محمد كامل خضري يكتب: كتاب الحياة
مسكين طفل المدينة فهو لايعرف عن حياة الكائنات سوى بعض الصور المدرسية وبعض الطيور التى عند الفرارجية.

فى البدء كانت الكلمة والكلمة تحتاج لإنسان يسمع وعقل يعى ووعى يفهم.
لذا كان الإنسان هو بلورة السكر التى حولها السكر الذائب فى الكون يترسب.
من لايهتم بالإنسان فهو يبنى خرائب لامعة وجيوش زائفة من العجين أو من الطين.
مسكين من لايفهم وهو فى جهله ينعم وهو لايعلم أنه سبب تعاسة الكون وسبب تأخره وسبب فنائه.
بعد هذه المقدمة
أنظر فى حال أحفادى فى أيامنا وأقول مسكين طفل المدينة تنقصه المعرفة الحقيقية للأشياء.
أول ماخلق الله آدم علمه الأسماء.
لكنه لم يُقرِأها له فى كتاب ولم يريه صورها فى صفحاته.
جعله يلمسها ويحس بها هكذا يكون التعلم بلا نسيان.
مسكين طفل المدينة فهو لايعرف عن حياة الكائنات سوى بعض الصور المدرسية وبعض الطيور التى عند الفرارجية.

أبن المدينة وحياة جامدة مسكين!
آخر معلوماته الميدانية هى التى عرفها من خلال زيارته النادرة وربما الوحيدة لجنينة الحيوانات والتى لايراها إلا برسم دخول !
بما أن الأصل فى الكون هو الإنسان وكل الكائنات تخدم عليه.
فإن إنسان الريف هو الأقرب للفطرة بعيدا عن مولات التسوق ومطاعم الوجبات الجاهزة وأفلام الفيديو فى النت ودور السينما والتى قد تكون هى المتعة والفسحة الوحيدة لإبن المدينة !
العيش فى الريف ولو لفترة ولو قصيرة هو إضافة مهمة لخبرات الإنسان ومعرفته.
أنت ستعرف معنى مياه الترع ومياه الآبار الإرتوازية ومياه الساقية وفهمنا منها معنى أن يمضى الإنسان فى الحياة كثور الساقية !
سمعنا أول لحن حزين وهى تدور وكأنها تنعى أيامنا الحالية
لو عاش طفلك فى الريف فلن يسألك عن ماهية الخنافس والديدان وسيميز البومة عن الهدهد وأبو قردان.
كنا فى الصعيد نطارد الفراش والجراد اللذان لا يكاد إبن المدينة يفرق بينهما وإذا سُئل عنهما داخله الشك فى أيهما تكون الأخرى !

حياة رآيناها تختلف عن المدينة
أمسكنا الضفادع بأيدينا وهى تحاول الفرار بالقفز بأرجلها الأربعة وجلودها اللزجة ورأينا العشرات من أبوزنيبة بعد فقسها وهى تملأ مراوى الماء.
طاردنا الثعابين والأبراص والسحالى وداعبنا الجحش وركبنا الحمار ورعينا المعيز والجديان والسخلان والخرفان والنعاج وكيف تقضى حاجتها فى الخلاء.
رأينا بأعيننا الدجاجات وهى تبيض والديوك وهى تعتلى البيوت وتُأذن.
طيور الريف وحياتها
البطة وهى ترقد على البيض لأسابيع والأفراخ وهى تنقر البيض لتُفقسه وتخرج بعدها الأم لتسبح فى المراوى بصحبة الأبناء.
تعلمهم العوم ولتعيد دورة نشاطها بعد أن إعتزلت الحياة لأيام طوال.
وأبهرتنا براعة الفلاحات فى حلب الجواميس والأبقار.
لامسنا الخيول بجمالها وكبريائها فى مرابض أعيان قرانا وفى إسطبلات الفرسان الهواة والمحترفين.
شاهدنا رقصاتها فى الأفراح وفى الموالد.
حياة الأسماء والمياة
إصطدنا الأسماك الصغيرة من الترع والتى تناست نصائح أمهاتها بألا يقربوا الأشياء اللامعة.
وهى نفس وصايا أمهاتنا للبنات !
وأصابتنا رفسات الحمير المفاجئة فتعلمنا الحذر منها ومن نطحات الخرفان المذهلة.
شهدنا خناقات الكلاب الدامية.
مشاكسات القطط والفئران.
خروج عجول البقر عن السيطرة ووداعة الجاموس المصرى.
قوة تحمل الحمير وتوجعنا من السقوط من فوقها.
إجبرتنا الجمال والنوق على حسن المعاملة لأن إنتقامها كان رهيبا.

حيوانات لا ترى في المدينة
أبهجتنا رشاقة القاعود وتنطيط الجحش الصغير.
بلبطة البط والوز فى قنوات الماء والدجاج الذى يكتفى بالتنقير على الشط .
أمة الأرانب التى لاهم لها سوى الإنجاب وإثارة الفوضى ولاتدرى أيهم الأم وأيهم الجدة ؟!
ومن إبن من ؟!
ومن أبو من ؟!
وحضرنا مولد العجل الصغير ومخاض النعجة وتشاغبنا من السخلات أبناء العنزة التى تشبهنا.
تشاركنا اللهو وهرشنا جلودنا من أثر لدغات البراغيت والسبان والقمل ودبور النحل.
وقاومنا البق والقُراد الذى يتغذى على دماء مواشينا .
جرينا وراء الفراشات الملونة.
إصطدنا الجراد وتأملنا عيونه البلورية ولم يسلم من تكسيرنا لمفاصل أرجله.

درس فى العلوم ليس يدركه إبن المدينة
ناهيك عن أنواع الزرع.
سنابل القمح وقرون الفول وأكواز الدرة الجانبية وتلك الدرة الرفيعة التى تحتل قمم العيدان ودرنات البطاطا والفول السودانى المدفون فى الأرض الرملية.
عيدان القصب والدرة وقرون السمسم واللوبيا وشجيرات الباذنجان والفلفل والبامية ونبات البصل والثوم والفجل.
لوزات القطن وعيدان القصب التى تظل فى الأرض لسنوات.
فى الريف رأينا كيف تنشأ الحياة من الأرض فتعلمنا أن الأرض هى أمنا وأن الأب هو الماء فى نيلنا.
الريف كتاب مفتوح مظلوم إبن المدينة الذى ليس له أصول ريفية فليس من قرأ كمن سمع وليس من رأى كمن قرأ وليس من قرأ كمن كتب !






