ترجمات

بين سندان الحرب ومطرقة الردع: الخليج في مهب العاصفة الإقليمية

تقرير مجلة "إيكونوميست" يضعنا أمام واقع جديد، حيث تحولت التهديدات التي كانت تُناقش في الغرف المغلقة إلى انفجارات حقيقية فوق العواصم الخليجية

مشاركة:
حجم الخط:

قالت مجلة “إيكونوميست” إنه في لحظة تاريخية فارقة، وجدت دول الخليج العربي نفسها فجأة خارج “واحة الاستقرار” التي حاولت الحفاظ عليها لسنوات. لم يعد السؤال اليوم “هل تندلع الحرب؟”، بل بات “كيف تنجو المنطقة من تداعيات الانزلاق إلى صراعٍ لم تختره؟”. تقرير مجلة “إيكونوميست” يضعنا أمام واقع جديد، حيث تحولت التهديدات التي كانت تُناقش في الغرف المغلقة إلى انفجارات حقيقية فوق العواصم الخليجية.

مشهد الحرب: عندما تصبح المخاوف واقعاً ملموساً

في صباح 28 فبراير، تبددت جهود التهدئة التي استمرت لأشهر. استيقظت المنطقة على وقع غارات أمريكية وإسرائيلية مكثفة استهدفت بنية إيران العسكرية وقياداتها. لم تكن الصدمة في الهجوم ذاته، بل في سرعة واتساع نطاق الرد الإيراني، الذي لم يكتفِ بمواجهة المهاجمين، بل اتخذ من دول الخليج “ساحة رد”.

دوت صفارات الإنذار، وتراقصت الصواريخ الاعتراضية في سماء أبوظبي والرياض والمنامة، مخلفة وراءها ذعراً في الشارع الخليجي وحطاماً في الأرواح والممتلكات، في مشهدٍ كان القادة الخليجيون يستميتون لمنعه عبر دبلوماسية مكوكية لم تنجح في لجم رغبة واشنطن أو طهران.

منطق طهران: لماذا يُستهدف “الحليف” قبل “العدو”؟

تتبع إيران في هجماتها ضد الجيران استراتيجية ذات شقين، تعتمد على مبدأ “الضغط بالوكالة”:

  1. ورقة القواعد العسكرية: تنظر طهران إلى وجود القواعد الأمريكية (مثل الأسطول الخامس في البحرين، وقاعدة العديد في قطر) كهدف مشروع. بالنسبة للإيرانيين، لا فارق بين القاعدة وبين الدولة المضيفة، خاصة بعد وصول تعزيزات جوية أمريكية مؤخراً لقواعد الظفرة والأمير سلطان.

  2. الضغط على ترامب: تراهن طهران على أن استهداف الدول الحليفة للولايات المتحدة سيخلق ضغطاً اقتصادياً وأمنياً هائلاً على واشنطن، مما قد يجبر الرئيس ترامب على العودة لطاولة المفاوضات طلباً للتهدئة بدلاً من التصعيد.

دبلوماسية اللحظات الأخيرة: لماذا فشلت مساعي عُمان؟

حتى الساعات الأخيرة، كانت مسقط تقود جهوداً مضنية للتوصل إلى اتفاق نووي يحيد المنطقة عن صراع مفتوح. ورغم تفاؤل وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي بأن الاتفاق كان “في متناول اليد”، إلا أن الفجوة بين الأهداف الإيرانية والاشتراطات الأمريكية (التي تحولت من “الحد من التسلح” إلى “تغيير النظام”) كانت أكبر من أن تردمها الدبلوماسية.

لقد كان واضحاً أن الإدارة الأمريكية، في ظل أجواء الحرب، لم تعد معنية باتفاق نووي، بل تسعى لإعادة صياغة المشهد الإيراني بالكامل، مما جعل المسار الدبلوماسي العماني “ميتاً إكلينيكياً”.

الاقتصاد في خطر: الممرات الحيوية تحت التهديد

لم يعد التهديد عسكرياً بحتاً، بل امتد ليشل العصب الاقتصادي للمنطقة:

  • الطيران: تعليق المجال الجوي في قطر والإمارات أدى إلى اضطراب في حركة الطيران العالمية.

  • الطاقة: بدأت ناقلات النفط تتجنب مضيق هرمز، مما يشير إلى أن إيران قد لا تكتفي بضربات محدودة، بل قد تتجه لإغلاق الممر المائي الاستراتيجي الذي يغذي العالم بثلث النفط الخام.

المعضلة الخليجية: هل انتهى زمن الحياد؟

يواجه حكام الخليج اليوم مأزقاً استراتيجياً وجودياً. فبعد سنوات من سياسة “تصفير المشاكل” والانفتاح الدبلوماسي مع إيران، يجدون أنفسهم اليوم في مرمى النيران.

  • انقسام الرؤى: في وقت لا تزال فيه بعض العواصم الخليجية تتمسك ببقايا الدبلوماسية، بدأت أصوات أخرى ترتفع بضرورة “حسم الموقف”.

  • التحول المحتمل: ثمة تيار صاعد يرى أن الحياد لم يعد خياراً متاحاً. فإذا كانت طهران قد اختارت استهداف الخليج بالفعل، فقد تدفع هذه الغارات الدول الخليجية إلى رفع القيود عن استخدام قواعدها العسكرية من قبل الولايات المتحدة، والانحياز الصريح للمعسكر الغربي، وهو ما قد يجر المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة لم تكن يوماً جزءاً من خططها.

خلاصة القول: إن الخليج اليوم يقف أمام مفترق طرق حاد؛ فإما أن تنجح ضغوط “الأيام الأولى للحرب” في احتواء الموقف قبل أن يتمدد، أو أن المنطقة مقبلة على حقبة جديدة تماماً، حيث لم تعد الدبلوماسية كافية لحماية المصالح الوطنية من نيران الجغرافيا السياسية.

شارك المقال: