مخاض” الشرق الأوسط الجديد على طاولة التفاوض
خلف الأبواب الموصدة لـ "قاعة القائد"، وفي أجواءٍ يسودها برودٌ دبلوماسيٌّ يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة، انطلقت أخطر جولة مفاوضات في القرن الحادي والعشرين.

صورة لبدء جلسة المقاوضات (تعبيرية)
بقلم: د. محمد فؤاد
تحت سماءٍ ملبدةٍ بطائرات الاستطلاع وبترقبٍ عالميٍّ يقطع الأنفاس، لم تكن إسلام آباد اليوم مجرد عاصمةٍ للوساطة، بل تحولت إلى “ميدان اشتباكٍ صامت” في قصر الضيافة الحكومي الذي تحول إلى ثكنة عسكرية محصنة.
خلف الأبواب الموصدة لـ “قاعة القائد”، وفي أجواءٍ يسودها برودٌ دبلوماسيٌّ يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة، انطلقت أخطر جولة مفاوضات في القرن الحادي والعشرين.
لم تكن هناك مصافحات بروتوكولية، بل نظراتٌ حادة تتبادلها وجوهٌ أدمنت الصراع؛ حيث يجلس “صقر” البيت الأبيض جي دي فانس في مواجهة “جنرال” البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، في مشهدٍ يعكس انتقال الصراع من فوهات المدافع إلى المسافات الصفرية فوق مائدة مستطيلة لا تعرف أنصاف الحلول.

لقد فُرِضت قواعد التفاوض بذكاءٍ إيرانيٍّ حاد؛ إذ لم تُفتَح القاعة إلا بعد أن تسلمت طهران “عربون الجدية” متمثلاً في قرار واشنطن بالإفراج عن المليارات المجمدة في قطر وأوروبا.
هي مقايضةٌ كبرى صاغها ترامب بعقلية الصفقات: “السيولة مقابل السيادة الملاحية”؛ حيث يُفتَح شريان هرمز مقابل فك الخناق عن الارصدة المالية لطهران.
لكن هذا “الثمن المالي” لم يكن كافياً لتبديد التوتر؛ فبينما كان ناصر همتي (محافظ البنك المركزي الإيراني) يراجع أرقام التحويلات، كان الوفد الإيراني يضع “لغماً” استراتيجياً فوق الطاولة: “لا سلام في هرمز دون أمانٍ في جنوب لبنان”.
إنها دبلوماسية “حافة الهاوية”؛ حيث تصر طهران على أن جغرافية التفاوض تمتد من الناقورة إلى مضيق هرمز، رافضةً تجزئة الحلول أو نزع سلاح المقاومة تحت وطأة “الجزرة المالية”.

ومع كل كلمةٍ تُقال داخل القاعة، يرتفع أزيز طائرات الشحن الأمريكي العملاقة في الخارج، وهي تضخ الصواريخ لتعويض مخازن الحلفاء، ليرسم هذا التناقض الصارخ الحقيقة المرة.
المنطقة اليوم أمام مخاضٍ عسير؛ إما أن تنجح “مفاوضات إسلام آباد” في مقايضة الأمن بالمليارات، أو أن انفجاراً قادماً يلوح في الأفق، لن تقوى كل أموال العالم على إخماد حريقه إذا ما انطلقت شرارته الأولى من جبال الجنوب اللبناني.
أولاً: صراع العقول ومنطلقات التفاوض وتوازنات القوة
لم يكن تشكيل الوفود في “إسلام آباد” مجرد اختيار لشخصيات دبلوماسية، بل كان إفصاحاً علنياً عن “عقيدة التفاوض” لدى القطبين.
دخلت طهران المفاوضات باستراتيجية “الدولة الشاملة”، متمثلة في وفد قوامه 14 شخصية من العيار الثقيل يترأسهم محمد باقر قاليباف.
وهو اختيار ذكي يجمع بين شرعية البرلمان وخلفية “الجنرال” الميداني، لتطويق أي معارضة داخلية وضمان صبغة “قومية” سيادية لأي التزام.

في المقابل، نهجت واشنطن استراتيجية “فريق المهام الخاصة” عبر وفدٍ نوعي يتقدمه جي دي فانس كظهير سياسي لترامب، وجاريد كوشنر كمهندس للترتيبات الإقليمية، والأدميرال براد كوبر كـ “عين عسكرية” ترصد الخطوط الحمراء ميدانياً.
هذا التباين البنيوي يكشف الكثير.
طهران نقلت “مطبخ القرار الاستراتيجي” بكامل طاقمه (أمنياً، سياسياً، ومالياً) لفرض شروطها كـ “ند”
بينما اعتمدت واشنطن “فريق القناصين” لانتزاع صفقة سريعة ومحددة. ويبرز هنا الصراع بوضوح في “المسار المالي”؛ حيث يواجه ناصر همتي (محافظ البنك المركزي) بعقليته المصرفية وخبرته في الالتفاف على العقوبات، ستيف ويتكوف (رجل العقارات والبيزنس الأمريكي)،
مما يحول الطاولة من نقاش سياسي إلى “بورصة جيوسياسية” تُقايض المليارات بالأمن الملاحي.
ثانياً: التناقض الصارخ.. مفاوضات تحت أزيز الطائرات
بينما تنشغل الغرف المغلقة بالحديث عن السلام، ترصد الرادارات حقيقة أخرى فوق الأرض. النشاط المكثف لطائرات الشحن العسكري الأمريكي العملاقة (C-17A و C-5M) من قواعد “رامشتاين” و”أكروتيري” باتجاه إسرائيل ودول الخليج، يكشف عن جسر جوي ضخم لإعادة التذخير وتعزيز منظومات الدفاع الجوي.
هذا المشهد يطرح تساؤلاً مشروعاً: هل الهدنة سوى “مهلة تقنية” لإعادة تسليح حلفاء واشنطن بعد الضربات القاسية التي تلقوها؟
إن استمرار التهديدات بضرب لبنان لنزع سلاح المقاومة بالتزامن مع الحشد العسكري، يضع المفاوضين الإيرانيين أمام واقع لا يمكن تجاهله: واشنطن تفاوض بيد، وتضغط على زناد الصواريخ باليد الأخرى.

ثالثا ً: ثلاثة مسارات ترسم وجه المنطقة ..
في ظل التعقيدات الميدانية وضغوط الغرف المغلقة، تنحصر خيارات المنطقة بين ثلاثة سيناريوهات تحدد موازين القوى في المرحلة المقبلة:
السيناريو الأول: “التسوية الكبرى” (خارطة الطريق المستدامة)
يقوم هذا المسار على نجاح مقايضة “الأمن مقابل التنمية”؛ بحيث تلتزم طهران بضمان استقرار الملاحة في مضيق هرمز ووقف التصعيد الإقليمي، مقابل رفع أمريكي شامل ومنهجي للعقوبات الاقتصادية.
هذا السيناريو يمثل ذروة طموح إدارة ترامب لإغلاق ملف النزاعات المكلفة وتقديم “صفقة القرن” بنسخة إيرانية تضمن استقرار أسواق الطاقة العالمية.
السيناريو الثاني: “الجمود النشط” (المراوحة واستنزاف الوقت)
وهو الاحتمال القائم في حال غياب الضمانات المتبادلة. هنا تغرق المفاوضات في التفاصيل التقنية والقانونية المعقدة دون الوصول إلى اتفاق نهائي، مما يحول الهدنة الحالية إلى مجرد “استراحة محارب” تكتيكية.
في هذا الوضع، تظل الجاهزية العسكرية في ذروتها، ويبقى احتمال الانفجار قائماً عند أي احتكاك ميداني في لبنان أو الخليج.
السيناريو الثالث: “الاصطدام الاستراتيجي” (فشل المسار الدبلوماسي)
يتحقق هذا السيناريو إذا تيقنت طهران أن واشنطن تستخدم “الجزرة المالية” كغطاء لعملية “إعادة تذخير” واسعة لحلفائها، أو كمناورة لنزع سلاح المقاومة تدريجياً.
في هذه الحالة، ستكون العودة للميدان عبر “إغلاق ميكانيكي” لمضيق هرمز، وهو ما يتلاقى مع تصريحات تل أبيب حول استعدادها للخيار العسكري في حال أخفقت دبلوماسية إسلام آباد.
إن ما يجري في إسلام آباد ليس مجرد تفاوض على تفاصيل أمنية، بل هو صياغة لعقد إقليمي جديد. لقد أدركت واشنطن أن زمن “الإملاءات الأحادية” قد انتهى أمام فريق إيراني يمتلك أوراق ضغط حقيقية في الميدان والاقتصاد.
“إسلام آباد” اليوم هي الميزان؛ فإما سلام الند للند، أو انفجار يغير وجه المنطقة للأبد.





