أيمن خالد: التفاوض العتبة الأولى في سلم النهاية
وقف التخصيب أو تصفيره، نقل أو تسليم المخزون المخصب، تفكيك المنشآت النووية، إخضاع كامل للرقابة الدولية، تقييد البرنامج الصاروخي، وتقليص النفوذ الإقليمي

إيران تعرف لماذا لا تضع قدمها عليها
بعد إخراج الجيش العراقي من الكويت في 26 فبراير 1991، لم تتوقف الحرب عند وقف إطلاق النار في صفوان، بل بدأت المرحلة الأخطر: مرحلة إعادة تقييد الدولة عبر القانون الدولي والضغط المستمر.
ماذا قدم العراق في التفاوض
فُرض على العراق نزع كامل لأسلحة الدمار الشامل، وتفكيك البرنامج النووي، وفتح أبواب التفتيش الدولي بلا سقف، مع حصار اقتصادي خانق وتعويضات مالية مرهقة، وتقييد للسيادة الجوية عبر مناطق الحظر.
لم تكن هذه إجراءات عابرة، بل منظومة ضغط متكاملة أضعفت الدولة تدريجيًا، حتى انتهت بعد سنوات بإسقاط النظام.
أولاً: ماذا يُراد لإيران اليوم؟
عند قراءة ما يُطرح الآن، سواء عبر التصريحات أو التسريبات، يتضح أن المنهجية ذاتها تعود بصيغة أكثر حدّة: وقف التخصيب أو تصفيره، نقل أو تسليم المخزون المخصب، تفكيك المنشآت النووية، إخضاع كامل للرقابة الدولية، تقييد البرنامج الصاروخي، وتقليص النفوذ الإقليمي. الفارق ليس في جوهر الشروط، بل في طبيعتها؛ فهي لا تستهدف تعديل السلوك فحسب، بل إعادة تعريف موقع الدولة ودورها في الإقليم.
ثانياً: التشابه الصادم
ما جرى في العراق كان مسارًا واضح المعالم: ضربة عسكرية، وقف إطلاق نار، شروط دولية قاسية، لجان تفتيش، سنوات استنزاف، ثم انهيار النظام. واليوم، يظهر المشهد الإيراني وكأنه يسير على خط مشابه: قصف مكثف، حديث عن مفاوضات، شروط تتسرب تباعًا، وضغط دولي يتصاعد. ليس التطابق حرفيًا، لكنه في المنهجية لافت إلى حد القلق.
ثالثاً: لكن هل إيران هي العراق؟
هنا تكمن نقطة الفصل. إيران ليست العراق عام 1991؛ فهي تمتلك عمقًا إقليميًا، وشبكة حلفاء، وخبرة مع العقوبات، وإن كانت أخف من عقوبات العراق، والأهم أنها عايشت تجربة العراق وتدرك مآلاتها. هذا يجعلها أكثر حذرًا في التعاطي مع أي مسار قد يقود إلى تفكيك تدريجي لقدرتها تحت عنوان التفاوض.
رابعاً: السؤال الحاسم
هل تقبل إيران بمسار يقوم على تفكيك قدراتها مقابل بقاء النظام؟ أم تختار الاستمرار في المواجهة، مع ما يحمله ذلك من كلفة مفتوحة وزمن غير محسوب؟ هذا السؤال لم يعد نظريًا، بل بات يتشكل على الأرض مع كل ضربة وكل تصريح.
خامساً: القراءة الواقعية
إذا قبلت إيران بهذه الشروط، فإننا سنكون أمام سنوات من التفتيش والتقييد وإعادة تشكيل البنية الاستراتيجية للدولة، مسار قد ينتهي – كما في الحالة العراقية – إلى إضعاف النظام ثم إسقاطه لاحقًا. أما إذا رفضت، فإن المواجهة لن تتوقف، بل قد تتحول إلى استنزاف طويل أو صراع مفتوح متعدد الجبهات، حيث لا يكون الحسم سريعًا ولا الكلفة محدودة.
الخلاصة
ما يُطرح على إيران اليوم لا يبدو اتفاقًا تقنيًا محدودًا، بل مسارًا طويلًا يبدأ بتفكيك القدرة وينتهي بإعادة تشكيل الدولة. وبين القبول والرفض، تقف إيران أمام مفترق تاريخي، لا يحدد مصيرها فقط، بل يرسم ملامح الإقليم لسنوات قادمة.






