مقالات
د. عبود مصطفى عبود
د. عبود مصطفى عبود

الباحث والروائي والناشر

سادة التلاوة (7)

الكوفة في عصره كانت قد صارت مصرًا علميًّا كبيرًا، اجتمع فيها أثر عبد الله بن مسعود في الفقه والقراءة، وأثر علي رضي الله عنه في القضاء والعلم، فكان أبو عبد الرحمن السلمي في قلب هذا المشهد العلمي

مشاركة:
حجم الخط:

أبو عبد الرحمن السلمي رضي الله عنه

بعد الحديث عن الصحابة الذين ثبتت لهم المرجعية في التلقي، أو كان لهم دورٌ تأسيسيٌّ في جمع القرآن وضبطه، ننتقل إلى شخصيةٍ تمثل مرحلة الانتقال الكبرى من جيل الصحابة إلى جيل التابعين، حيث تبدأ معالم “المدارس الإقرائية” في الأمصار بالتشكل، دون أن نُسقط عليها الاصطلاحات المتأخرة. تلكم هي شخصية الإمام التابعي الجليل أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله.

هو عبد الله بن حبيب السلمي الكوفي، من كبار التابعين، أدرك جماعة من الصحابة، وأخذ عنهم القرآن. وقد ثبت أنه قرأ على عبد الله بن مسعود، وعلى علي بن أبي طالب، وروي أخذه عن عثمان بن عفان، وكل ذلك مذكور في كتب التراجم والقراءات بأسانيد معروفة عند أهل هذا الفن. وهذه التعددية في الأخذ تضعه في موقعٍ مركزي في نقل القراءة إلى أهل الكوفة.

وأبرز ما يميز سيرته ما ثبت عنه من ملازمة الإقراء في مسجد الكوفة زمنًا طويلًا. فقد ذكر أهل التراجم أنه جلس يُقرئ الناس القرآن في مسجد الكوفة مدةً تقارب الأربعين سنة. وهذه المعلومة — وإن اختلفت العبارات في تحديد المدة — تدل على استقرار وظيفة الإقراء بوصفها عملًا علميًّا دائمًا، لا نشاطًا عارضًا.

وليس المقصود بجلوسه للإقراء أنه أسس “مذهبًا” بالمعنى الاصطلاحي الذي استقر في القرون اللاحقة، وإنما المقصود أنه كان حلقةً ثابتةً في سلسلة التلقي، تلقى عن الصحابة، وأقرأ التابعين ومن بعدهم. ومن أشهر من أخذ عنه القراءة في الكوفة عاصم بن أبي النجود، الذي ستُنسَب إليه لاحقًا إحدى القراءات المتواترة المشهورة. وبهذا يظهر أثر السلمي في البنية التاريخية للقراءة، لا بوصفه إمام قراءة مدونة باسمه، بل بوصفه واسطة نقلٍ رئيسة بين طبقتين.

 كان السلمي معروفا بالضبط والورع حتى إن أهل الجرح والتعديل وثّقوه، واحتج به أصحاب الكتب الستة في الحديث. وهذه العدالة والضبط عنصران أساسيان في قبول القراءة كما هما في قبول الحديث؛ إذ القراءة نقلٌ وأداء، لا اجتهاد رأي.

وتجدر الإشارة إلى أن الكوفة في عصره كانت قد صارت مصرًا علميًّا كبيرًا، اجتمع فيها أثر عبد الله بن مسعود في الفقه والقراءة، وأثر علي رضي الله عنه في القضاء والعلم، فكان أبو عبد الرحمن السلمي في قلب هذا المشهد العلمي، ناقلًا أمينًا لما تلقاه، ومثبتًا له بالتعليم المستمر.

وخلاصة القول: إن أبا عبد الرحمن السلمي يمثل مرحلة التحول من جيل الصحابة إلى جيل التابعين في تاريخ التلاوة. لم يكن صاحب مصحف مستقل، ولا قراءة مدونة باسمه في الاصطلاح المتأخر، لكنه كان حلقةً مركزية في سلسلة الإسناد، وركنًا من أركان المدرسة الكوفية في طورها المبكر. ومن خلاله انتقل ضبط الصحابة وأداؤهم إلى الجيل الذي ستتبلور فيه لاحقًا القراءات المتواترة تدوينًا واصطلاحًا.

رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن كتاب الله وأهله خير الجزاء.

شارك المقال: