د. أيمن خالد يكتب: من روح العيد إلى مشروع الوحدة
كأن ما يفرّقنا في السياسة والإعلام، وما تُغذّيه النزاعات والتجاذبات، هو استثناء طارئ، لا يعكس جوهرنا الحقيقي.لقد قدّمت هذه الحالة نموذجًا مكثفًا لما يمكن أن تكون عليه الأمة إذا تحررت من أثقال الاصطفاف، وانتصرت لفطرتها السليمة.

حين تُهذّب المناسباتُ الدينيةُ السياسة
ليست المناسبات الدينية مجرد طقوس زمنية عابرة، ولا هي استراحة وجدانية مؤقتة من صخب الواقع.
هي في جوهرها لحظات كاشفة تعيد تعريف الإنسان لنفسه، وتعيد تعريف الأمة لمسارها.
تهاني العيد تجمع الأمة العربية والإسلامية
وما شهدناه في الساعات التي سبقت الإفطار الأخير من شهر رمضان، وما أعقبها من تدفّق التهاني والتبريكات مع حلول العيد، لم يكن مجرد تفاعل عاطفي عابر، بل كان تعبيرًا عميقًا عن حقيقة كامنة في بنية هذه الأمة، حقيقة تتوارى تحت ركام الخلافات لكنها لا تموت.
في تلك اللحظات، بدت الأمة وكأنها استعادت قلبها الواحد خطاب هادئ، كلمات طيبة، دعوات صادقة، وتواصل إنساني يفيض صفاءً.
وكأن ما يفرّقنا في السياسة والإعلام، وما تُغذّيه النزاعات والتجاذبات، هو استثناء طارئ، لا يعكس جوهرنا الحقيقي.
لقد قدّمت هذه الحالة نموذجًا مكثفًا لما يمكن أن تكون عليه الأمة إذا تحررت من أثقال الاصطفاف، وانتصرت لفطرتها السليمة.
روح العيد هي روح ووجدان الإمة
إن هذا الالتقاء الروحي والنفسي لا يمكن تفسيره بوصفه مصادفة موسمية، بل هو انعكاس لحالة “العموم” التي تمثل الاستقرار الحقيقي للأمة، في مقابل “الاستثناء” الذي تمثله حالات الشقاق وإثارة النعرات والطائفية.
فالأصل في الاجتماع، لا في التنازع، والأصل في التعارف، لا في التخوين، والأصل في الرحمة، لا في القسوة. وحين تتجلى هذه الأصول في مناسبة دينية، فإنها تكشف أن أدوات الفرقة مهما اشتدت، تظل أضعف من البنية العميقة التي تجمعنا.
ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن نقع فيه هو أن نتعامل مع هذه اللحظات بوصفها استثناءً عاطفيًا مؤقتًا، لا مشروعًا يمكن البناء عليه.
إن روح العيد ليست حالة وجدانية فقط، بل هي إمكانية سياسية وأخلاقية، إذا أُحسن توظيفها، يمكن أن تتحول إلى قاعدة لإعادة تشكيل الخطاب العام، وإعادة ضبط العلاقة بين مكونات الأمة.
ذابت روح الفرقة وتعالت روح القلوب
لقد ذابت في فضاء العيد كثير من مفردات التخوين، وتراجعت حدّة الاتهامات، وانحسرت لغة الإقصاء، وكأنها لم تكن.
هذا بحد ذاته دليل قاطع على أن تلك الخطابات ليست قدرًا محتومًا، بل خيارات يمكن مراجعتها، ومسارات يمكن تصحيحها. فإذا كانت مناسبة واحدة قادرة على تليين القلوب، فكيف لو تحولت قيمها إلى نهج دائم في إدارة الخلاف؟
إن استلهام الدروس الحقيقية من مناسباتنا الدينية يفرض علينا أن نرتقي بها من مستوى الشعور إلى مستوى الفعل، ومن دائرة التهاني إلى أفق المشاريع.
فالوحدة التي نشعر بها في لحظات الصفاء، يجب أن تتحول إلى سياسات، وإلى خطاب إعلامي مسؤول، وإلى وعي جمعي يرفض الانجرار وراء كل ما يعمّق الانقسام.
لا تنتصر أمة متفرقة
لا يمكن الحديث عن النصر والتمكين بوصفهما نتيجة معزولة عن هذه المعاني.
فالأمم لا تنتصر وهي متفرقة، ولا تُبنى عزتها على أرضية مهشمة من الشكوك والاتهامات. إن طريق القوة يبدأ من الداخل، من إعادة بناء الثقة، ومن ترميم الوجدان الجمعي، ومن الإيمان بأننا، رغم كل شيء، ما زلنا قادرين على الالتقاء.
إن العيد ليس نهاية موسم، بل بداية معنى، بداية فرصة لتهدئة النفوس، ولمراجعة الذات، ولإعادة ترتيب الأولويات.
وهو، قبل ذلك وبعده، تذكير بأن هذه الأمة حين تجتمع، فإنها تملك من عناصر القوة ما يجعلها جديرة بالنصر والتمكين.
ليبقى النور الوجداني الجامع لنا
عيد مبارك سعيد، ليس فقط بما نحمله من كلمات، بل بما نستحضره من معانٍ، وما نترجمه من سلوك. ولعلها لحظة نلتقط فيها هذا الخيط النوراني الذي جمعنا، فنحفظه من الانقطاع، ونبني عليه مشروعًا يليق بتاريخنا، وتحتضنه جغرافيتنا، وتستحقه أمتنا.






