آراء و تحليلات
د. محمد الغمري
د. محمد الغمري

كاتب ومستشار قانوني

أبطال وخونة (8) علي الزيبق البطل المراوغ

لم تُهزم الشجاعة، بل هُزمت شروطها؛ إذ اصطدم نمط المواجهة بواقع لم تعد فيه أدوات القوة ولا موازينها تسمح بالحسم. وهنا لا ينتهي الحدث عند حدوده، بل يتحول إلى نقطة انقطاع: نهاية نمط… وبداية سؤال

مشاركة:
حجم الخط:

علي الزيبق كتعويض أسطوري عن هزيمة طومان باي

1. لحظة الإعدام: نهاية نمط وبداية سؤال

في صباحٍ مشحون بدلالة تتجاوز الحدث، عُلّق طومان باي على باب زويلة، لا بوصفه حاكمًا مهزومًا، بل بوصفه التعبير الأخير عن نمط كامل من الفعل السياسي.
لم تُهزم الشجاعة، بل هُزمت شروطها؛ إذ اصطدم نمط المواجهة بواقع لم تعد فيه أدوات القوة ولا موازينها تسمح بالحسم.
وهنا لا ينتهي الحدث عند حدوده، بل يتحول إلى نقطة انقطاع: نهاية نمط… وبداية سؤال
لا تمثل الهزيمة سقوط فرد، بل انهيار نمط كامل من الفعل يقوم على المواجهة المباشرة. فلم يعد الفعل يُقاس بجرأته، بل بقدرته على الاستمرار داخل شروط لم تعد تسمح بالحسم.

2. السؤال المركزي: كيف يستمر الفعل؟

إذا كانت المواجهة تنتهي بالمشنقة، فكيف يمكن للفعل أن يستمر؟
هذا السؤال لم يُطرح في التنظير، بل تشكّل داخل الوعي الجمعي بوصفه ضرورة، لا خيارًا.

3. الزيبق: إجابة المخيال على سؤال الفعل

في هذا الفراغ، يظهر على الزيبق لا بوصفه شخصية تاريخية، بل بوصفه إجابة رمزية على هذا السؤال.
لا يواجه… بل يناور
لا يكسر… بل يعيد ترتيب العلاقة
وهنا يتحول الفعل من المواجهة إلى التموضع، ومن كسر القوة إلى العمل داخلها.

4. الزيبق في الحكاية: الحيلة كآلية اشتغال

تقدّم الحكايات الشعبية الزيبق بوصفه فاعلًا يعمل داخل البنية لا خارجها.
يدخل دار الحاكم متنكرًا، فيتحرك في قلب السلطة دون أن يُرى؛ يمر من نقاط التفتيش بوثيقة تحمل شكل السلطة، فيخضع لها الحراس لا لحقيقتها، بل لصورتها؛ يسبق ردود الفعل، فيتحرك في لحظة غفلة النظام أو ثقته الزائدة؛ ويتنقل بين أدوار متعددة، فلا يُمسك عليه تصنيف.
لكن جوهر هذه المراوغة ليس الحيلة، بل ما تقوم عليه من معرفة.
ليست معرفة تفسيرية، بل: معرفة تشغيلية: معرفة بكيف تعمل البنية، لا بما تعنيه
فهو يعرف أين تتصلب السلطة وأين تفرغ، متى تعتمد على قوتها ومتى تكتفي بصورتها، وكيف يتحرك عناصرها داخلها.
وبذلك، لا يصبح الفعل مواجهة للقوة، بل:
إعادة توظيف لها من داخلها؛ فالزيبق لا ينتصر لأنه أقوى، بل لأنه: أدق فهمًا وأسرع قراءة، وأقدر على استثمار التناقضات
وفي صورة مكثفة: كما لو أنه يمر بين جدران صلبة… لا بكسرها، بل بالتحرك في الفراغات بينها
الفعل هنا لا يُنجز بالقوة، بل بإعادة ترتيب العلاقة مع القوة

5. دلالة صنع الزيبق في المخيال الشعبي

لا يُنتج المخيال الشعبي الزيبق بوصفه شخصية حقيقية، بل بوصفه بناءً رمزيًا يعكس تحوّلًا في شروط الفعل.
حيث لا تشير المصادر التاريخية الموثقة إلى وجود شخصية محددة باسم علي الزيبق يمكن التحقق منها، بل يرد حضوره في نطاق الحكايات الشعبية دون سند تاريخي حاسم.
ومن ثم، فإن موقعه الأدق هو: بناء رمزي… لا واقعة تاريخية. فالزيبق ليس فاعلًا، بل صيغة للفعل الممكن حين يستحيل الفعل المباشر.
المخيال لا يلغي الفعل… بل يعيد توطينه داخل الممكن
لكن هذه الصياغة تحمل مفارقة: تحافظ على معنى الفاعلية… وتفصلها عن القدرة على التغيير

6. من البطولة إلى تدبير الفعل

يمثل الزيبق تحولًا من منطق الحسم إلى منطق التدبير: لم يعد الفعل لحظة مواجهة، بل عملية ممتدة لإدارة الشروط. حيث لم تعد البطولة في الانتصار، بل في الاستمرار

7. البطل المراوغ: فعل داخل الشروط

يولد هذا النموذج حين تضيق الشروط. حين تصبح المواجهة غير ممكنة… تظهر المراوغة. فهو لا يكسر البنية، ولا يذوب فيها، بل يعمل داخلها.

8. حدود النموذج: من المراوغة إلى الاندماج

غير أن هذا النمط يحمل خطرًا داخليًا: كل فعل يفقد مسافته عن البنية… يتحول إلى جزء منها. وهنا ينتقل الفاعل من إدارة العلاقة إلى الذوبان داخلها.

أبطال وخونة (7) الفاعل بين المسار والزمن

أبطال وخونة (6) المجتمع المصري بين طومان باي وخاير بك

د. محمد الغمري يكتب: أبطال وخونة (5)

9. الخلاصة: الفعل بين الشروط والمآلات

لم يكن التحول من المواجهة إلى المراوغة خيارًا، بل نتيجة لتغيّر الشروط.
فبين: نهاية المواجهة (طومان باي) واندماج الفاعل (خاير بك)
يظهر الزيبق كحل وسط: لا يكسر… ولا يذوب… بل يعمل داخل الشروط
لكن هذا الحل يظل محدودًا: يُبقي الفعل قائمًا… لكنه لا يغيّر شروطه
حين تضيق الشروط، لا يختفي الفعل… بل يتغير شكله
لكن تغيّر الشكل لا يعني تجاوز المأزق… بل إدارته

شارك المقال: