حين تتحوّل القوة إلى مأزق
الصراع لا يقتصر على تعثّر عسكري أو سوء تقدير سياسي، بل يشير إلى أن التفوق العسكري والاقتصادي يمكن أن يتحوّل أحيانا إلى عبء استراتيجي، خصوصا في حالة التصعيد الطويل وصمود الأطراف الأخرى.

بقلم: د/ غانية ملحيس
تكشف الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على فلسطين ولبنان وإيران، وفق تحليلات صادرة عن مؤسسات بحثية أمريكية وإعلامية، عن وجود بنية صراعية معقدة يمكن فهمها ضمن ما يسمى بـ “الفخّ المركّب”.
فالصراع لا يقتصر على تعثّر عسكري أو سوء تقدير سياسي، بل يشير إلى أن التفوق العسكري والاقتصادي يمكن أن يتحوّل أحيانا إلى عبء استراتيجي، خصوصا في حالة التصعيد الطويل وصمود الأطراف الأخرى.
الدخول في حرب معقدة مثل الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، دون تحديد أهداف واضحة، أو نظرية نصر قابلة للتحقق، أو أفق خروج واضح، لا يعكس فقط تحديات التخطيط العسكري والسياسي، بل يشير إلى انخراط القوة في بنية صراعية مركّبة يصعب حسمها ضمن شروطها الذاتية.
وفي هذا السياق، يتجلى أحد أهم أبعاد ما يسمى بـ الفخ المركب: حيث قد تصبح شروط النصر العسكرية والسياسية أعلى من القدرة العملية على تحقيقها، خصوصا عندما تتداخل المصالح المحلية والإقليمية والدولية، وتتوسع آليات الصمود لدى الطرف الآخر.
أولا: قوة غير متماثلة، نتائج غير متماثلة
في هذا الصراع غير المتكافئ، كما في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وكما في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لا يعمل عدم التكافؤ بالضرورة لصالح الطرف الأقوى، بل ضده.
* إسرائيل: (دولة استعمارية استيطانية إحلالية وظيفية حديثة، أنشأتها القوى الاستعمارية الغربية المنتصرة في حربين كونيتين في فلسطين قبل 78 عام، وأصبحت قوة عسكرية نووية وتكنولوجية واقتصادية متفوقة (7.3 مليون مستوطن يهودي نصفهم من أصول أوروبية وأمريكية، وفقا لتقديرات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية).
تحتاج إسرائيل لتحقيق الانتصار الكامل إلى استسلام الشعب الفلسطيني ذي الجذور الكنعانية التي تمتد لنحو سبعة الاف سنة (15.6 مليون نسمة)، وقبوله بالمحو والاستبدال الصهيوني داخل فلسطين الانتدابية (7.4 مليون)، والذوبان خارجها (8.2 مليون، منهم 6.8 مليون في الدول العربية المجاورة وفقا لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني)، وإلى إخضاع المحيط العربي (480 مليون) في غرب اسيا وشمال إفريقيا، والإذعان الإسلامي (2.4 مليار).
الولايات المتحدة الأمريكية: (دولة استيطانية إحلالية حديثة أسسها المستوطنون الأوروبيون قبل 249 عاما، يبلغ تعدادهم 348 مليون نسمة، على أنقاض السكان الأصليين الذين تم إبادة غالبيتهم العظمى خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وتم ملاحقة وتهميش ومحاصرة من نجا منهم، يشكلون 0.7 – 2% من إجمالي سكان الولايات المتحدة الأمريكية في معازل متفرقة (الجزيرة نت)، يشكل الأمريكيون من أصول أوروبية (البيض غير اللاتينيين) وفقاً لتقديرات مختلفة، الأغلبية العرقية في الولايات المتحدة، نحو ثلثي السكان. وباتت قوة عظمى عسكريا واقتصاديا وتكنولوجيا مهيمنة عالميا).
أهداف أمريكا واسعة ومركبة
تحتاج الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق انتصار حاسم على إيران إلى تحقيق أهداف واسعة ومركبة:
• السيطرة على إيران
* تغيير النظام وامتثال الشعب الإيراني (93.2 مليون نسمة، ومساحة شاسعة 1,648,195 كم²، ذات طبيعة جبلية، وحضارة ممتدة لأكثر من سبعة آلاف عام.
* شلّ القدرات العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية الإيرانية.
* ضمان استقرار إقليمي طويل الأمد.
* حماية تدفق الطاقة عالميا.
ما يكفي فلسطين وإيران للانتصار
في المقابل يكفي الطرف الفلسطيني الأضعف أن يصمد ويحافظ على البقاء المادي في فلسطين والشتات، ويظل مستعصيا على الاستسلام، ويتمسك بحقوقه الوطنية والتاريخية الثابتة في الحرية والعودة وتقرير المصير.
كما يكفي إيران أن تصمد، وتحافظ على القدرة على الإزعاج، وضرب نقاط حساسة مثل الممرات البحرية أو منشآت الطاقة.
وهنا تنقلب المعادلة: القوة الحديثة المتفوقة عسكريا وتكنولوجيا واقتصاديا تصبح رهينة لطموحها، والضعف يتحول إلى استراتيجية بقاء ناجحة.
ثانيا: إعادة تعريف النصر: من الحسم إلى الصمود
تكشف تجربة حرب العراق 2003 عن بنية الفخ المركب، حيث نجحت الولايات المتحدة في تحقيق تفوق عسكري سريع باستخدام حوالي 300,000 جندي من القوات الأمريكية وحلفائها، وسيطرت على بغداد وعموم العراق خلال 21 يوما فقط (وزارة الدفاع الأمريكية، 2003).
لكنها عجزت عن ترجمة هذا التفوق إلى استقرار سياسي طويل الأمد، مع استمرار المقاومة العراقية وأعمال العنف، ما أسفر عن أكثر من 4,400 جندي أمريكي قتيل، وأكثر من 100,000 مدني عراقي حتى عام 2007 (عدد ضحايا العراق، 2007).
فقد تحوّل “النصر العسكري” إلى استنزاف مفتوح، ما يعكس الفجوة بين القدرة على الحسم العسكري والعجز عن تحقيق شروط النصر المركّب.
حرب فيتنام
كما أظهرت حرب فيتنام كيف يمكن للطرف الأضعف عسكريا أن يحوّل الصمود إلى أداة هزيمة استراتيجية، حيث بلغ عدد القوات الأمريكية ذروته نحو 549,000 جندي عام 1969، وبلغ عدد القتلى الأمريكيين حوالي 58,000 جندي، بينما تجاوز عدد القتلى الفيتناميين المدنيين والعسكريين 2-3 ملايين شخص، مع استمرار الحرب لأكثر من 10 سنوات (الأرشيف الوطني الأمريكي – حرب فيتنام)
مفهوم الصمود في غزة
المثل الأحدث قطاع غزة، إذ أسفرت الحرب المتواصلة ضد الشعب الفلسطيني للعام الثالث على التوالي منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 عن استشهاد 72,239 شخصا، و171,861 جريحًا، وتدمير 90% من القطاع، وتحويل جل سكانه البالغ 2.3 مليون نسمة إلى لاجئين، (مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية غزة، 2026، الجزيرة نت، 2026).
ولا تتوفر بيانات موثوقة عن عدد القتلى والجرحى الإسرائيليين بسبب الحظر الإسرائيلي، إلا أنه يمكن الاستدلال على حجم الخسائر الاقتصادية من تقرير بنك إسرائيل الذي نشرته القناة الثانية عشر الإسرائيلية في 23/3/2026، والذي أشار إلى خسائر في الناتج المحلي الإسرائيلي تقدر بنحو 48 مليار دولار أمريكي، إضافة إلى نحو 95 مليار دولار بين 7/10/2023 و23/3/2026، شملت الإنفاق العسكري، وتعويضات، ومدفوعات الاحتياط وإعادة الإعمار.
وهنا يتقدّم مفهوم الصمود ليس بوصفه مجرد ردّ فعل دفاعي، بل كاستراتيجية قادرة على تقويض تفوق الطرف الأقوى على المدى الطويل.
ثالثا: فخّ التصعيد: كل خيار يفتح مأزقا جديدا
تظهر ديناميات التصعيد هنا بوصفها قلب الفخ المركب. كل مسار تصعيدي قد يبدو نظريا كحل، لكنه عمليا يعمّق الأزمة ويعيد إنتاج المأزق على مستوى أعلى من التعقيد والكلفة. على سبيل المثال:
* تحتاج إسرائيل إلى 80,000 جندي لحصار واحتلال قطاع غزة، واستدعاء 60,000 من الاحتياط، وفقا لتقارير الجزيرة نت وBBC 0252، ويتواجد حاليا 12,000 جنديا في المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل في القطاع، في ظل اتفاق وقف إطلاق النار، وتحتاج إلى 15,000 جندي في الضفة الغربية.
* السيطرة الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية تتطلب انخراطا بريا كثيفا عالي المخاطر (تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، 2025).
* ضرب البنية التحتية الطاقوية والاقتصادية يستدعي ردودا قد تؤثر على النظام العالمي للطاقة (وكالة معلومات الطاقة).
* دعم حركات تمرد داخلية قد يؤدي إلى احتمالات تفكك وفوضى إقليمية (تقارير الأمم المتحدة).
بهذا المعنى، التصعيد لا يصبح وسيلة للخروج، بل أداة لإعادة إنتاج الأزمة نفسها، ما يوضح أن القوة في هذا السياق لا تملك السيطرة الكاملة على النتائج، بل تصبح رهينة للتعقيدات المتراكمة للفخ المركب.
رابعا: تردد القرار تحت ضغط التعقيد والتكلفة
يظهر الفخ المركب في قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 23/3/2026 بتأجيل إنذاره لإيران بضرب محطات الطاقة ما لم تفتح مضيق هرمز، الذي كان محددا في 48 ساعة قبل يوم من انتهائه، وتمديده إلى خمسة أيام (وكالات الأنباء)
هذا التأجيل يعكس أن القوة العظمى، رغم امتلاكها القدرة العسكرية، قد تجد نفسها مضطرة لإعادة تقييم خطواتها بسبب تعقيدات التصعيد والمخاطر المحتملة، بما في ذلك الانعكاسات الاقتصادية والإقليمية والاستراتيجية.
وفق تقارير وكالة معلومات الطاقة الدولية، أدت الحرب على إيران وتعطل المرور في مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط عالميا بحوالي 10-20%، والغاز من 10-30% نتيجة المخاوف من تعطيل إمدادات الطاقة، وأسهم قرار التأجيل في تراجع الأسعار قليلا، دون أن ينهي التوتر.
ويبرز هذا أن كل خيار تصعيدي قد يبدو قابلا للتنفيذ، لكنه عمليا يفتح أبوابا لمأزق جديد، مما يعكس جوهر الفخ المركب الذي يعيق القدرة على الحسم المباشر.
خامسًا: انكشاف حدود العقل الأداتي
ما تكشفه هذه الحرب أيضا، هو حدود العقل الأداتي الذي يديرها: عقل يحسب الكلفة والعائد، لكنه يعجز عن إدراك أنه أصبح جزءا من بنية أزمة لا يمكن ضبطها بالأدوات نفسها التي أنتجتها.
في هذا السياق، لم تعد الحرب مجرد أداة لتحقيق أهداف، بل أصبحت:
* نظاما يعيد إنتاج ذاته عبر الأزمات.
* مساحة يصبح فيها الخروج المستحيل، أو تقليل الخسائر، الخيار الأكثر واقعية (مؤسسة راند).
ضمن هذا الفخ، لا يكون السؤال: “كيف ننتصر؟” بل: “كيف نحدّ من الخسارة؟”
البحث عن مخرج لا يعني تحقيق الهدف النهائي، بل الاعتراف بأن الحسم غير ممكن. حتى التراجع المنظّم لا يخرج من الفخ بالكامل، بل يعيد التموضع داخله ويكرّس دورة الأزمة نفسها.
سادسًا: الفخ المركب بنية صراعية كاشفة لعجز القوة
تكشف هذه الحالة أن الفخ المركب ليس مجرد توصيف لحالة سياسية، بل يمثل بنية صراعية معقدة تتسم بعدة خصائص رئيسية:
1. تضخم أهداف الطرف الأقوى، بما يزيد من صعوبة تحقيقها.
2. قدرة الطرف الأضعف على تحويل هشاشته إلى أداة استراتيجية فعالة.
3. تحوّل التصعيد إلى مأزق يضاعف التعقيدات.
4. تداخل العسكري بالاقتصادي والرمزي، ما يوسع نطاق الصراع وقد يمتد الى كامل الإقليم والعالم.
5. استحالة الحسم مقابل قابلية الاستنزاف المستمرة للطرف الأقوى.
قد تبدو بعض الحالات، مثل حرب الخليج لتحرير الكويت، أو حرب كوسوفو، وكأنها تؤكد قدرة القوة العسكرية على تحقيق الحسم. غير أن التدقيق فيها يكشف أنها لم تمثل انتصارا حاسما، بل نجاحا محدودا ضمن أهداف ضيقة وظروف استثنائية.
* ففي الحالة الأولى، لم يتم تفكيك بنية الصراع، بل جرى تأجيله، مما مهد لاحقا لصراعات جديدة.
* وفي الحالة الثانية، اعتمدت على بيئة دولية غير قابلة للتكرار، ولم تتطلب مواجهة صمود طويل الأمد.
وهو ما يعزز الفرضية القائلة: أن الحسم العسكري يصبح أكثر صعوبة كلما اتسعت الأهداف، وتعقدت البنى الاجتماعية والإقليمية.
نتيجة لذلك، لا تعود الحرب مجرد وسيلة لتحقيق أهداف محددة، بل تصبح فضاء يُعاد فيه إنتاج العجز الاستراتيجي للقوة نفسها، مؤكدة الطبيعة المركبة والمعقدة للفخ الذي يعيق القدرة على السيطرة أو الحسم النهائي.
وعليه، لا تكشف الحروب المعاصرة حدود القوة فحسب، بل تعيد تعريفها: إذ لم تعد القوة تُقاس بقدرتها على الحسم، بل بمدى قدرتها على تجنّب الانخراط في فخاخها الخاصة. وفي هذا المعنى، لا تفشل القوى الكبرى رغم تفوقها، بل بسببه – حين تتحول شروط انتصارها نفسها، منذ البداية، إلى شروط مأزقها.






