زلزال هرمز (19) الخليج في خطر داهم؟
لا توجد مؤشرات علنية موثقة على أن اجتياحًا بريًا واسعًا لجزيرة خارج قد بدأ أو أصبح قرارًا نهائيًا، لكن الثابت أن فكرة السيطرة عليها أو شلها تحولت من مجرد سيناريو نظري إلى موضوع نقاش جدي في واشنطن وتل أبيب.

ماذا يجري الآن في هرمز وخارج؟
هل اقتربت الحرب من عتبة لا عودة منها؟
في هذه اللحظة لا تبدو الحرب الدائرة على إيران مجرد جولة عسكرية أخرى في الشرق الأوسط، بل تبدو أقرب إلى عملية تفكيك متبادل للبنية التي حافظت، ولو بحدها الأدنى، على استقرار الخليج لعقود.
فمضيق هرمز لم يعد مجرد ممر ملاحي مضطرب، وخارج لم تعد مجرد جزيرة نفطية إيرانية تحت القصف، والرأي العام الدولي لم يعد ينظر إلى ما يجري بوصفه صراعًا محدودًا يمكن احتواؤه دبلوماسيًا في غضون أيام، لأن إشارات الساعات الأخيرة تقول إن المواجهة تنتقل من منطق الضربات المتبادلة إلى منطق قطع الشرايين: شرايين الطاقة، وشرايين الردع، وشرايين الثقة بين إيران وجيرانها الخليجيين، في لحظة تتداخل فيها الصواريخ مع رسائل وزراء الخارجية، والدبلوماسية المكوكية مع حسابات الاجتياح، ومخاوف الأسواق مع احتمالات الحرب البرية.
أولًا: ماذا يجري في خليج هرمز الآن؟
المؤكد أن هرمز بات عمليًا في حالة اختناق مستمر، حتى لو لم يُعلن إغلاقه قانونيًا بصيغة واحدة ونهائية.
فالتقارير الأخيرة تشير إلى أن الحرب عطّلت جانبًا مهمًا من حركة الطاقة والملاحة، ودفعت أسعار النفط إلى قرابة 119 دولارًا في الذروة.
كما أدت إلى هجمات على مرافق طاقة وشحن في أكثر من دولة خليجية، وإلى نقاشات دولية عاجلة حول أمن الملاحة وحرية المرور.
وفي موازاة ذلك، كثفت الولايات المتحدة وجودها العسكري لحماية الممر، من خلال عمليات أمريكية أوسع ضد الزوارق والألغام والقدرات الإيرانية المرتبطة بتهديد الملاحة.
هذا يعني أن هرمز لم يعد مجرد “ورقة ضغط إيرانية”، بل أصبح ساحة قتال مفتوحة بين من يريد إبقاء الممر عاملًا ومن يريد استخدامه كسلاح ردع.
والأهم أن قطر نفسها، التي كانت تاريخيًا من أكثر العواصم حرصًا على إبقاء قنواتها مع طهران مفتوحة، حذرت من أن المخاوف لم تعد محصورة في ضربات متفرقة، بل في انهيار نمط العمل الطبيعي لمنظومة التصدير الخليجية كله , وإن العودة إلى الدورة الطبيعية ستحتاج “أسابيع إلى شهور” حتى لو توقفت الحرب فورًا.
ثانيًا: هل اقترب الاجتياح البري لجزيرة خارج؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات علنية موثقة على أن اجتياحًا بريًا واسعًا لجزيرة خارج قد بدأ أو أصبح قرارًا نهائيًا، لكن الثابت أن فكرة السيطرة عليها أو شلها تحولت من مجرد سيناريو نظري إلى موضوع نقاش جدي في واشنطن وتل أبيب.
فـAxios كشفت أن الإدارة الأمريكية ناقشت ضمن خياراتها احتمال الاستيلاء على خارج، بالتوازي مع نقاشات حول عمليات خاصة مرتبطة بالملف النووي الإيراني، بينما نقلت رويترز عبر تحليل JP Morgan أن أي استيلاء مباشر على الجزيرة سيوقف صادرات إيران النفطية فورًا تقريبًا، وقد يهبط بالإنتاج الإيراني إلى النصف، لأنه يمر عبرها نحو 90% من الخام الإيراني المصدر.
هذا لا يعني أن الإنزال وشيك، لكنه يعني أن الجزيرة دخلت رسميًا في بنك الخيارات الاستراتيجية، لا في بنك الأهداف الجوية فقط.
لكن ما يجب الانتباه إليه هو أن انتقال الحرب من الغارات على خارج إلى الاستيلاء عليها ليس تفصيلًا تكتيكيًا، بل قفزة هائلة في مستوى المجازفة. فحتى JP Morgan حذرت من أن ضربة مباشرة أو سيطرة على الجزيرة ستؤدي على الأرجح إلى رد إيراني أشد على بنية الطاقة الإقليمية وعلى الملاحة في هرمز، لأن خارج ليست منشأة نفطية عادية، بل مركز تجميع وتصدير واستيعاب يخزن عشرات الملايين من البراميل.
كما أن التاريخ نفسه يقول إن استهدافها خلال حرب الناقلات في الثمانينيات لم يؤد إلى تعطيلها طويلًا إلا بصعوبة، ما يعني أن تعطيلها الكامل يحتاج إلى حملة مستدامة، لا إلى ضربة خاطفة.
ثالثًا: ماذا تقول إيران الآن؟ وهل تغيّر خطابها؟
التحول الأوضح في الساعات الأخيرة جاء من طهران نفسها. عباس عراقجي وزير الخارجية الايراني قال بوضوح إن الرد الإيراني الأخيرعلي تل ابيب لم يكن إلا “جزءًا يسيرًا” من القدرة الإيرانية، وإن بلاده مارست قدرًا كبيرًا من ضبط النفس استجابة لدعوات دولية إلى خفض التصعيد، لكنه أضاف أن أي استهداف جديد للبنية التحتية للطاقة سيقابَل بـ“صفر ضبط نفس”.
هذا مهم جدًا لأن معناه السياسي أن إيران تنقل قواعد الاشتباك من الرد المدروس إلى الهجوم المشروط: إذا ضُربت الطاقة، فستضرب الطاقة؛ وإذا استُهدفت المنشآت المدنية الاقتصادية، فستُرفع القيود عن مستوى الرد. كما ربط عراقجي أي تهدئة مستقبلية بمسألة “معالجة الأضرار” التي لحقت بالمنشآت المدنية، وهو ما يوحي بأن طهران تحاول من الآن بناء أرضية تفاوضية لاحقة عنوانها: لا وقف نار بلا ثمن سياسي ومادي.

رابعًا: ماذا لدى إيران بعد واحد وعشرين يومًا من الحرب؟
ليس في التقارير الموثوقة ما يسمح بالحديث الجازم عن “استعدادات سرية شاملة” بالمعنى الذي تحبه غرف الدعاية، لكن هناك مؤشرات واضحة على أن إيران لم تستنزف كامل ترسانتها بعد.
فقد أكد الحرس الثوري اليوم أن إنتاج الصواريخ مستمر، وأن الحرب ستتواصل ما دامت طهران ترى نفسها تحت تهديد، بينما تُظهر الضربات الأخيرة أن إيران ما زالت قادرة على إطلاق موجات صاروخية وطائرات مسيرة تجاه إسرائيل والخليج رغم الضربات على بنيتها العسكرية.
كذلك، تداولت مصادر متعددة خلال الأيام الماضية استخدام صواريخ إيرانية أكثر تطورًا أو أقل استخدامًا سابقًا، بينها صواريخ من عائلة خرمشهر-4 أو سجيل-2 أو خيبر، لكن يجب التمييز هنا بين التأكيدات الرسمية المحدودة والضجيج الإعلامي؛ فبعض الحديث عن “سلاح يظهر لأول مرة” مؤكد جزئيًا في وسائل غير أولية، وبعضه ما يزال ضمن دائرة الادعاء والتسويق المعنوي.
الأدق أن نقول إن إيران تُظهر أنها ما زالت تحتفظ بطبقات تصعيد إضافية، سواء في نوعية المقذوفات أو في توسيع دائرة الأهداف.
إذا أردنا قراءة ذلك استراتيجيًا، فإيران تبدو اليوم وكأنها تعمل على معادلة مزدوجة: الإبقاء على قدرة استنزاف طويلة، مع التلويح بوجود سلالم تصعيد غير مستخدمة بالكامل حتى الآن.
وهذا ما يفسر إصرارها على أن ما استخدمته ليس كل ما لديها، وأن ردودها ما زالت قابلة للتوسيع إذا استمرت الضربات على بنيتها الحيوية.
خامسًا: هل تدخل دول الخليج الحرب؟
الجواب الأدق هو: بعض دول الخليج دخلت فعليًا في دائرة الاستهداف، لكنها لا تريد التحول إلى طرف معلن في الحرب. فالهجمات الإيرانية على منشآت في قطر والسعودية والكويت والإمارات، كما تفهم من البيانات والتغطيات الأخيرة، تعني أن الحرب وصلت إلى أراضيها أو مصالحها الحيوية.
لكن رد فعل هذه الدول حتى الآن يركّز على ثلاثة أشياء: إدانة ضرب السيادة، حماية البنية التحتية، والدفع نحو احتواء التصعيد لا توسيعه.
لهذا السبب لم نرَ حتى الآن إعلانًا خليجيًا جماعيًا بالدخول العسكري المباشر في الحرب، رغم أن مستوى الغضب، خصوصًا في الدوحة بعد ضربات استهدفت أراضيها ومنشآتها، ارتفع بوضوح.
أما قطر تحديدًا، فصورتها الآن مختلفة عن أي وقت مضى. فهي ترفض الانجرار إلى الحرب من حيث المبدأ، وتقدم نفسها كطرف سعى إلى الحياد والتيسير الدبلوماسي، لكنها في الوقت ذاته ترفض تمامًا الرواية الإيرانية التي تقول إن ضرباتها لم تستهدف الدوحة.
الخارجية القطرية قالت بوضوح إنه لم تكن هناك اتصالات جارية مع إيران في لحظة من اللحظات، وإن ما وقع كان مفاجئًا ويمثل انتهاكًا صارخًا للسيادة.
كما شددت الدوحة، في رسائلها إلى الأمم المتحدة وفي تصريحاتها العلنية، على أنها لا تقبل أن تُجر إلى حرب “ليست حربها”، وأنها تريد وقفًا فوريًا للتصعيد والعودة إلى التفاوض.
هذه اللغة تكشف أن قطر ليست بصدد الاصطفاف العسكري مع إيران، بل العكس: إنها تشدد على سيادتها، لكنها ما تزال تقاوم التحول إلى منصة حرب مفتوحة.
سادسًا: ماذا عن التحرك المصري والجولات الخليجية؟
من المهم هنا أن نفهم أن “الجولات” و”الترتيبات” لا تعني بالضرورة حشدًا عسكريًا سريًا، بل غالبًا ما تعني تنسيق رسائل ومواقف وخطط طوارئ: أمن الطاقة، حماية الملاحة، إدارة الإجلاء، التعامل مع احتمالات اتساع الحرب، وتنسيق الخطاب الدبلوماسي تجاه واشنطن وطهران في آن واحد.
وإذا أضفنا إلى ذلك ما تقوله عواصم مثل عمان وقطر عن ضرورة العودة إلى الوساطة، يتضح أن المنطقة تشهد الآن دبلوماسية أزمة أكثر من استعداد لتحالف هجومي جديد.
سابعًا: إلى أين تتجه اللحظة الحالية؟ المجتمع الدولي يبدو اليوم أمام ثلاث مخاوف متداخلة:
أولًا، أن يتحول هرمز إلى ساحة تعطيل مزمن للطاقة العالمية؛
ثانيًا، أن تنتقل الحرب من ضرب البنى العسكرية إلى تخريب بنى الطاقة والسيادة الخليجية بصورة أوسع
وثالثًا، أن يؤدي أي تحرك بري في خارج أو داخل إيران إلى ردود لا يمكن ضبطها لاحقًا.
لهذا السبب تتكاثر الآن الدعوات الأوروبية والآسيوية والعربية إلى خفض التصعيد وتأمين الملاحة، ولكن في الميدان تبدو الوقائع أسرع من الدبلوماسية.
فكلما توسعت الحرب في الطاقة والموانئ والجزر، تراجع هامش المناورة السياسية، وارتفع خطر الانزلاق إلى صدام “كسر عظم” حقيقي لا يريده أحد علنًا، لكنه يقترب خطوة بعد خطوة.
ما يجري الآن في هرمز وخارج ليس مجرد فصل جديد في الحرب، بل هو فصل قد يحدد شكل المرحلة التالية كلها.
فإذا بقيت الحرب في حدود الضربات الجوية والردود الصاروخية، قد تظل هناك نافذة ضيقة للدبلوماسية. أما إذا انتقلت إلى الاستيلاء على العقد الاستراتيجية كخارج، أو إلى تعميم ضرب البنى التحتية الخليجية، فإننا سندخل طورًا جديدًا تصبح فيه الحرب أقل قابلية للاحتواء وأكثر ارتباطًا بانفجار اقتصادي وأمني إقليمي ودولي.
ولهذا فإن اللحظة الراهنة ليست فقط شديدة القلق على المجتمع الدولي، بل شديدة الخطورة على فكرة الخليج نفسها بوصفه فضاءً يمكن أن يحمل الحرب دون أن ينهار نظامه كله.





