامي” الحقيقي تصل الآن للساحل، وتشمل ليالي بدون نوم، ونوبات خوف، واعتداءات جنسية، وعنفا وتفكك عائلات كاملة تحت وطأة الجراح النفسية.
المديرة شفروط التي ستنهي عملها في إدارة هذه الجمعية، تؤكد أن 2025 كان العام الأكثر ازدحاما في “خطوط المساعدة المعروفة بالخط الساخن” منوّهة أن الضغط في طلب المساعدة النفسية قد بلغ ذروته خلال الحرب على إيران، ومن وقتها الأرقام لا تنخفض بل ترتفع، معتبرة هذه المعطيات “البارومتر” الدقيق للحالة العاطفية لإسرائيل.
وتكشف عن تلقي 120 ألف مكالمة هاتفية منذ الحرب على غزة تطلب المساعدة النفسية، موضحة أن العدد يرتفع في الليالي التي تشهد تزايدا في عدد المكالمات التي تشمل ميولا انتحارية. وعن ذلك تضيف: “نحن ننقذ حياة يوميا. فمع تلقي طلبات المساعدة، نشرك الشرطة والإسعاف بشكل دائم. شهدنا بعض الحالات التي تلقينا فيها مكالمات من أشخاص في حالة نفسية صعبة، وبعدما تناولوا أدوية مهدئة وبأيديهم سلاح جاهز لإطلاق الرصاص أو وقفوا مقابل النافذة قبل القفز لموتهم. 120 ألف طلب مساعدة رقم خرافي لا يمكن إدراكه، بيد أن الأعداد الكبيرة للإسرائيليين في ضائقة ما زالت أمامنا. موضوع الإدمان على الكحول والمخدرات والعنف داخل الأسرة والثمن الاقتصادي للصدمات، كل ذلك يصل عتبات بيوتنا الآن فقط”.
صدمة متدحرجة
وتقول شفروط إنه فوق السطح، يبدو الوضع في إسرائيل الآن عشية حرب محتملة مع إيران وكأن الحياة الاعتيادية قد عادت. فالمقاهي مليئة، والازدحمات المرورية تملأ الشوارع، والشاشات منشغلة بالمواضيع السياسية الداخلية، ولكن تحت هذا الهدوء الهش، هناك مواد بركانية في حالة غليان تهدد بحرق الأسس التي يقوم عليها المجتمع الإسرائيلي. وتتابع: “في مقر “نطال” يفهمون أن الحرب لم تنته بل انتقلت من الحدود إلى أعماق النفس. هذه ليست مسألة ميزانية أو ملاكات بل تساؤل وجودي مرعب: هل تستطيع إسرائيل احتواء هذه الكارثة النفسية المتدحرجة؟”.
وتعود شفروط للسابع من أكتوبر: “في صباح ذاك اليوم، وسّعنا فورا الخطوط الساخنة التي تعمل 24 ساعة في اليوم. جندنا خلال أيام مئات الأخصائيين في العلاج السريري وكنا حاضرين في كل الساحات، في الفنادق وفي البحر الميت ومواقع أخرى حيث النازحين الإسرائيليين من الحدود. استمرار الحياة في ظل توتر مستدام أنتج خانة جديدة من الإسرائيليين: أشخاص عاديون يستيقظون في الصباح للعمل يبتسمون في وجوه أولادهم وينقلونهم للمدارس، لكن حياتهم تدور في ضباب كثيف من الضيق الصامت. هم لا يصرخون في الشوارع وهم غير مسجلين لدى مؤسسة التأمين الوطني ولا يعرفّون كمعاقين، لكنهم ينزفون من الداخل. يجد بعضهم ضالته في الكحول أو المسكّنات فيما ينقطع آخرون عاطفيا، ينغلقون على ذواتهم أو يتوقفون عن العمل”.
كما تقول إن الظاهرة التي تفاقمت في المدة الأخيرة تتمثل في توجهات أبناء العائلة، وفي انهيار دوائر الدعم الأسري: أهالٍ أرسلوا ابنهم للحرب فعاد مختلفا تماما. لا يخرج من غرفته، ولا يقوم بوظائفه، ويمتنع عن فعاليات اجتماعية، ويدخن كل اليوم، ويستخدم مواد. وكثيرون منهم يصلون إلينا عاجزين. حالة العجز هذه تنتج إحباطا والإحباط ينتج صراعات داخل العائلة، ولذا فإن واحدة من مهامنا هي تعليمهم عن الصدمة فعندما يفهمون ماذا يواجه ابنهم فهم يرفعون منسوب مناعتهم الذاتية”.
وتوضح أن المشكلة ليست مع أولئك الذين يتوجهون طالبين المساعدة، بل مع أولئك المستنكفين عنها، منوهة أن جمعيتها تدأب على استغلال الإعلام والتوجه للجمهور الواسع كي يكف عن الخجل وكي لا يواجهوا الضائقة النفسية لوحدهم. وعن تبعات ديمومة التوتر تتابع شفروط: “طيلة الحروب الكثيرة، اعتدنا على حرب كحدث ثنائي له “قبل” و”بعد”. في الواقع الإسرائيلي الجديد في 2026 حيث التهديد متواصل، فإن مصطلح “الكرب ما بعد الصدمة” يفقد صلاحيته. نحن ما زلنا داخل الصدمة وهذا تغيير ينطوي على تحد بالنسبة للمعالجين، ولذا نتحدث الآن عن مصطلح جديد: “صدمة متدحرجة”. أنا أتعّرض لشيء ما ويتفاقم، وعندها يأتي شيء إضافي وبعده شيء آخر”.
ارتفاع حوادث السير
وتحذر شفروط من انعكاسات الإصابة التي تأتي على شكل أثمان اقتصادية ونفسية صعبة من شأنها التسبّب بانهيار داخلي. وتقول: “الإدمانات تحولت إلى تهديد قومي. هذا ليس فقط ما نراه لدى المصابين بعوارض الصدمة- تحاشي اللقاء مع الناس، وعدوانية وعودة لحظات الأزمة للوعي. شباب كثر يتناولون القنب يوميا إلى حد ضرب الأداء الوظائفي. إلى جانب الإدمان على الأدوية المهدئة للأوجاع. التعبير الثاني للمصاعب الآخذة في الاتساع هو العنف داخل الأسرة، والثالث ارتفاع مخيف في حوادث السير القاتلة التي شوهدت كحوادث السير لدى المحاربين القدامى في الولايات المتحدة بعد فيتنام وأفغانستان، تماما كما حصل في إسرائيل بعد حرب لبنان الثانية عام 2006. كما نشهد هنا ارتفاعا في أمراض قاسية كالسرطان وأمراض القلب وهي الثمن الصحي الحتمي للصدمة”.
وتشير الصحيفة العبرية إلى أن هناك معطيات تدعم تشخيص هذه الظواهر: دراسة صادرة عن الجمعية المذكورة تكشف عن ارتفاع بنسبة 65% في التوجهات لمنظومات الرفاه في مواضيع العنف داخل العائلة في النصف الأول من السنة الأولى للحرب. وتتفاقم الظاهرة أكثر في العائلات التي يخدم فيها الأب والأم خدمة عسكرية. ففي مثل هذه العائلات، سجل ارتفاع بنسبة 30% في العنف العاطفي والاقتصادي وتهديد مرتفع بثمانية أضعاف في العنف الجسدي والجنسي.
يشار إلى أن مصادر إسرائيلية كشفت أيضا في الشهور الأخيرة عن إصابة نحو 20 ألف جندي بـ”الكرب بعد الصدمة” جراء الحرب المتوحشة على غزة.
رابط المقال المختصر:





