مقالات

الدراما الرمضانية بين التنوير و صناعة البلطجة!

لدراما العربية تقف اليوم على مفترق طرق: إما أن تكون أداة تنوير تساهم في بناء إنسان واعٍ، قادر على التمييز بين الحق والباطل، وإما أن تتحول إلى مصنع ضخم ينتج نماذج مشوهة ترى في البلطجة منهج حياة.

مشاركة:
حجم الخط:

 بقلم: محمود عبداللطيف

مع كل موسم درامي، وخاصة في مواسم الذروة مثل رمضان، يشتعل الجدل حول دور “الصناعة الفنية” في تشكيل الوعي الجمعي. ليست المسألة مجرد تسلية تقضي بها العائلات ساعات المساء، بل هي معركة خفية تدور رحاها خلف الشاشات، بين قلم كاتب يحمل همّ التنوير، ومنتج يبحث عن “الإثارة” الرخيصة، وبين مخرج يوازن بين الجمال الفني وجاذبية العنف.

لطالما اعتُبرت الدراما مرآة للمجتمع، ولكن السؤال الجوهري اليوم: هل هي مرآة تعكس الواقع لتنقده وتصلحه، أم هي ورشة لتصنيع واقع جديد قائم على “تقديس القوة” و”تجميل البلطجة”؟

إشكالية البطل “الضد”

في الماضي، كانت الدراما تقدم “البطل” كنموذج يُحتذى به؛ المناضل، المصلح، أو حتى الإنسان البسيط الذي ينتصر لكرامته بالحق. أما اليوم، فقد شهدنا تحولاً خطيراً في بنية الشخصيات. غزا الشاشة “الأنتي هيرو” (البطل المضاد) بقوة، ولكن ليس بالشكل الفلسفي المعقد الذي يطرح أسئلة أخلاقية، بل بشكل مبسط يقدس “البلطجي” كصاحب نفوذ.

أصبحت المشاهد التي يتفاخر فيها البطل بقدرته على كسر القانون، واستخدام العنف كأول حل للنزاع، واستخدام الألفاظ النابية كدليل على “الرجولة” أو “الهيبة”، هي المشاهد الأكثر تداولاً على وسائل التواصل الاجتماعي. هنا لا تعود الدراما تسجل ظاهرة اجتماعية سلبية لتحذير الناس منها، بل تقدمها مغلفة بإضاءة سينمائية جذابة، وموسيقى حماسية، وحوارات ذكية تجعل المتعاطف مع المجرم هو الغالب، والضحية مجرد رقم في معادلة القوة.

التنوير.. مجرد شعارات؟

في المقابل، توجد محاولات جادة لتقديم أعمال تنويرية تتناول قضايا الإرهاب، التطرف، الفساد، وقضايا المرأة. ولكن غالباً ما تقع هذه الأعمال في فخ “المباشرة” و”الوعظ المباشر”، مما يفقدها جاذبيتها الدرامية، أو تُدفن بين عشرات الأعمال التجارية التي تغرق السوق.

التنوير في الدراما لا يعني تقديم محاضرات أخلاقية، بل يعني تقديم إنسان معقد، يظهر فيه انتصار العقل على الغريزة، والقانون على الفوضى، والحوار على الرصاص. التنوير هو أن يرى المشاهد عواقب “البلطجة” بوضوح، لا أن يراها طريقاً مختصراً للشهرة والثراء والسلطة.

تأثير “التطبيع” مع العنف

يُحذر علماء الاجتماع والنفس من ظاهرة “التطبيع” (Normalization). عندما يتكرر مشهد البلطجة يومياً على الشاشة، ويخرج البطل المجرم من الحلقة حياً ومكرماً، يبدأ اللاوعي الجمعي، وخاصة لدى الشباب والمراهقين، في تقبل هذه السلوكيات كجزء من “لغة الشارع” و”قانون الغاب”.

 

نحن لا نتحدث عن علاقة سببية مباشرة (مشاهدة مسلسل = جريمة)، ولكننا نتحدث عن “تآكل الحواجز الأخلاقية”. عندما يصبح “البلطجي” هو النجم، و”الرجل الهادئ” هو الخاسر في المعادلة الدرامية، فإننا نصنع جيلاً يرى في العنف لغة شرعية للتعبير عن الذات.

السوق والخوارزميات

لا يمكن إغفال العامل الاقتصادي. في عصر المنصات الرقمية و “التريند”، أصبحت الإثارة هي العملة الأهم. المنتجون يدركون أن مشهداً فيه إطلاق نار أو إساءة يجلب تفاعلاً أكثر من مشهد حوار هادئ حول العدالة.

الخوارزميات لا تميز بين “الفن الهادف” و”الفن المثير”، بل تقيس وقت المشاهدة والتفاعل. هذا الضغط التجاري يدفع الكتاب والمخرجين أحياناً لتقديم تنازلات تخدم “صناعة البلطجة” على حساب الرسالة الفنية.

*نحو عقد اجتماعي جديد*

الحل لا يكمن في الرقابة القمعية التي قد تخنق الإبداع، بل في “الرقابة الذاتية” و”الضمير المهني”. يحتاج صناع الدراما إلى إدراك أن الفن مسؤولية قبل أن يكون تجارة. كما أن على النقاد والجمهور دوراً في مكافأة الأعمال الجادة ومقاطعة الأعمال التي تروج للعنف دون نقد.

الدراما العربية تقف اليوم على مفترق طرق: إما أن تكون أداة تنوير تساهم في بناء إنسان واعٍ، قادر على التمييز بين الحق والباطل، وإما أن تتحول إلى مصنع ضخم ينتج نماذج مشوهة ترى في البلطجة منهج حياة.

الشاشة قد تكون زجاجاً، لكنها قد تكون أيضاً سلاحاً. والاختيار بين أن تكون مرآة للحقيقة أو مطرقة لكسر القيم، هو إختيار “Choice” يقع على عاتق من يمسك القلم والكاميرا قبل أن يقع على عاتق من يمسك جهاز التحكم.

د. محمود عبد اللطيف كاتب المقال
شارك المقال: