مقالات
د. أيمن خالد
د. أيمن خالد

باحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي

من يحدد نهاية الحرب؟

ن السؤال “من يحدد نهاية الحرب؟” لا يمكن الإجابة عليه بإشارة إلى طرف واحد، بل هو نتاج معادلة معقدة تتداخل فيها القوة العسكرية، والإرادة السياسية، والتوازنات الدولية.

مشاركة:
حجم الخط:

مآلات المواجهة الهجينة بين الحسم العسكري وتوازنات النظام الدولي

لم تعد الحروب الحديثة تُقاس ببداياتها بقدر ما تُقاس بنهاياتها، ولا تُحسم فقط في ميادين القتال، بل في غرف القرار الدولي حيث تُرسم ملامح التسويات وتُفرض شروط ما بعد الصراع. وفي المواجهة الدائرة اليوم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يتقدم سؤال جوهري يعلو على كل تفاصيل الميدان: من يحدد نهاية الحرب؟

إن طبيعة هذه الحرب لم تعد تقليدية، بل هي مواجهة هجينة تجمع بين الضربات العسكرية، والاغتيالات النوعية، والحرب السيبرانية، والضغط الاقتصادي، والتلاعب بالسرديات الإعلامية. وهذا التعقيد يجعل من مسألة إنهاء الحرب أكثر صعوبة، لأنها لا تتوقف على تدمير هدف أو إسقاط موقع، بل على تحقيق غايات استراتيجية عميقة لم تُعلن بالكامل حتى الآن.

أولاً: الحرب الهجينة… عندما تختفي الأهداف خلف العناوين

المعلن في هذه المواجهة يدور حول ملفات واضحة:
البرنامج النووي الإيراني، الصواريخ الباليستية، وأذرع إيران الإقليمية. لكن حجم التصعيد، ونوعية الاستهداف، واتساع رقعة العمليات، كلها تشير إلى أن الأهداف الحقيقية قد تكون أعمق بكثير مما هو ظاهر.

فالحروب الكبرى في التاريخ لم تبدأ غالباً بالأسباب التي انتهت بها.
الحرب العالمية الأولى بدأت باغتيال، لكنها انتهت بإعادة رسم خريطة أوروبا.
وغزو العراق عام 2003 رُوّج له تحت عنوان أسلحة الدمار الشامل، لكنه انتهى بإعادة تشكيل النظام السياسي للدولة.

وفي الحالة الإيرانية، قد لا يكون الهدف فقط تقييد البرنامج النووي، بل إعادة تعريف دور إيران بالكامل داخل النظام الإقليمي والدولي، أو حتى دفعها إلى إعادة صياغة نظامها السياسي من الداخل.

ثانياً: من يملك قرار إنهاء الحرب؟

إن إنهاء الحروب لا يتم بالضرورة عندما يتوقف القتال، بل عندما تتحقق الغايات الاستراتيجية للطرف الأقوى. وفي هذا السياق، فإن الولايات المتحدة، بوصفها القوة القائدة للتحالف، تمتلك الأدوات الأكثر تأثيراً في تحديد مسار النهاية، سواء عبر:
• فرض وقائع عسكرية حاسمة
• أو الذهاب إلى تسوية سياسية بشروط محددة
• أو نقل الملف إلى الأطر الدولية لشرعنة النتائج

لكن هذا لا يعني أن القرار أمريكي صرف، فهناك عوامل أخرى مؤثرة:
• قدرة إيران على الصمود أو الرد
• موقف الحلفاء الإقليميين
• توازنات القوى الكبرى في النظام الدولي

فالحروب الكبرى لا تنتهي بقرار أحادي، بل بتقاطع مصالح القوى المؤثرة.

ثالثاً: الضربة الحاسمة… بين الممكن والمفاجأة

من السيناريوهات المطروحة بقوة هو الحسم عبر ضربة استراتيجية شاملة، تقوم بها الولايات المتحدة وإسرائيل، تستهدف البنية العسكرية والنووية والقيادية لإيران بشكل متزامن، بما يؤدي إلى شلّ قدرتها على الرد أو إعادة تنظيم نفسها.

هذا السيناريو ليس مستبعداً في ظل:
• التطور الهائل في القدرات التقنية والعسكرية
• تفوق الاستخبارات في تحديد الأهداف
• القدرة على تنفيذ عمليات دقيقة عالية التأثير

لكن التاريخ يعلمنا أن الضربات الحاسمة لا تضمن دائماً نهاية الحروب.
فاليابان لم تستسلم إلا بعد استخدام السلاح النووي،
وفيتنام لم تُهزم رغم التفوق الأمريكي،
وأفغانستان تحولت إلى مستنقع أنهك قوى عظمى متعاقبة.

وهنا يبرز احتمال أن تتحول الحرب إلى استنزاف طويل إذا لم تحقق الضربة الحاسمة أهدافها بشكل كامل.

رابعاً: الصين وروسيا… بين الترقب واستثمار الاستنزاف

لا يمكن قراءة نهاية هذه الحرب دون النظر إلى موقف الصين وروسيا، اللتين تمثلان الطرف الآخر في معادلة التوازن الدولي. فهاتان القوتان لا تنظران إلى الصراع فقط من زاوية إيران، بل من زاوية إضعاف الولايات المتحدة واستنزافها.

التاريخ يقدم شواهد واضحة:
الاتحاد السوفيتي استنزف في أفغانستان،
والولايات المتحدة استنزفت في العراق وأفغانستان، والقوى الكبرى غالباً ما تقع في فخ الحروب الطويلة خارج بيئاتها.

ومن هنا، قد ترى الصين وروسيا في هذه الحرب فرصة لـ:
• توريط الولايات المتحدة في صراع ممتد
• إعادة توزيع موازين القوة العالمية
• كسب الوقت لتعزيز حضورهما الاقتصادي والعسكري

لكن في المقابل، فإنهما تدركان أيضاً أنَّ انهياراً كاملاً للنظام الإيراني قد يخل بالتوازن الإقليمي ويمنح الولايات المتحدة تفوقاً إضافياً، وهو ما يجعلهما تتحركان بحذر بين الدعم غير المباشر وتجنب المواجهة المباشرة.

الخلاصة: نهاية الحرب ليست عسكرية فقط

إن السؤال “من يحدد نهاية الحرب؟” لا يمكن الإجابة عليه بإشارة إلى طرف واحد، بل هو نتاج معادلة معقدة تتداخل فيها القوة العسكرية، والإرادة السياسية، والتوازنات الدولية.

فقد تنتهي الحرب عندما:
• تحقق الولايات المتحدة أهدافها الاستراتيجية
• أو عندما تفشل في الحسم وتضطر إلى تسوية
• أو عندما تتدخل القوى الكبرى لفرض توازن جديد

لكن المؤكد أن نهاية هذه الحرب لن تكون مجرد وقف لإطلاق النار، بل ستكون بداية لمرحلة جديدة يعاد فيها تعريف موازين القوى في المنطقة وربما في النظام الدولي كله.

وهنا يبقى السؤال مفتوحاً:

هل نحن أمام حرب ستنتهي بضربة حاسمة، أم أمام مستنقع جديد يعيد كتابة تاريخ الصراع بين القوى الكبرى؟

شارك المقال: