مقالات
حسن مدبولي
حسن مدبولي

كاتب وباحث مصري

عبقرية المصريون

يخرجون بحكمٍ بسيط جدًا يعتمد على معرفة من الذي يقف غالبًا في الجبهة الخطأ، ومن الذى يتماهى دوما مع مخططات الأعداء ؟ ولهذا السبب وحده يعود السبب الى وجود تعاطف شعبي في مصر مع إيران،وعدم التفاتهم للاتهامات وحملات الشيطنة ضدها،

مشاركة:
حجم الخط:

المفسرون لتعاطف المصريين مع إيران 

كلما عبّر المصريون عن موقفٍ ما تجاه الصراعات السياسية الاقليمية، خاصة تلك المتعلقة بمنطقة الخليج ، يخرج علينا بعض الوعّاظ السياسيين وحملة المباخر، ومعهم المرتزقة بالطبع، ليشرحوا لنا بثقة يحسدون عليها أن المصريين شعب عاطفي لا يعى ماحوله.

وأن تلك المشاعر السياسية ليست سوى انفعال لحظي، أو عقد نفسية، أو حقدٍ دفين على ثروات الخليج، أو حسد وشعورٍ مرضى بالنقص ممن لم يجدوا عقدا للعمل هناك ،
وفي النسخة الأحدث من هذا التفسير العبقري، قيل لنا إن تعاطف بعض المصريين مع إيران في صراعها الأخير مع الولايات المتحدة وإسرائيل لا علاقة له بالسياسة أصلًا، بل هو تعاطف مذهبي قديم تعود جذوره إلى الدولة الفاطمية.

وربما إلى النسب و المصاهرة التاريخية بين حكام مصر وإيران، ولا نستبعد أن يستفحل الأمر و تصل جذور العقدة إلى عهد قمبيز نفسه.

لكن فى الحقيقة فالواقع أقل إثارة بكثير من كل هذا الهراء،

فالمصريون لا يتحركون بدافع التشيع، ولا بدافع الغيرة من أحد، ولا بدافع الكراهية لأحد، المسألة أبسط من ذلك.

فهم فقط يدققون النظر إلى سجلٍ طويل من الوقائع حولهم، ثم يخرجون بحكمٍ بسيط جدًا يعتمد على معرفة من الذي يقف غالبًا في الجبهة الخطأ، ومن الذى يتماهى دوما مع مخططات الأعداء ؟
ولهذا السبب وحده يعود السبب الى وجود تعاطف شعبي في مصر مع إيران،وعدم التفاتهم للاتهامات وحملات الشيطنة ضدها،
ولكى نفهم الدوافع الحقيقية وراء هذه الظاهرة لا نحتاج إلى نظريات معقدة،ولا لتقعير وارتجاج عقلى، بل يكفي أن نراجع بهدوء بعض المحطات الكبرى في تاريخ المنطقة خلال العقود الأربعة الأخيرة. 

توقعوا علاقات أقوى بعد الثورة الإيرانية 

بعد انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، توقع كثيرون أن تنشأ علاقة طبيعية بين العرب وإيران بعد سقوط نظام الشاه، أحد أقرب حلفاء واشنطن وتل أبيب في المنطقة. لكن الذي حدث كان العكس تمامًا.

ففي العام التالي مباشرة اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، تحت شعار حماية “البوابة الشرقية” للعالم العربي ومنع “تصدير الثورة”.
وسرعان ما تحولت عدة دول خليجية إلى الممول المالي الأكبر لقادسية صدام.

 تدفقت مليارات الدولارات الخليجية لدعم المجهود الحربي العراقي، وقدمت تسهيلات لوجستية واقتصادية واسعة، مما ساهم فى استمرار الحرب لثماني سنوات كاملة.

تركة حرب إيران والعراق ثقيلة 

حيث انتهت الحرب عام 1988 دون منتصر حقيقي، لكنها خلفت ورائها نحو مليونى قتيل من البلدين المسلمين، واقتصادات منهارة،ومدن مدمرة، وديونًا عراقية هائلة لدول الخليج نفسها.

وكانت هذه الديون أحد أكبر عوامل التوتر التي سبقت غزو العراق للكويت عام 1990، والذى اضطرت معه تلك الدول الى الاستعانة بالامريكى والاوروبى بحجة تحرير الكويت، وسقوط الآلاف من الضحايا الجدد فى العراق، واحتلال المنطقة.

تكررت مـأساة الكويت في العراق

لأن الدروس في منطقتنا لا تُقرأ غالبًا، جاءت المحطة التالية بعد خمسة عشر عامًا فقط، ففي عام 2003 قادت الولايات المتحدة تحالفًا عسكريًا لغزو العراق بذريعة امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، وهي الذريعة التي تبين لاحقًا أنها لم تكن موجودة أصلًا.

في هذا “الغزو الصليبى” ( وفقا لوصف جورج بوش نفسه) لعبت عدة دول خليجية دورًا لوجستيًا مهمًا، فتحولت الكويت إلى منصة الانطلاق الرئيسية للقوات الأمريكية، واستضافت قطر مركز القيادة العسكرية في قاعدة العديد، بينما استضافت مملكة البحرين الأسطول الخامس الأمريكي ليلقى الورود على بغداد !؟
سقطت بغداد بسرعة، وانهارت معها الدولة العراقية نفسها، فتفكك الجيش، وانهارت مؤسسات الدولة، واندلعت صراعات طائفية طويلة ما زالت آثارها مستمرة حتى اليوم.

الأزمة السورية 

ثم جاءت الأزمة السورية،عندما بدأت الاحتجاجات عام 2011 كحركة شعبية سلمية تطالب بالإصلاح السياسي، لكنها تحولت تدريجيًا إلى صراع مسلح ابتداءً من عام 2012. بعد دخول قوى إقليمية عدة على خط الصراع، ومن بينها بعض الدول الخليجية التي دعمت فصائل متناقضة من المعارضة بحجة مساعدة السوريين.
لكن تعدد مصادر التمويل وتضارب الأجندات أدى إلى انقسام الفصائل وتفككها، فتدخلت قوى دولية كبرى مثل أمريكا وفرنسا وروسيا وإيران وتركيا نتيجة تضارب الأهداف، وتطرف الفصائل المسلحة، ومع مرور الوقت تحولت سوريا إلى ساحة حرب دولية معقدة، وواحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.

الحرب على غزة 

عندما اندلعت الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر 2023، ظهر التناقض بصورة أوضح، فالذين ساعدوا الفصائل السورية بالسلاح والمال بحجة مقاومتهم لبشار، تجاهلوا غزة تماما، وفي الوقت الذي كان فيه الشارع العربي يتابع المجازر اليومية بقلق وغضب، انصرف الخليجيون عن الأمر ، بل و بدا الخطاب الإعلامي في بعض المنابر الخليجية أكثر انشغالًا بانتقاد المقاومة الفلسطينية وتحميلها مسؤولية الحرب والابادة.

مهرجانات ترفهية على إيقاع القتل اليومي 

في الوقت نفسه استمرت المهرجانات والفعاليات الترفيهية الصاخبة دون تغيير يُذكر، وكأن المنطقة لا تشهد واحدة من أعنف الحروب في تاريخها الحديث. المشكلة هنا ليست في الترفيه نفسه، بل في التناقض الصارخ بين مشهد المسرح المضاءة أنواره ومشهد الركام في غزة.

استخدموا القواعد لضرب إيران 

أما في التصعيد الأخير مع إيران أواخر فبراير 2026، فقد ظهرت مفارقة أخرى لا تقل غرابة.

فهناك قواعد عسكرية أمريكية رئيسية في عدة دول خليجية، مثل قاعدة العديد في قطر وقاعدة الجفير في البحرين وقواعد أخرى في الكويت.

هذه القواعد تُستخدم في العمليات العسكرية الأمريكية العدائية في المنطقة،وليس من مهامها الفعلية حماية العرب والمسلمين، وعندما انطلقت منها الاعتداءات ضد ايران وقادتها الروحيين واطفالها وبناتها الصغار.
ردت إيران بضرب تلك القواعد وغيرها من المصالح الأمريكية ، فقامت قيامة الدنيا ، حيث اعتبر ذلك الرد الطبيعى اعتداءًا على سيادة الدول المضيفة للأمريكان.
وبعبارة أبسط قليلًا: القاعدة الأمريكية حين تضرب جيرانك ليست مشكلة، أما إذا رد الجيران على القاعدة نفسها فهذه مشكلة سيادية كبرى.
لهذا السبب تحديدًا لا يندهش المصريون كثيرًا.

فعندما يجمعون هذه الوقائع معًا يظهر أمامهم نمط سياسي واضح: تحالف أمني وثيق مع الولايات المتحدة يقابله انخراط متكرر ــ مباشر أو غير مباشر ــ في صراعات تنتهي غالبًا بنتائج عكسية على استقرار المنطقة.
لذلك حين يتخذ المصريون موقفًا متشككًا من هذه السياسات، لا يكون الأمر انفعالًا عاطفيًا ولا انحيازًا مذهبيًا كما يقال. إنه ببساطة حكم سياسي تشكل عبر تجربة طويلة

شارك المقال: