اتفاق فائز فائز؟ بين الخطاب والساحة الاستراتيجية
ما يُعرض هنا ليس تسوية نهائية، بل إعادة ضبط للإيقاع السياسي والدبلوماسي، محاولة لتجميل واقع متشابك من خلال خطاب إعلامي قابل للتسويق

بقلم: معتز منصور
ما يُتداول هذه الأيام تحت عنوان اتفاق فائز فائز بين واشنطن وطهران، وفق تسريبات جيروزاليم بوست، لا يمكن قراءته كحقيقة استراتيجية جاهزة. بل كقطعة ضمن رقعة متحركة من الصراع الأميركي-الإيراني. العنوان الإعلامي وحده يشي بمحاولة إنتاج سردية قابلة للاستهلاك، بينما الواقع يبقى أكثر تعقيدًا وغموضًا، يخضع لتوازنات إقليمية ودولية دقيقة لا تعكسها بيانات التصريحات الرسمية.
الطبيعة المعلنة للاتفاق إطارية، غير مكتملة، بلا نص ملزم ونهائي، الحديث عن خفض مستوى التخصيب، نقل رمزي للمواد النووية، وآلية رقابية بلا ضمانات تنفيذية حقيقية، كل ذلك لا يشير إلى تغيير جوهري في قدرة إيران النووية أو في موازين القوة الإقليمية. ما يُعرض هنا ليس تسوية نهائية، بل إعادة ضبط للإيقاع السياسي والدبلوماسي، محاولة لتجميل واقع متشابك من خلال خطاب إعلامي قابل للتسويق، دون أن يغير في الجوهر شيئًا ملموسًا.
توصيف الاتفاق كـ ”فائز فائز” يعكس وظيفة الخطاب أكثر من أي حقيقة على الأرض. إعلان دونالد ترامب أنه حقق ما لم يحققه باراك أوباما، وإصرار إيران على أنها لم تتنازل عن شيء، يؤكد أن النجاح هنا يُقاس بصورته الإعلامية قبل أن يكون فعليا. الفجوة بين ما يُعلن وما سيُطبق تضع أي تحليل أمام اختبار دقيق: هل يحقق الاتفاق تقليصًا حقيقيًا للتصعيد، أم أنه مجرد تغليف إعلامي لموازين قائمة؟
المؤشرات القابلة للرصد تحدد عمق الواقع: مستوى التفتيش الفعلي، سرعة العودة إلى التخصيب الكامل عند أي انهيار محتمل، طبيعة العقوبات التي تُرفع أو تُجمّد، نطاق التحركات العسكرية الأميركية، وأثر الاتفاق على ملفات إقليمية أخرى. غياب هذه المعطيات يجعل أي استنتاج حول “الفائز” افتراضيًا، ويحوّل الاتفاق إلى خطاب وظيفي أكثر منه اتفاقًا استراتيجيًا.
عنصر الزمن يكشف بعدًا آخر. الاتفاق قد يمنح وقتًا أطول لأحد الطرفين على حساب الآخر. واشنطن، تحت ضغوط داخلية وأزمات إقليمية، تسعى إلى تهدئة قابلة للإدارة، بينما إيران ترى في الوقت فرصة لترسيخ قدراتها النووية، وتأمين نفوذها الإقليمي، دون المخاطرة المباشرة بالتصعيد. هذا التباين في الاستفادة الزمنية يحوّل معنى “فائز فائز” من توصيف إيجابي إلى توصيف وظيفي، يوضح أن الهدف ليس الحل النهائي، بل إدارة الصراع ضمن سقف منضبط من المخاطر والضغوط المتبادلة.
العمق التحليلي لا يقف عند تقييم الخطاب، بل يمتد لتفكيك الديناميكيات الإقليمية المحيطة. الاتفاق المؤقت، مهما كان شكله، يرتبط بسياق قوة متشابكة: نفوذ إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن، الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، وتحولات التحالفات الإقليمية. كل هذه العوامل تجعل أي تقييم للاتفاق معزولًا عن هذه البيئة مجرّد قراءة ناقصة. من هنا، يصبح الاتفاق أداة لإدارة هذه البيئة، لا لتغييرها جذريًا.
الفرضية المضادة الأهم تكمن في أن أي اتفاق مؤقت يخلق متغيرات غير معلنة. الوقت المكتسب يمكن أن يُستثمر في تعزيز القدرة النووية، تطوير شبكات النفوذ، أو إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية. في المقابل، الإدارة الأميركية تسعى لضبط المدى الزمني الذي يُتيح لها الحفاظ على الردع، وإبقاء الخيارات مفتوحة في حال انهيار التفاهم لاحقًا. بهذه الطريقة، الاتفاق ليس فقط وسيلة لتجميد الأزمة، بل اختبار متبادل لقدرة كل طرف على إدارة عدم اليقين في بيئة محفوفة بالمخاطر.
ما يميز التحليل السياسي هنا هو إبقاء الشك في صميم القراءة. أي نص يقدم استنتاجًا مسبقًا قبل اختبار احتمالات التنفيذ، يقع في فخ التوقع المسبق. التسوية لم تثبت بعد، والنتائج لم تتضح، وما يُعلن ليس بالضرورة ما سيُطبق، وهذه طبيعة أي اتفاق إطار في بيئة مثل بيئة الشرق الأوسط. من يقرأه كحل نهائي أو نصر استراتيجي يغفل أن الخاسر الحقيقي غير موجود، والرابح كذلك ليس مؤكدًا. الزمن وحده، مع اختبار التطبيق العملي، كفيل بالكشف عن طبيعة هذا الفضاء الرمادي الذي يحاول الطرفان إدارته بذكاء، بعيدًا عن أي نتيجة حاسمة.
الخلاصة، اتفاق “فائز فائز” على المستوى الإعلامي ليس أكثر من أداة لإدارة الصراع، تمكّن كل طرف من تحسين موقعه الرمزي دون المساس بالقدرة أو النفوذ الاستراتيجي. ما يراه البعض نصراً، هو في جوهره إدارة للتوازن الهش، وإبقاء خيارات كل طرف مفتوحة في مواجهة احتمالات غير متوقعة. هذا التباين بين الخطاب والواقع، بين الصورة والنتيجة، هو ما يحدد فعليًا معنى الاتفاق، ويجعل من فهمه تمرينًا دقيقًا على قراءة السياسة في أعماقها، لا مجرد التقاط العناوين الجذابة.

كاتب وباحث سياسي
رابط المقال المختصر:





