علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
أحمد علام
أحمد علام

كاتب وسياسي

أحمد علام يكتب: بكالوريوس في حكم الشعوب… والشعب يقف انتباه

المسرحية، تتحدث أكاديمية تمنح الحكام شهادة تؤهلهم لحكم الشعوب. أما الآن، فقد اتسعت الفكرة لتشمل أئمة وزارة الأوقاف، والمعلمين، ومديري المدارس، وموظفي الدولة المدنيين، ثم إعداد مرشحين لرئاسة الجمهورية كل ذلك داخل الأكاديمية العسكرية.

مشاركة:
حجم الخط:

ظلمنا علي سالم عندما اعتبرنا مسرحيته «بكالوريوس في حكم الشعوب» (1978) مسرحية ساخرة.

يبدو أن الرجل كان يستشرف المستقبل ويقدم مشروعًا إداريًا طويل الأجل، لكننا انشغلنا بالضحك فلم ننتبه إلى إمكان تحويله إلى برنامج رئاسي رسمي.

المسرحية، تتحدث أكاديمية تمنح الحكام شهادة تؤهلهم لحكم الشعوب.

أما الآن، فقد اتسعت الفكرة لتشمل أئمة وزارة الأوقاف، والمعلمين، ومديري

المدارس، وموظفي الدولة المدنيين، ثم إعداد مرشحين لرئاسة الجمهورية كل ذلك داخل الأكاديمية العسكرية.

من المنبر إلى الفصل إلى المكتب إلى قصر الرئاسة، تتعدد الوظائف، وتتسع بوابة التأهيل الواحدة.

ولو امتد المنطق إلى نهايته، فلن يبقى خارج الدورة، سوى المواطن؛ وربما لأنه لم يتقدم بعد بطلب لمزاولة المواطنة.

المسألة تستحق سؤالًا جادًا وسط الضحك

ما الذي ينقص هذه المؤسسات جميعًا حتى تحتاج إلى المرور بالمؤسسة العسكرية؟

هل المشكلة في العلم، أم الإدارة، أم الانضباط؟

وإذا كان الخلل في الجامعات ومعاهد إعداد المعلمين ومؤسسات التدريب المدني، فلماذا لا نصلحها؟

أم أننا سنتركها تمنح الشهادات، على أن تمنح جهة أخرى شهادة صلاحية أصحاب الشهادات؟

يتخرج الإمام وقد درس علوم الدين، والمعلم وقد درس تخصصه وطرائق تدريسه، والموظف وقد اجتاز اختبارات وظيفته. ثم يكتشف الجميع أن ثمة

تأهيلًا إضافيًا يجمع بينهم.

هنا يحق لنا أن نسأل:

ما القاسم المشترك بين شرح آية، وتعليم طفل، وإدارة مصلحة، وحكم دولة، حتى تصبح المؤسسة العسكرية عنوانًا متكررًا لإعداد أصحاب هذه الوظائف؟

لا عيب في التدريب، والتعليم المستمر، ولا قداسة لشهادة جامعية تعفي صاحبها من التعلم، لكن قيمة التدريب تُقاس بصلته بالعمل، وبما يضيفه إلى

كفاءة صاحبه، وبقدرته على بناء حكم مستقل.

فالمعلم الجيد يحتاج إلى فهم الطفل الذي يسأل، والإمام يحتاج إلى إدراك أحوال الناس، والموظف يحتاج إلى خدمة المواطن الذي يعترض.

وكل هؤلاء يحتاجون أحيانًا إلى قول: التعليمات نفسها تحتاج إلى مراجعة.

فهل تتسع النظم لهذه الجملة؟

لنتخيل إعلانًا يقول: تعلن الأكاديمية عن فتح باب القبول لدفعة جديدة: أئمة، ومعلمون، وموظفون، ورؤساء جمهوريات.

يرجى تحديد الوظيفة

المطلوبة في الاستمارة، وإحضار المؤهل الأصلي وصورتين.

لنتخيل امتحان القبول:  اذكر ثلاثة أخطاء ارتكبتها الإدارة الحالية، واقترح بدائل لها.

سؤال ممتاز، يصلح لاختبار الاستقلال والكفاءة. لكن ماذا لو كانت الإجابة النموذجية: لم تقع أخطاء، وإنما عجز المواطنون عن فهم الإنجازات؟

هل يحصل صاحبها على الدرجة النهائية، أم يُعفى من الدراسة لأنه استوعب المقرر قبل دخوله؟

ثم ماذا عن طالب يرى أن دور المؤسسة العسكرية يجب أن يقتصر على اختصاصاتها العسكرية؟ هل يُعد صاحب تصور سياسي مشروع، أم يكون قد رسب؟

هذه، بالطبع، أسئلة ساخرة.

لكنها تختبر جوهر الفكرة: هل نُعد أشخاصًا يستطيعون الاختلاف مع السلطة، أم نُعد أشخاصًا أتقنوا لغتها؟

الأكاديمية العسكرية تؤدي وظيفة لازمة في إعداد الضباط، والانضباط فضيلة في موضعه. لكن الحياة السياسية تحتاج إلى المعارضة، وإلى صحافة

مزعجة، وإلى مواطن لا يقف انتباهًا عندما يسمع تصريحًا اقتصاديًا. فالدولة تضم جيشًا، وتضم كذلك جامعات ونقابات وأحزابًا ومصالح متعارضة.

وإدارتها تحتاج القدرة على سماع الاختلاف، لا مجرد إنهاء الطابور في موعده.

قد يتخرج الجميع بتقدير امتياز في فهم الدولة، ثم نختلف على معنى الدولة نفسها: هل هي المؤسسات التي تعمل عند الشعب، أم الشعب الذي ينبغي

تدريبه على التكيف مع المؤسسات؟

الانضباط لازم للعمل العسكري. والحياة المدنية تحتاج، حرية السؤال والاعتراض والتجربة. الطفل الذي يناقش معلمه ليس مشروع متمرد، والمواطن

الذي ينتقد حكومته ليس موظفًا خرج على تعليمات رئيسه. والرئيس يحتاج إلى سماع كلمة «لا» أكثر مما يحتاج إلى إتقان إلقاء الأوامر.

لقد ضاقت خشبة علي سالم بمسرحية عن تأهيل الحكام، فاتسع الواقع لتأهيل الإمام الذي يخاطب الناس، والمعلم الذي يربي أبناءهم، والموظف الذي

يدير مصالحهم، ثم الحاكم الذي سيحكمهم.

وبعد أن يحصل الجميع على شهادات التأهيل، يبقى الامتحان الحقيقي:

إذا قال الشعب للحاكم: لقد فشلت، فهل تُقبل إجابته، أم يُحال الشعب إلى دورة تأهيل؟

شارك المقال:

شاركنا برأيك