تحولاتُ منطقِ القوةِ والسيادةِ في النظامِ الدوليِّ
أحدُ أخطرِ مظاهرِ هذا التحولِ هو تصاعدُ ظاهرةِ استهدافِ القياداتِ السياسيةِ والعسكريةِ بوصفها أداةَ ضغطٍ مباشرةً. تاريخيا، كانت عملياتُ الاغتيالِ محاطةً بسياجٍ من السريةِ والإنكارِ، أما اليومَ فقد أصبحت جزءا من منطقِ الرسائلِ العلنيةِ

لم يعُدِ السؤالُ اليومَ ما إذا كان النظامُ الدوليُّ يمرُّ بأزمةٍ، بل ما طبيعةُ هذه الأزمةِ، وأين تقعُ حدودُ التحولِ فيها. خلالَ العقودِ التي أعقبتِ الحربَ الباردةَ، ترسخَ تصورٌ واسعٌ بأن القانونَ الدوليَّ، ومؤسساتِه، ومنظوماتِه التعاقديةَ، باتت تشكلُ سقفا ناظما لسلوكِ الدولِ، حتى وإن ظلَّ ميزانُ القوةِ حاضرا في الخلفيةِ. غيرَ أن العقدَين الأخيرَين شهدا تصاعدا ملحوظا في توظيفِ القوةِ العسكريةِ خارجَ الأطرِ التقليديةِ، سواءٌ عبرَ ضرباتٍ استباقيةٍ، أو عملياتِ استهدافٍ نوعيةٍ، أو توسيعٍ مرنٍ لمفاهيمِ الدفاعِ عن النفسِ.
هذه التحولاتُ لا تعني اختفاءَ القانونِ الدوليِّ، لكنها تشيرُ إلى تراجعِ مركزيتِه أمامَ منطقِ الردعِ الفعليِّ. فالدولةُ التي تملكُ قدرةَ الضربِ الدقيقِ، وتتفوقُ تكنولوجيا، وتمتلكُ مظلةَ تحالفاتٍ واسعةٍ، باتت قادرةً على فرضِ وقائعَ ميدانيةٍ ثم التفاوضِ من موقعِ المبادرةِ. هنا تتبدلُ العلاقةُ بين الشرعيةِ والقوةِ، إذ لا تعودُ الشرعيةُ سابقةً للفعلِ، بل لاحقةً لهُ أحيانا.
في هذا السياقِ، يبرزُ سؤالُ السيادةِ بوصفهِ محوريا. السيادةُ لم تعُد مفهوما قانونيا صرفا، بل أصبحت رهينةَ القدرةِ على الردعِ. الدولُ المتوسطةُ والصغرى، مهما تمسكت بالنصوصِ الأمميةِ، تجدُ نفسها مضطرةً إلى الاستثمارِ في أدواتِ حمايةٍ غيرِ تقليديةٍ، من منظوماتِ دفاعٍ صاروخيٍّ إلى تحالفاتٍ أمنيةٍ مرنةٍ، لأن النصَّ وحدهُ لم يعُد ضمانةً كافيةً. هذا التحولُ يُنتجُ بيئةً دوليةً أكثرَ توترا، حيث يتقدمُ الحسابُ الأمنيُّ الصلبُ على الاعتبارِ القانونيِّ المجردِ.
أحدُ أخطرِ مظاهرِ هذا التحولِ هو تصاعدُ ظاهرةِ استهدافِ القياداتِ السياسيةِ والعسكريةِ بوصفها أداةَ ضغطٍ مباشرةً. تاريخيا، كانت عملياتُ الاغتيالِ محاطةً بسياجٍ من السريةِ والإنكارِ، أما اليومَ فقد أصبحت جزءا من منطقِ الرسائلِ العلنيةِ. هذا المسارُ يضعُ الاستقرارَ الاستراتيجيَّ أمامَ معادلةٍ معقدةٍ: هل يؤدي استهدافُ الرأسِ إلى ردعِ الجسدِ، أم يُطلقُ دينامياتِ ثأرٍ لا يمكنُ ضبطُها. التجاربُ الحديثةُ تشيرُ إلى أن إسقاطَ القياداتِ لا يعني بالضرورةِ تفكيكَ البنى المؤسسيةِ أو الاجتماعيةِ، بل قد يُعيدُ إنتاجَها بصيغٍ أكثرَ تشددا.
في موازاةِ ذلك، تعودُ بقوةٍ السردياتُ الحضاريةُ في تفسيرِ الصراعاتِ. بعدَ مرحلةٍ سادَ فيها خطابُ العولمةِ والتشابكِ الاقتصاديِّ، نشهدُ اليومَ إعادةَ تأطيرِ النزاعاتِ بوصفها صراعاتِ هويةٍ وقيمٍ. أطروحةُ صموئيل هانتنغتون حولَ صدامِ الحضاراتِ، التي بدت في التسعينياتِ مثيرةً للجدلِ، تجدُ اليومَ أصداءً جديدةً، ليس بالضرورةِ لأنها تحققت حرفيا، بل لأن القوى الكبرى تلجأُ إلى خطابِ الهويةِ حين تتعقدُ مصالحُها وتتشابكُ أدواتُها. غيرَ أن تحويلَ الصراعِ إلى معركةِ قيمٍ مطلقةٍ يُغلقُ أبوابَ التسويةِ، ويجعلُ كلَّ أزمةٍ مرشحةً للانفجارِ الكاملِ.
أما على مستوى الردعِ النوويِّ، فإن تعددَ الأقطابِ يُدخلُ النظريةَ الكلاسيكيةَ في مرحلةِ اختبارٍ جديدةٍ. في زمنِ الثنائيةِ القطبيةِ، كان ميزانُ الرعبِ قائما على وضوحِ الخطوطِ الحمراءِ. اليومَ، مع تعددِ الفاعلينَ الإقليميينَ، وتطورِ الأسلحةِ الدقيقةِ منخفضةِ القوةِ، يصبحُ خطرُ الانزلاقِ أعلى، حتى دونَ نيةٍ مسبقةٍ للتصعيدِ الشاملِ. الردعُ لا ينهارُ دفعةً واحدةً، لكنه يتآكلُ حين تتراكمُ الاستثناءاتُ.
الخلاصةُ أن العالمَ لا يعيشُ نهايةَ نظامٍ بقدرِ ما يمرُّ بمرحلةِ إعادةِ تعريفٍ لمعادلةِ القوةِ والشرعيةِ. القانونُ لم يمت، لكنه لم يعُد وحدهُ المرجعَ الحاسمَ. والسيادةُ لم تُلغَ، لكنها أصبحت مرتبطةً بقدرةِ الدولةِ على فرضِ كلفٍ حقيقيةٍ على من يعتدي عليها. أما الخطابُ التعبويُّ الذي يُضفي طابعا قدريا على المواجهاتِ، فيمنحُ زخما نفسيا، لكنه لا يُغني عن حساباتِ المصلحةِ والتكلفةِ.
التحولُ الجاري ليس قدرا محتوما نحوَ الفوضى، ولا ضمانةً لاستقرارٍ جديدٍ، بل ساحةَ تنازعٍ مفتوحةً. الفارقُ بين الانزلاقِ والانضباطِ سيُحددهُ مدى قدرةِ القوى الكبرى على إدارةِ صراعاتِها ضمنَ حدودٍ محسوبةٍ، دونَ أن تُقنعَ نفسها بأن كلَّ أزمةٍ هي معركةٌ أخيرةٌ لا رجعةَ بعدها.






