حافظ المرازي يكتب: الجزيرة “لايت” وفن تقديم كل وجهات النظر بدون زعل
الكل هنا يسير على أطراف أصابعه في الأسئلة من الاستوديو والأجوبة خصوصا مراسل صنعاء، وهو حرص ربما كان دافعه البرئ عدم إفساد المنظر أو اللقطة، وخسارة المراسل في كل تلك المدن لترخيصه، إن لم يكن حريته!
قناة الجزيرة تغطي أحداث إيران بمنطق 7 مقابل 1
من فترة لأخرى، تفصلها احيانا أسابيع وشهور، وأحيانا سنوات، اتابع بتركيز البث الحي لقناة الجزيرة “الأصلية” سابقا، بشكل يذكرني بالمقارنة لدى الجيل
القديم بين السجائر القوية والخفيفة وكذلك المشروبات مثل كوكا كولا Original “الأصلية” وكوكاكولا Light الخفيفة!
تابعتها اليوم، فأعجبني صراحة على الشاشة ما قد يصعب على قناة إخبارية عربية أخرى، فعله وإظهاره:
في تغطية حرب اليمن: مراسلو القناة نفسها على الهواء من مدن الأضداد
-الرياض (الموقف السعودي)
– تعز (المدينة التي تسيطر عليها
حكومة الائتلاف اليمني المدعوم خليجيا)
– صنعاء (العاصمة التي يحكمها “أنصار الله” (المعروفون بالحوثيين).
المنظر رائع! ونموذج حي للرأي (وبالأحرى هنا للرأييّن) والرأي الآخر
هو طبعا أفضل من رأي واحد (معلق إيراني) مقابل سبعة في برنامج “نقاش الساعة”
لكن الكل هنا يسير على أطراف أصابعه في الأسئلة من الاستوديو والأجوبة خصوصا مراسل صنعاء، وهو حرص ربما كان دافعه البرئ عدم إفساد المنظر أو اللقطة، وخسارة المراسل في كل تلك المدن لترخيصه، إن لم يكن حريته!
لكنك تشعر بالفارق أوضح بين مذاق كولا الأصلية وكولا الخفيفة أو المنظر والماركة فقط، حين تنتقل تغطية الفترة الإخبارية إلى الشأن المصري، ومناقشة دعوة الرئيس السيسي مجلس النواب لجلسة طارئة لتفويضه بالدفاع العسكري عن السعودية:
أول ملاحظة شكلية، كانت غياب مراسل من القاهرة، رغم المصالحة الحكومية، ورغم وجود مراسلين للقناة في الرياض وطهران وصنعاء وتعز!
لكن المذيعة استضافت في الاستودبو مدير مكتب القاهرة السابق الأستاذ عبد الفتاح فايد للتحدث عن الجلسة الأولى للبرلمان، وتوقع ان تمتد ليومين لإعطاء فرصة لسماع كل آراء النواب.
طبعا التبرير جميل يدل على الديمقراطية النيابية التي يدرك مراسل القناة رغم ذلك أنه شخصيا لايستطيع العودة لبلده كمؤشر على مدى الالتزام بسيادة القانون وقبول سماع كل الآراء!
ثانياً، عوًّضت القناة غياب مراسليها عن القاهرة، باستضافة ضيفيّن على الهواء بالفيديو عن بعد من العاصمة المصرية، ويُفترض ان يقدما وجهتي نظر كل من الحكومة والمعارضة.
ضيف الرأي الحكومي، كما تم تقديمه: اللواء محمد عبدالواحد خبير الأمن والشئون الاستراتيجية. قدم برصانة وهدوء ما يمكن توقعه من خلفيته بدعم حاجة الأمن القومي المصري لدعم الأمن السعودي والخليجي والدفاع عنه.
لكن المفاجأة، لمن كان يتوقع ان يكون الرأي الآخر من كولا الأصلية، أن الضيف الذي يُفترض تمثيل المعارضة في تلك الفقرة وهو الأستاذ خالد داود، المراسل السابق لقناة الجزيرة بواشنطن، والذي سبق سجنه سياسيا في مصر لسنة ونصف في سبتمبر 2019 ضمن موجة اعتقالات شملت عددا من المعارضين رغم تأييدهم نظام يوليو 2013.
اكتفت المذيعة بتقديمه بصفته: “الكاتب الصحفي ومدير تحرير الأهرام ويكلي” من القاهرة
المفاجأة لي كانت براعة وبلاغة الأستاذ خالد في توضيح مدى أهمية قرار الرئيس، الذي طلب تفويض البرلمان له، للدفاع عن السعودية لأهمية ذلك
للأمن القومي العربي، واضاف لذلك اهمية القرار لمصالح ملايين المصريين الذين يعملون في الخليج، بجانب ان مواطنة مصرية (مضيفة طيران) قُتلت
بقصف الحوثي لمطار الرياض.
ورغم إشارة أ. خالد العابرة لتخوف البعض في مصر من هاجس الماضي والتدخل المصري في اليمن في الستينيات، لكنه في مجمل حواره فاق بكثير المبررات التي قدمها الجنرال الأمني المصري لأهمية التدخل ودعم قرار الرئيس!
طبعا، هذا رأيه ولا يمكن التشكيك في صدق دوافعه ومبرراته، لكن هل كانت هذه غلطة الجزيرة في عدم وجود وجهة نظر مصرية معارضة وهي كثيرة
ضد التدخل المصري المطلوب تمريره ومبرراته، أم أن اختيارها للضيوف، وهي تعرف انهم مؤيدون في هذه النقطة، مقصود به إبقاء نكهة وشكل تقديم
شخصيات المعارضة، مثل ماركة كولا الأصلية، لكن مع ضمان ان يصب المضمون رغم اللافتات المرفوعة للرأي والرأي الآخر في توجه القناة بعد مصالحة
قمة العُلا، بألا تغضب او “تزعل” أحدا… بمذاقها القديم المر. وأصبح المطلوب دبلوماسيا، وكأن القناة تديرها وزارة خارجية، ضرورة اللطف مع وجود كل
المبعوثين في لقطة حلوة المذاق وخفيفة “لايت” يمكن تمريرها للمشاهد المهتم بالصورة في مكتبه مع إسكات الصوت، ولمن يهتم باللقطة ولايعرف او
يمكنه كشف أن هذا ليس المذاق الأصلي للماركة، ومفهوم التعدد الحقيقي في المضمون لا الشكل لاختلاف الآراء وتنوعها!
شاركنا برأيك