علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
محمد الروبي
محمد الروبي

كاتب صحفي

محمد الروبي يطرح السؤال الخطر : “الأبد هو الأن “… مصادفة أم استكمال طريق؟

نحن لا نتحدث عن اسم واحد تسلل إلى قائمة المدعوين، بل عن اختيارات متكررة تضع المؤسسة أمام مسؤولية توضيح معاييرها وموقفها من التطبيع الثقافي.

مشاركة:
حجم الخط:

دفعتني واقعة الفنان الفرنسي برنار فينيت، وحملة المقاطعة التي انتهت بإيقاف مشاركته في معرض “الأبد هو الآن” عند الأهرامات، إلى فتح ملف مؤسسة “آرت دي إيجيبت” وصاحبتها نادين عبد الغفار.

كان دافع بحثي هو الإجابة عن سؤال أخافني، هل كانت دعوة فينيت سقطة عابرة، أم حلقة جديدة في مسار تكشفه اختيارات المؤسسة السابقة؟

وهنا كانت المفاجأة ، بل قل الصدمة، برنار فينيت.. ليس الاسم الأول

وإليكم قائمة العار :

في أكتوبر 2023، شاركت النحاتة الأمريكية كارول فيويرمان في “الأبد هو الآن”.

النحاتة الأمريكية كارول فيوبرمان
النحاتة الأمريكية كارول فيوبرمان

ووفق تحقيق نشره موقع “زاوية ثالثة” في أكتوبر 2026، كانت فيويرمان قد شاركت في معرض بـ(إسرائيل) امتد من 21 سبتمبر إلى 27 أكتوبر 2023،

كما أعادت نشر محتوى صادر عن الحساب الرسمي للجيش (الإسرائيلي) على منصة لينكد إن في ديسمبر من العام نفسه،

مصحوبًا بعبارة “اعرف الحقيقة”. وأشار التحقيق كذلك إلى تمثيلها من خلال معرض “زيمك” في تل أبيب.

هذه ليست مجرد علاقة مهنية بـ(إسرائيل) فإعادة نشر محتوى صادر عن جيشها، في سياق الحرب على غزة، واقعة لها دلالتها السياسية التي لا يمكن تجاهلها.

ومن حقنا أن نسأل: هل كانت هذه المعلومات معروفة للمؤسسة قبل توجيه الدعوة؟

وما المعايير التي تحكم اختيار الفنانين المشاركين؟

وفي عام 2022، استضافت نادين عبد الغفار صانعة المحتوى (الإسرائيلية) شيلا بارون، ورافقتها في جولات شملت منطقة الأهرامات ووسط القاهرة.

نادين عبد الغفار بصحبة صانعة المحتوي الإسرائيلية في كشري أبو طارق
نادين عبد الغفار بصحبة صانعة المحتوي الإسرائيلية في كشري أبو طارق

وقد تناول التحقيق الصحفي هذه الاستضافة ضمن سياق أوسع للعلاقات والاختيارات المرتبطة بفعاليات المؤسسة.

قد تبدو كل واقعة منفردة قابلة للتفسير أو التبرير، لكن جمع الوقائع والنظر إليها في سياق واحد يغيّر طبيعة السؤال.

فنحن لا نتحدث عن اسم واحد تسلل إلى قائمة المدعوين، بل عن اختيارات متكررة تضع المؤسسة أمام مسؤولية توضيح معاييرها وموقفها من التطبيع الثقافي.

“آرت دي إيجيبت” ليست استثناءً

أما المؤسف حقا فهو أن الأمر لم يكن خاصًا بهذه المؤسسة وحدها.

وأذكركم بأزمات مماثلة شهدتها مهرجانات سينمائية مصرية، وتكررت فيها الأسئلة نفسها.

ففي عام 2018، أثارت دعوة المخرج الفرنسي كلود ليلوش لتكريمه في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي احتجاجات بسبب زياراته السابقة لـ(إسرائيل) وتكريمه فيها.

كلود ليلوش في حفل منحة الدكتوراة الفخرية بجامعةإسرائيلية
كلود ليلوش في حفل منحة الدكتوراة الفخرية بجامعةإسرائيلية

وكان محمد حفظي، رئيس المهرجان آنذاك، قد أقر بأن الإدارة لم تفحص عدد زيارات ليلوش لـ(إسرائيل ) أو ما إذا كان قد كُرّم هناك. وانتهت الأزمة باتفاق على عدم حضوره وإلغاء التكريم.

ثم جاءت أزمة مهرجان الجونة السينمائي عام 2020، حين واجه قرار تكريم الممثل الفرنسي جيرار دي بارديو حملة احتجاج واسعة،

ووقّع نحو ثلاثمائة سينمائي ومثقف وشخصية عامة بيانًا يرفض تكريمه بسبب مواقفه وصلاته بـ(إسرائيل)

جيرار دي باريو أثناء زيارته حائط المبكى
جيرار دي باريو أثناء زيارته حائط المبكى

التكرار يكشف الطريق

حين تتكرر هذه الاختيارات في مؤسسات ثقافية مختلفة، وعلى امتداد سنوات،

لا يعود من المقبول التعامل مع كل أزمة بوصفها خطأً منفصلًا. فالتكرار يكشف عن خلل في المعايير،

أو عن تصور للثقافة يفصلها عن مسؤوليتها السياسية والأخلاقية، حتى عندما تكون القضية المطروحة من صميم وجدان المجتمع المصري.

أما أخطر لاحتمالات وأقربها للعقل فهو أن يكون الأمر مخططا بدقة وموزعاً على مؤسسات ثقافية لإشاعة الـ( قبول ) لذلك الذي يصفه المبررون بـ” الأخر ” أو ” دولة نرى أنها تناصبنا العداء”.

وهنا لا يكفي أن تنتهي الأزمة باستبعاد فنان، ثم تعود الأمور إلى سابق عهدها.

المطلوب مراجعة سياسة الدعوات نفسها، والإعلان عن معايير واضحة لاختيار المشاركين،

والتعامل بجدية مع المواقف والصلات التي تجعل المشاركة موضع اعتراض مشروع.

المطلوب بوضوح وببساطة أن توضع هذه المؤسسات تحت المجهر ( شعبيا ورسميا ) .

فالثقافة ليست منطقة محايدة خارج التاريخ، والفن ليس حصانة أخلاقية تمنح صاحبها حق تجاوز كل شيء.

وحين يتعلق الأمر بـ(إسرائيل) فإن الفصل بين العمل الفني ومواقف صاحبه لا يمكن أن يكون قاعدة مطلقة،

خصوصًا عندما تتحول العلاقات والمواقف إلى دعم معلن لمؤسسات (إسرائيلية) أو لجيش يشن حربًا على أشقائنا في فلسطين.

المطلوب وعلى وجه السرعة مراجعة ” أرت دي ايجيبت ” وفحص سجلاتها وتعاملاتها وكذلك تمويلاتها، فالأمر بات خطرا للغاية وعلىينا – حكومة وشعبا – أن نسارع وإلا “رعب أكثر من هذا سوف يجيء”

فالمشكلة ليست في اسم استُبعد بعد الاحتجاج، بل في اختيارات جعلت استبعاده ضروريًا.

وحين يتكرر المشهد، يصبح من واجبنا أن نقرأ ما وراء الأسماء، لا بحثًا عن تفسير لكل سقطة على حدة، بل مساءلةً للطريق الذي تقود إليه هذه الاختيارات.

شارك المقال:

شاركنا برأيك