مقالات

ماذا تبقى من الربيع العربي بعد مرور 15 عاما؟

لقد وهب الربيع العربي شعوب المنطقة تجربة عملية لممارسة الحرية لبعض الوقت بعد حرمان طويل، والأهم أنه وهبهم فهما مختلفا لقدرتهم على التغيير إذا امتلكوا الإرادة لذلك كما قال الشاعر التونسي (إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر…ولابد لليل أن ينجلي ولابد للقيد أن ينكسر

مشاركة:
حجم الخط:

خمسة عشر عاما مرت حتى الآن على الربيع العربي، في موجته الأولى التي انطلقت في الربع الأول من العام ٢٠١١، في الحادي عشر من شهر فبراير 2011 كانت الثورة المصرية تحصد ثمرتها الأولى بإسقاط حكم الرئيس حسني مبارك، وفي اليوم ذاته اندلعت شرارة الثورة اليمنية، وبعدها بأسبوع اندلعت شرارة الثورة الليبية، لتندلع بعدها في شهر مارس الثورة السورية.. ومع مرور هذا الزمن يطرح الكثيرون سؤالاً عما تبقى من الربيع العربي؟

لعل اغتيال سيف الإسلام نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي قبل أيام، والذي يعني قتل آخر أمل للحكم السابق في العودة هو أحدث تداعيات ذلك الربيع العربي، فحالة الفوضى التي شهدتها ليبيا عقب ثورة السابع عشر من فبراير ٢٠١١ لا تزال ملتهبة، ولا تزال حروب تصفية الحسابات بين القوى السياسية والمجتمعية مستمرة، لقد خرجت ليبيا من جهنم القذافي لكنها لم تدخل جنة الديمقراطية حتى الآن، رغم أن الثورة فتحت أبوابها، ورغم التضحيات التي قدمها الليبيون.

********

بخلاف الحالة الليبية التي لا تزال تفاعلات ثورتها قائمة كما ذكرنا، فإن نظرة على أحوال بقية  الدول العربية التي شهدت الموجة الأولى للربيع وهي تونس ومصر واليمن وسوريا تكشف نتائج متنوعة، فتونس جنت ثمرة الثورة عشر سنوات من الحكم الديمقراطي التنافسي، لكن قوى الثورة المضادة داخل تونس ومن خارجها أطاحت بتلك المكتسبات في انقلاب الرئيس قيس سعيد في ٢٥ يوليو ٢٠٢١، وهو الانقلاب الذي فتح الباب لأكبر عملية انتقام سياسي شملت كل رموز الثورة من مختلف التيارات السياسية، لكن ذلك لا يعني أن روح الثورة قد ماتت فلا تزال احتجاجات التوانسة مستمرة طلبا للحرية والديمقراطية، ولا يكاد يمر أسبوع دون حراك لهذا الغرض.

وفي مصر وهي المحطة الثانية لكنها الأكبر للربيع العربي، وعلى الرغم أن الانقلاب العسكري في ٢٠١٣ أجهض الثورة بعد عامين ونصف العام فقط، وأسقط أول رئيس مدني خلّف حكما عسكريا استمرّ ستين عاما قبله، وعاد ليحكم ثلاثة عشر عاما بعده حتى الآن، إلا أن روح الثورة لا تزال حاضرة، وهذا ما يدفع السلطة الحاكمة لتكثيف جهودها لمحو ذكرى تلك الثورة، وتشويهها في الوعي العام عبر ضخ إعلامي ودرامي وثقافي وتشريعي بخلاف الردع الأمني، وينشط أطفال الثورة(جيل z) الذين ولدوا مطلع الألفية الحالية في بث روح جديدة للمطالبة بالحرية والديمقراطية وتحسين الأوضاع المعيشية وهي نفس مطالب ثورة يناير ٢٠١١.

*********

في اليمن شهد العام الخامس عشر للثورة تحولا مهما، فبعد سيطرة الحوثيين على العاصمة والعديد من المحافظات اليمنية، وبعد محاولة فصل الجنوب تمكنت الحكومة الشرعية وعبر دعم سعودي من فرض سيادتها على الجنوب وأجزاء أخرى من الشمال وتستعد لبسط سيادتها على ما تبقى من أرض اليمن سلما أو حربا، لكن ذلك لا يعني الانتقال مباشرة إلى حكم ديمقراطي مدني حديث كما طالب اليمنيون قبل ١٥ عاما في ميادين الثورة، ولكن المهم كخطوة أولى هو استعادة وحدة البلاد تحت حكم واحد، لتبدأ بعده مسيرة النضال من أجل الديمقراطية والحرية.

أما سوريا التي كانت آخر وأطول ثورات الموجة الأولى فقد تمكنت أخيرا من الخلاص من حكم الأسد بعد تضحيات كبيرة تمثلت في أكثر من نصف مليون شهيد، و١٢ مليون مهجر داخل الدولة وخارجها، وقد عاد الكثيرون منهم إلى وطنهم، بينما يستعد الباقون للعودة قريبا، كما نجحت السلطة الجديدة حتى الآن في مواجهة فتنة قسد شمال شرق سوريا، والعلويين في الساحل، وفي انتظار حل مشكلة الدروز في الجنوب، والأهم أن انتصار الثورة السورية أعاد الأمل لمن فقدوه في دول أخرى.

*********

لم تقتصر الموجة الأولى للربيع العربي على تلك الدول الخمس بل شملت بدرجات أقل، وبأشكال مختلفة العديد من دول المنطقة بدءا من البحرين شرقا وحتى المغرب غربا مرورا بالأردن والإمارات، وقد سارعت بعض الحكومات بإجراء إصلاحات سياسية جزئية كما حدث في الأردن والمغرب، كما شهدت عدة دول موجة ثانية بعد سبع سنوات تركزت في السودان والجزائر ولبنان والعراق.

لم تكن انتفاضات الشعوب العربية وليدة مؤامرات خارجية كما يدعي أعداؤها، ولم تكن محض أعمال فوضوية، لم تندلع تلك الانتفاضات من فراغ بل من تراكم المظالم والفساد والاستبداد إلى درجة لم تعد الشعوب تتحملها، وساعدت ثورة الاتصالات قوى التغيير على تنظيم نفسها، ومخاطبة الشعوب بعيدا عن الإعلام الرسمي الذي تهيمن عليه الحكومات وأجهزتها الأمنية، لكن تحركات وانتفاضات الشعوب لم يكن بوسعها مواجهة القوى المسلحة للأنظمة التي تمكنت من وأد تلك الانتفاضات تباعا، وقد ساعدها على ذلك فشل قوى التغيير الديمقراطي في تقديم نماذج حكم بديلة وقادرة على ترجمة مطالب تلك الشعوب، بل إن هذه القوى تسابقت على جني المكاسب الشخصية، وفشلت في بناء تحالفات قادرة على تمكين الشعب ومواجهة قوى الثورات المضادة .

********

تأخرت المنطقة العربية في الانتقال الديمقراطي، وقد سبقتها على هذا الطريق مناطق عديدة في العالم، في أوروبا الشرقية منذ أواخر ثمانيات القرن الماضي، وكذا دول أمريكا اللاتينية، وحتى العديد من الدول الأفريقية، لقد استعصت المنطقة العربية على الديمقراطية كثيرا حتى عزا البعض ذلك لثقافة المنطقة التي لم تنضج بعد للتحول الديمقراطي كما عبر عن ذلك بعض الحكام العرب، وبعض النخب المستظلة بمظلة الاستبداد، والحقيقة أن الشعوب العربية مثل غيرها من الشعوب تواقة للحرية، والكرامة، مدفوعة بفطرتها الانسانية، ومدعومة بتراثها الديني الذي يعظم الحرية والكرامة، ويمقت ويحارب الفساد والاستبداد والعبودية، لكن القمع الشديد الذي مارسته الأنظمة الحاكمة سواء بشكلها الوراثي أو العسكري هو الذي قمع أحلام الشعوب، وأرعبها من الضريبة الباهظة التي ستدفعها في مواجهة تلك النظم.

مرور خمسة عشر عاما على اندلاع انتفاضات الربيع العربي ليس دليلا على موتها، بدليل أن تلك السنوات شهدت تحركات في مناطق مختلفة سواء في دول الموجة الأولى أو الثانية، كما أن الثورة السورية التي كانت الأكثر ضراوة وتضحية انتصرت في نهاية المطاف، وطالما أن مسببات الغضب (السياسية والاقتصادية والأمنية) لا تزال قائمة فلا أحد يستطيع التنبؤ بطرق ترجمة ذلك الغضب، ولا بتوقيت انفجاره.

لقد وهب الربيع العربي شعوب المنطقة تجربة عملية لممارسة الحرية لبعض الوقت بعد حرمان طويل، والأهم أنه وهبهم فهما مختلفا لقدرتهم على التغيير إذا امتلكوا الإرادة لذلك كما قال الشاعر التونسي (إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر…ولابد لليل أن ينجلي ولابد للقيد أن ينكسر

شارك المقال: