مقالات
خالد الحديدي
خالد الحديدي

كاتب وناقد وباحث

نهاية قواعد اللعبة في الشرق الأوسط

في قلب هذا المشهد، تتقاطع مشاريع كبرى، أبرزها المشروع الذي ترعاه الولايات المتحدة لإعادة هندسة الإقليم، مقابل مشروع مضاد تقوده إيران يسعى إلى تعطيل هذه الهندسة وإعادة إنتاج توازنات قوى متعددة.

مشاركة:
حجم الخط:

مشاريع متقاطعة في الشرق الأوسط 

تشهد منطقة الشرق الأوسط لحظة تاريخية مركّبة، لا يمكن فهمها من خلال مفاهيم الحرب التقليدية أو ميزان القوى الكلاسيكي وحده، بل عبر سبر الطبقات العميقة للصراع بوصفه صراعًا على تعريف النظام الإقليمي ذاته.

ففي قلب هذا المشهد، تتقاطع مشاريع كبرى، أبرزها المشروع الذي ترعاه الولايات المتحدة لإعادة هندسة الإقليم، مقابل مشروع مضاد تقوده إيران يسعى إلى تعطيل هذه الهندسة وإعادة إنتاج توازنات قوى متعددة.

لم يعد الهدف الأمريكي مقتصرًا على احتواء إيران، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة ترتيب المنطقة بما يسمح بدمج إسرائيل كمركز ثقل إقليمي شامل، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.

احتلال غزة الكامل قد يتحول إلى أغلى مقامرة

عمار علي حسن يكتب: غواية الشهرة والمبتعدين عنها

مصطفى السعيد يكتب: مضيق هرمز مفتاح القوة والحرب والسلام

تصفية القضية الفلسطينية 

هذا الدمج لا ينفصل عن تصفية تدريجية للقضية الفلسطينية عبر تحويلها من قضية مركزية إلى ملف ثانوي داخل شبكة من المصالح الإقليمية.

غير أن هذا المشروع يصطدم بعائق بنيوي يتمثل في إيران، ليس فقط كدولة، بل كشبكة نفوذ ممتدة تتغلغل في أكثر من ساحة، وتعيد تعريف مفهوم المجال الحيوي في الشرق الأوسط.

توحيد ميادين المواجهة 

إن ما يمكن تسميته بالاستعصاء الجيوسياسي لم يعد مجرد توصيف نظري، بل أصبح واقعًا عمليًا يعيد تشكيل قواعد الاشتباك.

فاستراتيجية توحيد ميادين المواجهة التي تبنتها إيران لم تخلق فقط ترابطًا بين الجبهات، بل فرضت معادلة جديدة مفادها أن أي صراع محلي يمكن أن يتحول إلى صراع إقليمي شامل.

هذا التحول ألغى فكرة الحروب المحدودة، وجعل من كل مواجهة اختبارًا لإرادة متعددة الأطراف.

في هذا السياق، تتغير طبيعة الردع. لم يعد الردع قائمًا فقط على امتلاك القوة، بل على القدرة على توزيعها عبر تكوين من الأطراف المؤثرة، بحيث يصبح استهداف مركز واحد غير كافٍ لإنهاء التهديد.

هذه البنية الشبكية للقوة تجعل من الصعب على أي قوة كبرى تحقيق حسم سريع، وتحوّل الصراع إلى حالة من الاستنزاف المستمر.
هذا الاستنزاف يتجلى بوضوح في التحول من الحروب عالية الكلفة إلى الحروب منخفضة الكلفة وعالية التأثير.

فالمسيّرات الرخيصة والصواريخ التقليدية لم تعد مجرد أدوات تكتيكية، بل أصبحت جزءًا من فلسفة استراتيجية تهدف إلى إنهاك الخصم اقتصاديًا ونفسيًا.

في المقابل، تجد القوى الكبرى نفسها مضطرة لاستخدام أنظمة دفاعية باهظة الثمن لمواجهة تهديدات منخفضة التكلفة، ما يخلق اختلالًا في معادلة الإنفاق العسكري.
في ظل هذه المعادلة، يمكن فهم محاولات إعادة تفعيل أوراق قديمة، مثل الورقة الكردية، التي ارتبطت بسياسات دونالد ترامب.

مأزق استراتيجي 

غير أن هذه المحاولات تكشف عن مأزق استراتيجي، حيث لم تعد الأدوات التقليدية قادرة على تحقيق النتائج السابقة.

فالتخلي الأمريكي عن الأكراد في مراحل سابقة أضعف الثقة، وجعل من الصعب إعادة توظيفهم كأداة فعالة، خاصة في بيئة معقدة مثل العراق وسوريا، حيث تتداخل المصالح الإقليمية والدولية بشكل غير مسبوق.

الملف النووي الإيراني 

أما على مستوى الملف النووي، فإن التحول الأهم يكمن في انتقال إيران من موقع الدفاع إلى موقع فرض الأمر الواقع.

لم يعد النقاش يدور حول هل تمتلك إيران القدرة؟ بل حول كيف سيتم التعامل مع هذه القدرة؟

الوصول إلى العتبة النووية يخلق حالة من الردع غير المعلن، حيث تصبح تكلفة الهجوم أعلى بكثير من أي مكسب محتمل.

ازدواجية التعامل الدولي مع ملف النووي 

في المقابل، يكشف التعامل الدولي مع هذا الملف عن ازدواجية واضحة، إذ يتم التسامح مع الترسانة النووية الإسرائيلية، بينما يتم تصوير البرنامج الإيراني كتهديد وجودي.
هذه الازدواجية لا تعكس فقط تناقضًا أخلاقيًا، بل تعبر عن صراع على احتكار أدوات السيادة.

فامتلاك السلاح النووي في هذا السياق ليس مجرد مسألة أمنية، بل هو إعلان عن الاستقلال الاستراتيجي والخروج من دائرة النفوذ.

الصراع النووي جزء من صراع أكبر 

ومن هنا، يصبح الصراع على البرنامج النووي الإيراني جزءًا من صراع أوسع على شكل النظام الدولي.

في الميدان، تتجلى هذه التحولات في تصاعد العنف وتداخل الساحات. الغارات الإسرائيلية على لبنان، وما خلفته من خسائر بشرية كبيرة، تعكس محاولة لإعادة فرض قواعد ردع تقليدية في بيئة لم تعد تقبل بهذه القواعد.

اللاسلم واللا حرب 

في المقابل، تؤكد التصريحات الإيرانية أن أي تصعيد لن يبقى محصورًا في جغرافيا معينة، بل سيتحول إلى مواجهة متعددة الجبهات.
غير أن ما يميز هذه المرحلة ليس فقط شدة الصراع، بل غياب الحسم. فكل طرف يمتلك القدرة على الإيذاء، لكنه يفتقر إلى القدرة على إنهاء الصراع.

هذا التوازن السلبي يخلق حالة من اللا حرب واللا سلم، حيث تستمر المواجهات دون أن تصل إلى نقطة الانفجار الشامل أو التسوية النهائية.
في هذا الإطار، تبرز أهمية ساحة السرديات كجزء لا يتجزأ من الصراع.

الرواية لا الميدان  

لم تعد الحروب تُحسم فقط في الميدان، بل في القدرة على بناء رواية مقنعة للجمهور الداخلي والخارجي.

كل طرف يسعى إلى تقديم نفسه كمنتصر، حتى في ظل خسائر واضحة، ما يخلق فجوة بين الواقع والخطاب. هذه الفجوة هي ما يمكن تسميته بوهم النصر، حيث يصبح الانتصار حالة ذهنية أكثر منه حقيقة ميدانية.

هذا الوهم يلعب دورًا حاسمًا في استمرارية الصراع، إذ يسمح للأنظمة السياسية بتبرير التكاليف المتزايدة، ويمنحها هامشًا لمواصلة المواجهة دون مواجهة ضغوط داخلية كبيرة.

غير أن هذا لا يلغي الحقيقة الأساسية الجميع يخسر، وإن بدرجات متفاوتة. فالاستنزاف الاقتصادي، وتآكل الاستقرار، وتصاعد التوترات الاجتماعية، كلها نتائج مباشرة لهذا النمط من الصراع.

عند إعادة قراءة التجارب السابقة، يتضح أن نجاح التدخلات العسكرية، خاصة من قبل الولايات المتحدة، كان يعتمد بشكل كبير على وجود بيئة داخلية قابلة للاختراق.

في غياب هذا العامل، كما هو الحال في إيران أو في بعض الساحات المرتبطة بها، يصبح التدخل العسكري خيارًا عالي المخاطر وغير مضمون النتائج.

هذا ما يفسر التحول من استراتيجيات التغيير السريع إلى استراتيجيات الاحتواء الطويل.

الفوضى المنظمة في الشرق الأوسط 

إن الشرق الأوسط اليوم لا يغادر فقط مرحلة الهيمنة الأحادية، بل يدخل في مرحلة الفوضى المنظمة، حيث تتعايش قوى متعددة ضمن توازنات هشة. في هذا السياق، لا يمكن لأي طرف أن يفرض إرادته بشكل كامل، ولا يمكن لأي طرف أن يُستبعد من المعادلة. هذه الحالة تخلق نظامًا إقليميًا جديدًا، قائمًا على التفاوض المستمر، والصراع المحدود، وإعادة توزيع النفوذ بشكل دوري.

إجراءات ضد إسرائيل

في خضم هذا المشهد المعقد، تبرز دعوات متصاعدة داخل المجتمع الدولي بضرورة اتخاذ إجراءات غير مسبوقة تجاه إسرائيل، تصل إلى حد فرض عزلة فورية وشاملة، وقطع كافة التحالفات الأمنية والتجارية معها.

تأتي هذه الدعوات في سياق الغارات التي طالت لبنان، والتي أسفرت عن سقوط مئات الضحايا، بينهم عدد كبير من الأطفال، ما دفع بعض الأطراف إلى توصيف ما يجري بأنه حرب إبادة جماعية، وهو توصيف يعكس تصاعدًا حادًا في الخطاب السياسي والحقوقي، ويشير إلى تحول في طبيعة التعاطي الدولي مع الصراع.

 

هذه الدعوة، بغض النظر عن مدى قابليتها للتطبيق، تكشف عن تحول نوعي في بنية السردية العالمية، حيث لم يعد الدعم لإسرائيل ثابتًا كما كان في السابق، بل أصبح محل نقاش وتحدٍ داخل دوائر دولية متعددة.

كما أنها تعكس إدراكًا متزايدًا بأن استمرار الصراع بهذا الشكل يهدد الاستقرار الإقليمي والدولي على حد سواء، ويضع القوى الكبرى أمام اختبار أخلاقي وسياسي معقد.

غير أن تحقيق مثل هذه العزلة يواجه عقبات بنيوية، أبرزها تشابك المصالح الاقتصادية والعسكرية، ووجود تحالفات استراتيجية عميقة، خاصة مع الولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن مجرد طرح هذا الخيار يعكس حجم التحول في البيئة الدولية، ويؤكد أن الصراع لم يعد محصورًا في ساحاته التقليدية، بل امتد إلى فضاء الشرعية الدولية والوعي العالمي.

في المحصلة الاستراتيجية، يمكن القول إن ما يجري في الشرق الأوسط ليس مجرد صراع بين دول، بل هو صراع على تعريف المستقبل ذاته.

بين مشروع يسعى إلى إعادة إنتاج الهيمنة بصيغة جديدة، ومشروع مضاد يحاول فرض التعددية بالقوة، تقف المنطقة أمام مفترق طرق تاريخي.

غير أن المؤكد هو أن زمن الانتصارات الحاسمة قد انتهى، وأن ما سيحدد ملامح المرحلة المقبلة ليس من يربح الحرب، بل من يستطيع إدارة التوازنات بأقل قدر من الخسائر، في عالم لم يعد يسمح بالهيمنة المطلقة، ولا يقبل في الوقت ذاته بالفراغ.

شارك المقال: