أبطال وخونة (4) طومان باي الفعل في زمن الانهيار
غير أن هذا البعد يكشف بدوره عن حدوده؛ إذ لم يتحول التعاطف إلى قدرة سياسية، ولم يتحول القبول إلى قوة تنظيمية، فظل المجتمع حاضرًا في الوجدان وغائبًا في الفعل.

تصميم للذكاء الاصطناعي من وحي المقالات
طومان باي التحرك داخل بنية فقدت قدرة البقاء
إن تجربة طومان باي تمثّل نقطة الانتقال من تفسير الحدث إلى اختبار النموذج؛ إذ لم يعد السؤال متعلقًا بسقوط الدولة، بل بحدود الفعل داخل مسار بلغ لحظة الانغلاق التاريخي.
فطومان باي لم يتحرك داخل دولة ضعيفة فحسب، بل داخل بنية فقدت قدرتها على إعادة إنتاج شروط البقاء، بحيث لم يعد الفعل قادرًا على تجاوز الإطار الذي يُحدّده المسار.
سياق منهك الأمور اختلت وكثرت الفتن
تكشف الشهادات المعاصرة – وخاصة المملوكية – أن الفاعل (طومان باي) دخل لحظة المواجهة في سياق بنيوي منهك؛ إذ يصف محمد بن إياس حال الدولة بقوله إن «الأمور قد اختلّت، وكثرت الفتن، ولم يبق انتظام في العسكر»
وهو توصيف لا يعكس مجرد اضطراب، بل يعكس تفكك القدرة على إنتاج النظام ذاته.
ويعزز محمد بن طولون الصالحي هذا المعنى حين يشير إلى أن «الناس في اضطراب، والأمراء مختلفون، ولا كلمة تجمعهم»
بما يكشف أن الانهيار لم يكن حادثة سياسية، بل حالة بنيوية ممتدة.
طومان باي يحاول إنتاح فعل
ورغم هذا القيد البنيوي، فإن سلوك طومان باي يكشف عن فاعل يحاول إعادة إنتاج الفعل داخل شروط غير قابلة لذلك؛ إذ يذكر محمد بن إياس أن السلطان
«ركب بنفسه وقاتل قتالًا شديدًا، وثبت في مواضع كثيرة»
الحضور لا يتحول إلى نتيجة
في دلالة على حضور الفاعل بأقصى درجاته الممكنة.
غير أن هذا الحضور لم يتحول إلى نتيجة، لأن المشكلة لم تكن في مستوى الفعل، بل في قابلية البنية لاحتضان الفعل. ومن هنا، فإن ما يبدو شجاعة في مستوى الفاعل، يتحول – في مستوى التحليل – إلى فعل يتحرك خارج زمن الإمكان.
الوضع لم يعد يسمح بإعادة البناء
وتؤكد الدراسات الحديثة هذا التحديد البنيوي؛ إذ يرى بيتر مالكولم هولت أن طومان باي «واجه وضعًا لم يعد يسمح بإعادة بناء السلطة، بل فقط بتأخير سقوطها» (³⁶)، بينما يذهب أندرو هيس إلى أن مقاومته «لم تكن إلا محاولة أخيرة داخل بنية فقدت قدرتها على الصمود» (³⁷). وبذلك، ينتقل الفعل من كونه مشروع تغيير إلى كونه استجابة داخل مسار مغلق.
وفي هذا الإطار، يطرح تحليل التجربة سؤالًا إضافيًا:
هل يمكن للفاعل أن يعوّض انهيار البنية عبر إعادة تشكيل علاقته بالمجتمع؟
تكشف الشهادات المعاصرة للأحداث عن درجة لافتة من التعاطف الشعبي مع طومان باي.
إذ يشير محمد بن إياس إلى أن الناس «مالت قلوبهم إليه، وترحّموا عليه، لما رأوا من شجاعته وعدله»
بينما يذكر محمد بن طولون الصالحي أن العامة «كانت تدعو له وتأسف لحاله» (³⁹)، بما يعكس محاولة ضمنية لإعادة إنتاج الشرعية عبر القبول الاجتماعي.
التعاطف لم يتحول إلى قدرة سياسية
غير أن هذا البعد يكشف بدوره عن حدوده؛ إذ لم يتحول التعاطف إلى قدرة سياسية، ولم يتحول القبول إلى قوة تنظيمية، فظل المجتمع حاضرًا في الوجدان وغائبًا في الفعل.
ومن ثم، فإن العلاقة بين الحاكم والمحكوم – رغم تحسنها النسبي – لم تكن قادرة على تعويض الانهيار البنيوي، بل كشفت أن الشرعية الاجتماعية لا تكفي حين تغيب البنية القادرة على تفعيلها.
وتبلغ هذه المفارقة ذروتها في لحظة الإعدام على باب زويلة، حيث يصف محمد بن إياس أن الناس «بكوا عليه بكاءً عظيمًا، وترحّموا عليه»
في مشهد تتقاطع فيه النهاية السياسية مع الذروة الرمزية.
فهنا يتحول الفاعل من عنصر داخل بنية منهارة إلى رمز خارجها، وتتحول الهزيمة من حدث سياسي إلى ذاكرة جماعية، تعيد إنتاج العلاقة بين الحاكم والمحكوم في مستوى وجداني لا يملك القدرة على تغيير مسار التاريخ.
وعليه، فإن تجربة طومان باي تكشف عن قانون تحليلي مركّب: ليس الفعل هو ما يحدد النتيجة، بل موقعه داخل المسار؛ وليس التعاطف الشعبي قادرًا على إنقاذ الفعل، إذا كان منفصلًا عن بنية قادرة على تحويله إلى قوة.
ومن ثم، فإن المعادلة لا تُقرأ في حدود الفاعل وحده، بل في تفاعل الفاعل والبنية والمجتمع داخل زمن محدد.
وبعبارة نظرية نهائية: فعل قوي + مسار منهار + مجتمع متعاطف غير مُفَعَّل = فشل تاريخي
لكن هذا الفشل لا ينتهي عند لحظة السقوط، بل يُعاد إنتاجه رمزيًا.
حيث تنتصر الذاكرة للفاعل، في الوقت الذي ينتصر فيه الواقع للبنية، فتظل العلاقة بينهما مفتوحة بعد النهاية، بوصفها تعبيرًا عن الفجوة بين ما كان ممكنًا في الوعي، وما كان ممكنًا في التاريخ.
ونطرح نموذج أخر في المقال القادم






