مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

ليبيا 2007 رفاهية لم نعرف قيمتها

كانت البلاد غنية بخيراتها، وغنية أكثر بإحساس الناس بالأمان.. والدولة - بكل ملاحظاتها - تؤدي وظيفتها الأساسية: حفظ الاستقرار

مشاركة:
حجم الخط:

حين أستعيد اليوم أسبوعين عشتهما في بنغازي وطرابلس مرورًا بسرت، ومصراتة، والخمس، وزوارة، كان البحر جزءًا من الذاكرة اليومية، لا خلفية بعيدة.. بحرٌ مفتوح، نظيف، كريم، يشبه البلاد نفسها قبل أن تُثقَل بالانقسامات، لا أفعل ذلك بدافع الحنين الساذج، بل بشيء يشبه الأسى الناضج؛ أسى من أدرك متأخرًا أن ما كنا نراه عاديًا كان، في حقيقته، نعمةً كاملة لم نعرف كيف نحافظ عليها.
كانت الحياة في ليبيا آنذاك مستقرة، هادئة، بلا خوف يومي .. المدن مفتوحة، الطرق آمنة، الإيقاع بطيء لكنه مطمئن، المقاهي بسيطة، الشوارع غير متوترة، والناس يتحركون بلا استعجال ولا ريبة.
لم تكن الحياة فارهة بمعايير البذخ، لكنها كانت مستقرة، كريمة، بلا قلق وجودي. ما يلفت النظر اليوم، عند استعادة تلك المرحلة، هو أن ليبيا لم تكن تعاني من الفقر كما يُصوَّر لاحقًا.
كانت البلاد غنية بخيراتها، وغنية أكثر بإحساس الناس بالأمان.. والدولة – بكل ملاحظاتها – تؤدي وظيفتها الأساسية: حفظ الاستقرار
لم تكن هناك فوضى السلاح، ولا أصوات الرصاص، ولا سؤال الهوية والشرعية يطارد الناس في تفاصيل يومهم.
في بنغازي، كما في طرابلس، كان واضحًا أن الدولة – بكل ما يمكن أن يُقال عنها – حاضرة.
الخدمات قائمة، الحركة طبيعية، والناس يعيشون حياة عادية بلا قلق وجودي.
لم يكن المواطن الليبي يفكر في الغد بوصفه تهديدًا، بل امتدادًا طبيعيًا لليوم.
ما شدّ انتباهي آنذاك، وأنا أشارك في ملف إنساني شديد الحساسية، هو الحضور اللافت للمرأة الليبية في الفضاء العام ..لم تكن المرأة غائبة، ولا هامشية، ولا صامتة.
رأيتها: في اللجان الشعبية – في المنتديات الفكرية والنقاشات العامة – في مواقع القرار المحلي
– وفي النقاش حول قضايا المجتمع والسياسة والثقافة
في تلك الأيام، لم يكن النقاش حول دور المرأة سؤالًا إشكاليًا، بل حقيقة قائمة.
وكان ذلك، في حد ذاته، مؤشرًا على مجتمع يعيش درجة من التوازن والطمأنينة.
اليوم، حين أقارن تلك الصورة بما آلت إليه ليبيا بعد سنوات الانقسام والاقتتال، أشعر بحسرة عميقة.
ليس لأن الماضي كان مثاليًا – لم يكن كذلك – بل لأن الانهيار كان شاملًا إلى درجة ابتلع معها كل ما كان صالحًا للحياة.
من رفاهية العيش، إلى قلق البقاء.
من مدن آمنة، إلى مدن تحصي خسائرها كل صباح.
من مشاركة نسوية فاعلة، إلى تراجع قاسٍ فرضته الفوضى والسلاح والخوف.
ليبيا 2007 لم تكن جنة، لكنها كانت وطنًا يمكن العيش فيه .. وهذا، وحده، فارق هائل.
إن الحسرة اليوم لا تأتي من مقارنة نظام بنظام، بل من مقارنة حياة بحياة.
من مقارنة بلدٍ كان الناس فيه يختلفون بلا سلاح، إلى بلدٍ صار السلاح فيه هو اللغة اليومية.
هذا المقال ليس دفاعًا عن ماضٍ، ولا إدانة لحاضر فقط،
بل شهادة على ما خسرته ليبيا، حين استُبدلت الدولة بالفوضى، والاستقرار بالانقسام، والحياة الطبيعية بصوت طلقات النار.

شارك المقال: