مقالات
محمد زكي
محمد زكي

كاتب صحفي

تحرير الرسالة الخاتمة من قيد الجمود

تحول الدين إلى طقوس عندما يجمد مفهوم "الأخلاق" عند حدود بيئة اجتماعية غابرة، ينفصل السلوك التعبدي عن الواقع المعاصر، فتصبح العبادات طقوساً شكلية

مشاركة:
حجم الخط:

 

نحو فقهٍ حيّ
إن القول بأن الإسلام “صالح لكل زمان ومكان” ليس مجرد شعار عاطفي، بل هو تعهدٌ معرفي يفرض علينا تجديد أدوات الفهم. فإذا حصرنا النص القرآني المطلق في حدود التفسيرات البشرية النسبية للقرون الأولى، فإننا عملياً نغلق باب العالمية الذي فتحه الوحي.

إشكالية الجمود المعرفي والواقع المتغير
ارتباط الفكر بسياقه: إن الفتاوى والتفاسير “بنات زمانها”، ولدت لتجيب على أسئلة واقع معين. ومحاولة فرض إجابات الماضي على أسئلة الحاضر تشبه من يحاول خوض معارك التكنولوجيا الحديثة بسيفٍ عتيق؛ النتيجة حتماً هي الاغتراب عن الواقع.

قانون التدافع والتطور: ساد المسلمون الأوائل لأنهم قدموا النموذج الأكثر تطوراً وانفتاحاً في عصرهم، بينما تعثرنا اليوم حين قدسنا “الفهم البشرى” للوحي بدلاً من تعظيم “الوحي” نفسه، متجاهلين أن التطور هو سنة الله الجارية في خلقه.

تداعيات الفجوة بين الفقه والزمن
إن الصراع الذي نشهده اليوم بين “القديم” و”الجديد” ليس صراعاً بين حق وباطل في جوهره، بل هو صراع مع الزمن. فالجمود الفقهي أدى إلى:

تحول الدين إلى طقوس عندما يجمد مفهوم “الأخلاق” عند حدود بيئة اجتماعية غابرة، ينفصل السلوك التعبدي عن الواقع المعاصر، فتصبح العبادات طقوساً شكلية لا تنعكس رقياً في التعاملات الإنسانية الحديثة.

خسارة المعارك الرمزية: التاريخ يشهد أن الفقه “الساكن” خسر كل معاركه ضد التطور؛ من تحريم القهوة قديماً إلى عدم إجازة الوضوء من ماء الحنفية إلى رفض تعليم المرأة ووسائل الاتصال حديثاً، حتى قضية الخلع. لم تكن تلك هزيمة للدين، بل هزيمة لـ “العقل الفقهي المستقيل” الذي توهم أن الوقوف في وجه الزمن هو دفاع عن الثوابت.

الإسلام والعلم: من المواجهة إلى الاحتواء
يقف الفقه التقليدي اليوم متردداً أمام قضايا حيوية كالهندسة الوراثية، والأرحام البديلة، وزراعة الأعضاء. إن الاستمرار في منطق “المنع والتوجس” سيجعل الفقه يلهث دائماً خلف العلم، بدلاً من أن يكون موجهاً أخلاقياً له.

إن المطلوب هو “فقه المقاصد” الذي يستنبط الحكمة من النص ليطبقها على مقتضيات العصر، لا “فقه الحرف” الذي يغرق في جزئيات الماضي.

الخلاصة: إن تجديد الخطاب الديني ليس ترفاً، بل هو ضرورة لحماية الإسلام من “الإساءة غير العمدية” التي يرتكبها المتمسكون بالجمود. إننا بحاجة إلى عقل مسلم يدرك أن الوفاء للسلف يكون في استلهام منهجهم في الإبداع، لا في الوقوف حيث وقفوا. وأول السير هو احترام قوانين التطور التي وضعها الخالق ناموسا لكونه

شارك المقال: