أحمد عز الدين يكتب: خطيئة القوة (1)
عنوان الفشل الأمريكي يكاد أن يكون موجزا في سطرين من تقرير اللجنة الإسرائيلية التي شكلها رئيس الأركان الإسرائيلي ( ايال زمير ) للتحقيق في الفشل الإسرائيلي في مواجهة أمواج طوفان الاقصى وهما نصا : (فشل منظومي كامل وليس خطأً تكتيكيا ) و (إن الجيش لم يفهم تغير طبيعة الخصم)

موازين القوى ليست مقياسا لهذه الحرب
أحسب أن حسابات موازين القوى العسكرية في صيغها المادية المباشرة ، ليست صالحة لأن تعطيك إجابة دقيقة عن توجه البندول الإستراتيجي لهذه الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.
ذلك أنك لا تستطيع أن تمسك بقاعدة الميزان العسكري والإستراتيجي لهذه الحرب ، دون ان تمسك في الوقت ذاته بقاعدة الميزان العقائدي والثقافي والحضاري لطرفيها.
طرفي التفاوض قبل أسابيع
وربما تستطيع أن تتلامس مع قواعد الميزان الأخير من خلال توصيف قاعدتي ميزان التفاوض الذين كان يجلس على أحدهما قبل اسابيع قليلة من الجانب الإيراني ( لاريجاني ) ويجلس على الجانب الآخر ( ويتكوف ) و ( كوشنر)
على الجانب الأول مفكر وفيلسوف أبحر في محيطين كبيرين من أصول الفلسفة الغربية هما ( كانت ) و ( ديكارت ) ممسكا بدفة اليقين ، داحضا نسبية الحقيقة ، ونظرية المعرفة في الفكر الغربي.
وعلى الجانب الثاني شخصان يتعاملان كسمسارين محترفين مع التاريخ والواقع والبيئة، بمفهوم صفقة تجارية أو مضاربة عقارية في بورصة الدم .
الذاكرة والقوة
ذات يوم كتب مفكر فرنسي كبير هو ( فوكو) معادلة قصيرة متوهجة كان نصها يقول : ( الذاكرة هي القوة )
ويقيني أن هذه المعادلة بالدرجة الأولى هي حد السيف الفاصل بين القوة الأمريكية الإسرائيلية ، والقوة الإيرانية فوق هذا المسرح الإقليمي الكبير.
ويقيني أيضا أن هذه المعادلة هي حد السيف الفاصل بين موقف مصر في قواعدها الشعبية الممتدة والواسعة، وموقف سواها من هذه الحرب.
هو موقف عميق وأصيل ، يؤكد أن الذاكرة التاريخية وفي قلبها الذاكرة الإستراتيجية ماتزال ثابتة في العقل الجمعي المصري ، وأنها المصدر الحقيقي للقوة والثبات .
أمريكا تتحول إلى طور متخلف عن التاريخ
لا سبيل مع ذلك سوى فتح ممر مضيئ أمام عدد من الحقائق التي ينبغي أن تسبق القفز فوق تضاريس مسرح العمليات :
أولا : أن الإمبريالية الأمريكية تتحول في أوج أزمتها الذاتية الخانقة إلى طور متخلف في التاريخ ، يكاد أن يكون أكثر تدنيا من الظاهرة الاستعمارية نفسها.
ذلك أنها أصبحت أقرب إلى موجات الحملات الصليبية التي جاءت مدفوعة بأزمة الإقطاع والانفجار السكاني في أوربا، محولة القوة العسكرية إلى استثمار اقتصادي.
مستندة إلى نزعة ثقافية ودينية متطرفة ، مجبولة على أن تحول نفسها إلى بديل حضاري وثقافي مهيمن باستخدام القوة المسلحة.
توسيع الأمبراطورية الأمريكية بالحديد والنار
ولذلك فإن أمريكا تعود إلى نطفتها الأولى عندما كانت واحد إلى أربعين من مساحتها الحالية تحت عنوان خفي هو صهر خرائط الشرق الأوسط ، وتوسيع حدود الإمبراطورية بالحديد والنار.
محاولة أن تصحح أوضاعها المختلة بنهب الشرق الأوسط واحتلاله تماما كما صححت الإمبراطورية الرومانية أوضاعها على مشارف انهيارها بنهب القسطنطينية .
لا حرب ترامب ولا ضغوط نتنياهو
ثانيا : تشكل هذه الحرب المرحلة السادسة من الإستراتيجية الأمريكية ضد الإقليم، وهي مفردة في الإستراتيجية القديمة التي صاغها المحافظون الجدد ، تحت عنوان ( القرن الأمريكي الجديد )
خطوطها تمتد إلى ماقبل الفتح الإستراتيجي لضرب العراق، وهي موقعة مسبقا في تقرير ( راند )
بالتالي لا هي حرب ترمب ولا هي وليدة ضغوط نتنياهو.
مولود حزب الحرب الأمريكي
وإنما هي المولود الجديد لحزب الحرب في الولايات المتحدة، وهو حزب من بين أذرعته البنتاجون والدي أي إيه والسي أي إيه ورؤوس المجمع الصناعي العسكري ، وخيوط شبكة نفوذ عليا من رجال المال في الغرب كله، مما يجعلها حرب الشركات أكثر من كونها حرب الدولة .
أمريكا لم تواجه من قبل خصما لقدراتها
ثالثا : لقد حددت الثقافة العسكرية الأمريكية نفسها بقوالب ذاكرتها العسكرية وهي ذاكرة محدودة العمق تتشكل شرائحها من تاريخها العسكري في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حيث لم يصادف الأمريكيون خصما لقدراتهم.
لا الهنود الحمر ولا المكسيكيين الذين اقتطعوا منهما ثلث المساحة التي تتمدد فوقها الإمبراطورية.
لهذا آمن الأمريكيون دوما بأن يكسبوا معاركهم بنصر مطلق، منذ حربهم ضد اسبانيا 1898 إلى الحرب العالمية الأولى 1917 إلى الحرب العالمية الثانية 1942.
الأوضاع المختلفة عن طبيعة معاركهم تضعهم في مأزق
لهذا خانتهم ثقافتهم العسكرية كلما واجهوا أوضاعا مختلفة عن تلك التي شكّلت فكرهم الإستراتيجي وهو أمر أكثر وضوحا الآن مما كان عليه في حروب كوريا أو فيتنام أو افغانستان .
رابعا : لقد تحدث ( توينبي ) عن الخطيئة في التاريخ، وعلى وجه التحديد خطيئة القوة.
وهو لم يسبغ على القوة معنى أخلاقيا، وإنما معنى حضاريا.
الجغرافيا الثقافية مفهوم جديد على أمريكا
لكن خطيئة القوة الأمريكية هذه المرة أنها وضعت نفسها في مواجهة مفهوم جديد هو الجغرافيا الثقافية ، وهو ليس بديلا لمفهوم الجغرافيا الإستراتيجية.
لكنني أحسب أن الأول يكاد أن يحتوي الثاني، ويكاد الثاني أن يكون بعضا من مكونات الأول .
خامسا : أننا أمام سلوك إمبراطورية مأزومة ، وصلت إلى حالة من الشيخوخة ، وهي تبني احلاما على أوضاع قد تقادمت حد التآكل.
تدفعها إلى حتفها نخبة تمثل قاع المجتمع الأمريكي، بل قاع المجتمع الإنساني كله، فكرا وقيما وأخلاقا، فهي أقرب إلى عصابات المافيا سلوكا فقاداتها وأسطع وجوهها تستثمر بنفسها ولنفسها في الحرب.
تعمل صيادة للمال في برك الدم، ولك أن تطالع في كثير من الأوراق السيارة ما دخل إلى جيب كوشنر، قبل ويتكوف، أو كليهما قبل ترمب، بالمليارات .
نخبة ترامب هي انحدار اللبيرالية
إذا كانت نخبة ترمب ذاتها هي التعبير الصافي عن مستوى الانحدار الذي وصلت إليه الليبرالية الجديدة فإن ترمب نفسه هو التعبير الذاتي الأكثر لمعانا عن أخر طور منحط في هذه الإمبريالية .
سادسا : في الأحاديث المكررة لجنرالات أمريكا وإسرائيل عن إعادة ترميم الردع ما لا يستحق التوقف من منظور إستراتيجي خالص، حتى لو كان سبيله هو الزج بوحدات من القوات الخاصة والمحمولة جوا.
إذ لا شئ في الفقه العسكري اسمه ترميم الردع ، لقد سقط الردع كحائط من زجاج بمجرد إطلاق الطلقة الأولى.
فشل منظومة وليس فشل تكتيكي
إن عنوان الفشل الأمريكي يكاد أن يكون موجزا في سطرين من تقرير اللجنة الإسرائيلية التي شكلها رئيس الأركان الإسرائيلي ( ايال زمير ) للتحقيق في الفشل الإسرائيلي في مواجهة أمواج طوفان الاقصى وهما نصا : (فشل منظومي كامل وليس خطأً تكتيكيا ) و (إن الجيش لم يفهم تغير طبيعة الخصم )
اللافت للنظر في إدعاء ترميم الردع بنقل قوات خاصة ومحمولة جوا، أن أمريكا التي وضعت قواعدها في الخليج على مرمى لا تطوله سوى الصواريخ الإيرانية تشحن وحداتها وقواتها في مدى ضيق تطوله الأسلحة الصغيرة .
سابعا : بعد مرور أربعة أسابيع مشبعة بحسابات خاطئة، وتقديرات موقف منحرفة، ومفاجئات صاعقة ، وبعد أن انتزعت إيران المبادرة الإستراتيجية.
هزيمة أمريكا أقل تكلفة من نصر
أغلب الظن أن أمريكا بدأت رحلة الشك في قدراتها ، ولذلك فإن الصيغة الراهنة للعقل السائد في منظومة القوة الأمريكية ،لا تحتوي إلا على خيارين هما :
التصعيد الرأسي لضرب إيران مساحيا ، لتدمير كل الأصول الإستراتيجية التي يملكها الشعب الإيراني ، ودفع الأوضاع إلى مزيد من الهدم وبرك الدم والفوضى ، دون حساب دقيق لمستوى الردود غير المنظورة التي تملكها القوة الإيرانية.
الثاني التصعيد الأفقي بفتح الباب واسعا أمام آلة الحرب هنا وهنا لهدم الإقليم كله فوق رؤوس أصحابه ، بدفع دول إقليمية أخرى إلى الدخول في ساحة المواجهة، وإن كان هذا بدوره لن يحقق نصرا إستراتيجيا .
إنني أحد الذين يعتقدون أن الهزيمة بالنسبة لأمريكا وإسرائيل في هذه الحرب أقل تكلفة، وأرخص ثمنا من محاولة استحلاب نصر مراوغ يصعب الإمساك به، بمزيد من التصعيد غير المحدود في مستوى القوة العسكرية .






