علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
أحمد علام
أحمد علام

كاتب وسياسي

أحمد علام يكتب: حين يصبح الأمن اسمًا آخر للطاعة

الأمن الحقيقي لا يتحقق فقط بأن يأمن الإنسان على طعامه وبيته وجسده، وإنما بأن يأمن أيضًا على حريته وكرامته وحقه في التفكير والتعبير والمشاركة في تقرير مصيره.

مشاركة:
حجم الخط:

من خطبة الجمعة إلى أمراض الدولة الحديثة

كانت خطبة الجمعة عن الأمن والأمان، بل وعن «الأمن الفكري» أيضًا،ولا خلاف على أن الأمن نعمة عظيمة من نعم الله على الإنسان، ولكن ما استوقفني في الخطبة لم يكن ما قاله الخطيب، وإنما ما أغفله من النصوص التي استشهد بها، ثم ما انتهى إليه من نتائج.

استشهد الخطيب بسورة قريش، التي يقول الله سبحانه وتعالى فيها:

﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ۝ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ۝ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ ۝ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾.

فالسورة لا تتحدث عن الأمن وحده، وإنما تتحدث عن نعمتين متلازمتين: الإطعام من الجوع، والأمن من الخوف (عموم الخوف).

أي الكفاية الاقتصادية والأمن. بل إن السورة تبدأ بالإيلاف ورحلتي الشتاء والصيف، بما يرتبط بهما من حركة التجارة والمعاش، ثم تختم بنعمتي الإطعام والأمن.

ولكن الخطبة لم ترَ في السورة إلا الأمن!

ثم استشهد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا».

والحديث يجمع ثلاثة عناصر أساسية في حياة الإنسان: الأمن، والصحة، والكفاية الاقتصادية.

لكن الخطيب، مرة أخرى، لم يرَ إلا الأمن!

ليس الاعتراض هنا على أن يتناول الخطيب نعمة الأمن وحدها، فهذا حقه ما دام موضوع خطبته عنها، وإنما على أن يُنتزع الأمن من سياقه القرآني والنبوي، ثم يُقدَّم وكأنه القيمة التي ينبغي أن يكتفي بها الإنسان، قبل أن يُبنى على ذلك خطاب يطال علاقة المواطن بالسلطة، بل وتربية الأبناء على الخضوع لها.

فقد انتقل الخطيب بعد ذلك إلى ما سماه «الأمن الفكري» مطالبًا أولياء الأمور والآباء بتربية أبنائهم على الخضوع لمنظومة الحكم، وعدم اتباع الهوى في التمرد على نظم الحكم.

وهنا لم نعد أمام خطبة تتحدث عن نعمة الأمن، بل أمام تصور للعلاقة بين الإنسان والسلطة، تصبح فيه الطاعة فضيلة في ذاتها، ويصبح الاعتراض على الحكم قريبًا من اتباع الهوى.

لكن هل هذا هو الأمن الذي تحدث عنه القرآن والسنة؟

وهل الأمن هو أن يعيش الإنسان دون أن يتعرض للاعتداء من الآخرين، أم أن يعيش أيضًا دون خوف من السلطة التي تحكمه؟

وهل يكفي أن يأكل الإنسان ويشرب وينام، حتى نقول إنه يعيش آمنًا مطمئنًا؟

دعونا نأخذ مثالًا بسيطًا: السجين أو المعتقل.

فالسجين داخل سجنه يجد من يوفر له الطعام والشراب ومكان النوم، وقد يجد الرعاية الصحية أيضًا. وهو محاط بالأسوار والحراس، وإذا خضع لشروط السجن والسجان فقد يتجنب كثيرًا من الأخطار والعقوبات.

فهل نستطيع أن نقول إن هذا السجين يعيش في قمة الأمن والأمان؟

إذا كان مفهوم الأمن هو الطعام والنوم والحراسة وانتظام الحياة، فقد يبدو كذلك.

لكننا نعرف جميعًا أن السجين، مهما توافرت له مقومات البقاء، لا يكون حرًا في تقرير مصيره، وأن سلامته نفسها قد تكون مرهونة بإرادة السجان.

هنا تظهر المغالطة الكبرى: الخلط بين أمن الإنسان وبين إخضاع الإنسان، وبين حمايته من الخوف وإجباره على الخضوع خوفًا.

وإذا انتقلنا بصورة السجن هذه إلى دولنا التي تحكمها نظم عسكرية أو سلطوية، وجدنا تطابقا واضحًا في منطق العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

فالمواطن الذي لا يعترض على الحاكم، ولا يطالب بحقوقه، ولا ينتقد سياساته، يستطيع أن يعيش بعيدًا عن بطش السلطة، أما إذا تجاوز الحدود التي رسمتها له، يصبح هو نفسه مصدرًا للخطر في نظرها.

بذلك لا يعود الأمن حقًا ثابتًا للمواطن، وإنما يتحول إلى مكافأة مشروطة بالطاعة.

فكأن الحاكم يقول لمواطنيه: سأوفر لكم الأمن، بشرط ألا تنازعوني السلطة، وألا تعترضوا على قراراتي، وألا تطالبوا بحقوق تتعارض مع ما أراه مناسبًا لكم.
ولكن من الذي قال إن الأمن يعني ألا يعترض المواطن على الحاكم؟
ومن الذي قال إن المطالبة بالعدل والحرية والكرامة تهديدا للأمن؟
بل أليس من أول شروط الأمن الحقيقي أن يأمن الإنسان من ظلم الحاكم نفسه؟
إن القرآن الذي تحدث عن الإطعام والأمن من الخوف هو نفسه الذي أمر بالعدل، فقال تعالى:
﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.
وأيضا قال:
﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ﴾.
بل إن القرآن، حين تحدث عن طاعة أولي الأمر، لم يجعلها طاعة مطلقة، وإنما قال:
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الطاعة في المعروف»

فكيف تتحول الطاعة المقيدة بالمعروف والعدل إلى خضوع غير مشروط لمنظومة الحكم؟

كيف يصبح الاختلاف مع السلطة اتباعًا للهوى، بينما يصبح الخضوع لها دليلًا على الرشد؟

وهنا نصل إلى أخطر ما ورد في الخطبة: الأمن الفكري.

فالأمر لم يعد يقتصر على مطالبة المواطن بالطاعة في سلوكه، بل امتد إلى مطالبة الآباء بتربية أبنائهم على هذه الطاعة.

أي إن المطلوب لم يعد مجرد أن يخضع الإنسان للسلطة، وإنما أن ينشأ منذ طفولته مقتنعًا بأن الخضوع لها هو السلوك الصحيح،

وأن الاعتراض عليها انحراف ينبغي تجنبه.هذا يثير سؤالًا تربويًا وأخلاقيًا بالغ الخطورة:

هل نربي أبناءنا ليكونوا بشرًا أحرارًا، قادرين على التفكير والتمييز بين الحق والباطل والعدل والظلم، أم نربيهم ليكونوا تابعين لمن يحكمهم، لا يسألون ولا يناقشون ولا يعترضون؟

هناك فرق كبير بين أن نربي الطفل على احترام القانون وحقوق الآخرين، وبين أن نربيه على الخضوع للحاكم.

فالقانون نفسه قد يكون عادلًا وقد يكون ظالمًا، والسلطة قد تصيب وقد تخطئ، والحاكم إنسان لا يملك الحقيقة المطلقة.

وإذا كنا نعلم أبناءنا التفكير والنقد والبحث عن الحقيقة في العلوم والمعارف، فكيف نطلب منهم أن يتوقفوا عن التفكير حين يصل الأمر إلى السلطة السياسية؟

وهل يصبح العقل خطرًا على الأمن حين يفكر في شؤون الحكم؟

إن أخطر أنواع السيطرة ليست تلك التي تجبر الإنسان على الصمت خوفًا من العقوبة، وإنما تلك التي تقنعه بأن الصمت فضيلة، وأن الطاعة دليل على الحكمة، وأن الاعتراض خروج على النظام والأمن.

وهنا لا يعود السجان محتاجًا إلى أن يقف خلف كل إنسان بعصاه، لأن الإنسان يكون قد تعلم أن يحمل السجان داخله.

ولعل من أكثر الصور القرآنية دلالة على هذا المعنى قول فرعون لقومه:

﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾.

ففرعون لم يكتفِ بامتلاك القوة، بل أراد أن يحتكر الرؤية والرشد أيضًا.

لم يقل لهم فقط: أطيعوني لأنني أملك السلطة، بل قدم رأيه باعتباره الطريق الصحيح الذي ينبغي أن يسيروا عليه.

هذا هو الخطر حين تتحول السلطة من إدارة شؤون المجتمع إلى احتكار تعريف الصواب والخطأ، ومن حماية أمن الناس إلى مراقبة عقولهم وضمائرهم.

لكن هل هذه المشكلة خاصة بالدول العسكرية والدكتاتورية؟

أعتقد أن الأمر أوسع من ذلك بكثير.

فإذا انتقلنا إلى العالم الغربي، وإلى الدول التي تقدم نفسها باعتبارها حامية الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وجدنا أن وسائل السيطرة على المواطن تختلف، ولكن السؤال عن الحرية الحقيقية لا يختفي.

ففي دولنا العربية قد تستخدم السلطة القمع المباشر والاعتقال والتخويف والرقابة، إلى جانب وسائل التأثير الناعمة.

أما في الدول الغربية، فتوجد ضمانات قانونية ومؤسسات ديمقراطية وحريات أوسع، ولكن ذلك لا يلغي وجود وسائل أخرى للضبط والتوجيه، اقتصادية وإعلامية واجتماعية ورقمية، وقد تستخدم بعض الحكومات القمع المباشر أيضًا.

فالإنسان في المجتمع الصناعي والاستهلاكي الحديث قد يجد نفسه محاصرًا بمنظومة لا تتوقف من العمل والإنتاج والاستهلاك والديون والالتزامات المادية.

وهكذا تدور حياته في دائرة لا تكاد تتوقف.

وقد يمتلك حرية اختيار ما يشتريه، وأين يقضي إجازته، وما يشاهده على شاشة هاتفه، ولكنه قد لا يمتلك الوقت أو الاستقلال الاقتصادي الكافي ليتوقف ويسأل:

لماذا أعيش بهذه الطريقة؟

ومن الذي حدد لي معنى النجاح والسعادة؟

وهل أملك حقًا حرية اختيار حياتي، أم أنني أتحرك داخل اختيارات صاغتها لي منظومة اقتصادية واجتماعية أكبر مني؟

وهذه ليست فكرة جديدة؛ فقد ناقش عدد من الفلاسفة والمفكرين المعاصرين كيف تستطيع السلطة أن تعمل من خلال

المؤسسات والانضباط والمراقبة والاستهلاك، وكيف يمكن للإنسان أن يتحول إلى أداة لإنتاج المزيد، بل وأن يستغل نفسه بنفسه وهو يظن أنه يمارس حريته.

ولعل ما حدث أثناء الحرب الصهيونية على الشعب الفلسطيني في غزة يقدم مثالًا كاشفًا لبعض هذه التناقضات.

فقد خرجت مظاهرات واسعة في أوروبا والولايات المتحدة احتجاجًا على الحرب وما تعرض له الفلسطينيون من قتل ودمار وتهجير ومعاناة إنسانية هائلة.

وشارك في هذه الاحتجاجات طلاب وأساتذة جامعات ومثقفون ومواطنون من اتجاهات وخلفيات مختلفة.

لكننا شاهدنا أيضًا اعتقالات، وفض اعتصامات، وعقوبات جامعية، وقيودًا على بعض المظاهرات وأشكال التعبير، وأثيرت منازعات قانونية وحقوقية حول حدود حرية الاحتجاج.

فما قيمة حرية التعبير إذا كانت تتسع حين يتفق المواطن مع السياسات الرسمية، ثم تضيق حين يعارضها في قضية تمس مصالح الحكومات وتحالفاتها؟

وهل يكفي أن تكون الحرية مكتوبة في الدساتير، أم أن قيمتها الحقيقية تظهر حين يستخدمها المواطن ضد إرادة السلطة؟

هنا نعود إلى السؤال الذي بدأنا منه.

إن الدولة الحديثة، سواء كانت سلطوية أو ديمقراطية، تمتلك أدوات هائلة لتنظيم حياة الإنسان وتوجيه سلوكه والتأثير في أفكاره،

وإن اختلفت طبيعة هذه الأدوات وحدود استخدامها ووسائل مقاومتها اختلافًا جوهريًا من نظام إلى آخر.

فالدولة السلطوية قد تطلب من المواطن الطاعة مقابل الأمن، بينما قد تدفعه المنظومة الاقتصادية والاستهلاكية في المجتمعات

الديمقراطية إلى الانشغال الدائم بالإنتاج والمعيشة، بما يحد من قدرته الفعلية على المشاركة والتأمل والاختيار.

في الحالتين يظل السؤال قائمًا:

هل الإنسان هو الغاية التي من أجلها وُجدت الدولة، أم أنه أصبح مجرد عنصر داخل منظومة كبرى مطلوب منه أن يعمل وينتج ويستهلك ويطيع؟

هل وظيفة الدولة أن توفر للإنسان شروط الحياة الكريمة الحرة، أم أن توفر له شروط البقاء داخل النظام الذي تديره؟

الأمن الحقيقي لا يتحقق فقط بأن يأمن الإنسان على طعامه وبيته وجسده، وإنما بأن يأمن أيضًا على حريته وكرامته وحقه في التفكير والتعبير والمشاركة في تقرير مصيره.

فالجائع ليس آمنًا من الجوع، والمريض الذي لا يجد علاجًا ليس آمنًا على صحته، والمواطن الذي يخشى أن يطالب بحقه ليس آمنًا من السلطة، والإنسان الذي لا يستطيع التفكير بحرية ليس آمنًا على عقله.

لهذا فإن الأمن والحرية والعدل والكفاية المعيشية والصحة ليست قيمًا متعارضة نختار إحداها ونضحي بالباقي، وإنما هي مقومات متكاملة لحياة الإنسان.
لم تكن المشكلة في خطبة الجمعة أنها تحدثت عن الأمن، فالأمن نعمة لا ينكرها عاقل، وإنما أنها اختزلت النصوص التي استشهدت بها في الأمن وحده، ثم انتقلت إلى ربط هذا الأمن بتربية الأبناء على الخضوع لمنظومة الحكم.

هنا تحول الحديث من شكر الله على نعمة الأمن إلى تصور سياسي وتربوي عن الإنسان الذي ينبغي أن تريده السلطة.

إننا لا نريد مجتمعًا تسوده الفوضى، ولا نريد أبناءً يعتدون على حقوق الآخرين أو يرفضون كل نظام، ولكننا لا نريد أيضًا أن يتحول احترام النظام إلى تقديس الحاكم، أو أن تتحول التربية إلى صناعة مواطن يخاف السؤال.

فالسجين قد يأكل ويشرب وينام، وقد تحرسه الأسوار من أخطار الخارج، ولكنه يظل سجينًا.

ولعل السؤال الذي كان ينبغي أن تطرحه خطبة الجمعة ليس فقط: كيف نحافظ على الأمن؟

بل أيضًا:

أمن من؟ ومن ماذا؟ ولصالح من؟

هل نريد أمن الإنسان من الجوع والمرض والخوف والظلم، أم نريد أمن السلطة من اعتراض الإنسان عليها؟

وهل نربي أبناءنا ليكونوا أحرارًا مسؤولين قادرين على التمييز بين الحق والباطل، أم نربيهم ليكونوا مطيعين لا يسألون؟

إن الفرق بين المجتمع الحر والسجن ليس أن الأول يأكل فيه الناس ويشربون وينامون، فهذه أمور قد تتوافر في الاثنين.

الفرق أن الإنسان في المجتمع الحر لا يحتاج إلى إذن من السجان لكي يفكر، ولا إلى رضا الحاكم لكي يطالب بحقه.

وهذا هو الأمن الذي يستحق أن نتحدث عنه من فوق المنابر.

شارك المقال:

شاركنا برأيك