علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

معتز منصور يكتب: عرق اليمنيين ليس صك براءة للسعودية

وجود سوق عمل يستوعب عمالا يمنيين لا يثبت، في حد ذاته، أن السياسة السعودية تجاه اليمن كانت سياسة دعم وبناء.

مشاركة:
حجم الخط:

من أكثر أشكال التلاعب السياسي دلالة أن تتحول معاناة شعب إلى حجة للدفاع عن الدولة التي شاركت في الحرب على بلده، وأن يصبح اغتراب أبنائه وعملهم الشاق خارج وطنهم دليلا على فضل تلك الدولة، بدلا من أن يكون مدخلا لفهم الظروف التي دفعتهم إلى الاغتراب، والسياسات التي ساهمت في إنهاك بلادهم. هذه هي الوظيفة التي يؤديها الخطاب الذي يستدعي وجود نحو مليوني يمني في السعودية، وتحويلات العاملين منهم إلى أسرهم، ليقدم المملكة باعتبارها داعما لليمن واليمنيين، ويستخلص من ذلك تبرئة سياسية لا تسندها الأرقام نفسها.

المشكلة ليست في أن يعمل اليمنيون في السعودية، ولا في أن تكون تحويلاتهم مصدرا مهما لدخل أسرهم، فهذه حقيقة اقتصادية واجتماعية لا تحتاج إلى إنكار. المشكلة في مصادرة دلالة هذه الحقيقة، وانتزاعها من سياقها الإنساني والاقتصادي، ثم توظيفها في رواية سياسية تنسب إلى الدولة ما صنعه العمال بأيديهم، وتحول حاجتهم إلى العمل إلى امتنان مفترض، ووجودهم في سوق العمل إلى شهادة لصالح السياسات السعودية تجاه اليمن.

العامل اليمني لم يعبر الحدود بحثا عن دور في حملة علاقات عامة سعودية، ولم يترك أسرته ووطنه ليمنح السلطة السعودية رصيدا سياسيا.

هو يبحث عن رزقه، ويبيع جهده ووقته وقدرته على العمل في سوق تحكمه المصالح والقوانين وشروط الإقامة والعمل. وما يحوله إلى أسرته ليس منحة من خزائن الأمراء، وإنما جزء من أجر اكتسبه بجهده، وربما اقتطع من حاجاته الشخصية كي يوفر لأبنائه ما لا يستطيع توفيره لهم في وطن أنهكته الحرب والأزمة الاقتصادية.

هذه نقطة جوهرية يجري القفز فوقها عمدا أو تجاهلا: التحويلات المالية ملك لأصحابها، وليست مكرمة سياسية من الدولة التي يعملون داخلها. ومن حق السعودية أن تتحدث عن فرص العمل المتاحة على أراضيها، كما أن من حق أي دولة أن تنظم سوق عملها وفق مصالحها، لكن لا يترتب على ذلك أن تتحول علاقة العمل إلى منّة، أو أن يصبح أجر العامل دينا سياسيا عليه، أو أن يُطلب من اليمني أن يدفع من موقفه وكرامته ثمن لقمة العيش التي كسبها بعرقه.

الأكثر دلالة أن هذه الرواية تنقل النقاش من السؤال عن السياسات السعودية تجاه اليمن إلى سؤال مختلف تماما: كم يمنيا يعمل في السعودية، وكم من الأموال يرسل إلى بلده؟ وكأن حجم التحويلات يكفي وحده للحكم على طبيعة العلاقة بين البلدين، أو لمحو آثار الحرب، أو لإثبات أن المملكة كانت تعمل لمصلحة اليمنيين. لكن الأرقام الاقتصادية لا تمنح هذه النتيجة تلقائيا، ولا يجوز تحويلها إلى بديل عن مساءلة السياسات والنتائج.

وجود سوق عمل يستوعب عمالا يمنيين لا يثبت، في حد ذاته، أن السياسة السعودية تجاه اليمن كانت سياسة دعم وبناء.

وتحويلات هؤلاء العمال لا تمحو ما تعرض له المدنيون اليمنيون من قتل ودمار، ولا تعيد ما تهدم من بنية تحتية، ولا ترفع عن الأطراف التي شاركت في الحرب مسؤولية آثارها. هذه ملفات مختلفة، لكل منها وقائعه ومعاييره، ولا يجوز استخدام حقيقة في ملف اقتصادي لإغلاق ملف سياسي وإنساني آخر.

لقد قادت السعودية التحالف العسكري الذي تدخل في اليمن عام 2015، في سياق الحرب التي تفاقمت معها الكارثة الإنسانية وتعرض المدنيون والبنية التحتية لأضرار واسعة وثقتها تقارير أممية. ومهما اختلفت التفسيرات السياسية للحرب، أو تعددت الأطراف اليمنية والإقليمية المشاركة في الصراع، فإن ذلك لا يمنح السعودية حصانة من المساءلة عن دورها، ولا يسمح بتحويل عمل اليمنيين داخل أراضيها إلى جواب جاهز عن كل سؤال يتعلق بمسؤوليتها تجاه اليمن.

بل إن المفارقة الأعمق أن الخطاب الذي يتباهى بتحويلات اليمنيين يتعامل معهم بوصفهم رقما حين يريد إثبات الفضل، ولا يمنح ظروفهم الإنسانية والاقتصادية الوزن نفسه حين يتعلق الأمر بحقوقهم ومصالحهم. فالعامل الذي يغادر بلده مضطرا إلى البحث عن فرصة عمل، ويظل مصدر دخله مرتبطا باستمرار قدرته على العمل والإقامة، ليس طرفا متكافئا في علاقة سياسية بين دولتين. إنه إنسان له احتياجات ومخاوف وحقوق، وقدرة محدودة على تحمل تبعات القرارات التي تتخذها السلطات. وليس من الإنصاف أن تتحول هشاشة وضعه الاقتصادي إلى وسيلة لإسكاته أو لإحراجه أخلاقيا كلما انتقد سياسات المملكة.

والأمر لا يتوقف عند استغلال صورة العامل اليمني، بل يتصل بمحاولة أوسع لإعادة تعريف العلاقة بين السعودية واليمن من خلال انتقاء الوقائع التي تخدم الرواية المراد تسويقها. تُستدعى التحويلات لإثبات الكرم، ويُستدعى وجود العمال لإثبات حسن الجوار، ثم يجري تقديم هذه الوقائع كما لو أنها توازن تلقائيا كلفة الحرب وما خلفته من دمار ومعاناة. هكذا تُختزل علاقة شديدة التعقيد في حساب دعائي بسيط: ما دام هناك يمنيون يعملون في السعودية ويرسلون الأموال إلى أسرهم، فلا يحق لأحد اتهام المملكة بالإضرار باليمن.

لكن هذا المنطق لا يصمد أمام أبسط اختبار. فالدول لا تُقاس سياساتها تجاه الشعوب بعدد العمال الذين تستقبلهم وحده، كما لا تُقاس مسؤوليتها عن الحروب بما تقدمه أسواق العمل من فرص. المعيار هو مجمل السياسات ونتائجها، وما تتركه من آثار على أمن الشعوب وسيادتها وحقها في الحياة. وقد يستفيد عامل من فرصة عمل في دولة ما، بينما يتضرر وطنه من سياسات الدولة نفسها في مجال آخر. لا تناقض في ذلك، ولا يلزم من أحد الأمرين نفي الآخر.

ثم إن تحميل اليمنيين واجب الامتنان السياسي مقابل فرص العمل يطرح سؤالا لا يريد أصحاب هذا الخطاب الإجابة عنه: هل المطلوب أن يتوقف اليمني عن نقد السياسات السعودية لأن بعض أبناء بلده يعملون داخل المملكة؟ وهل تصبح التحويلات المالية ضمانة للصمت عن الحرب، أو تفويضا مفتوحا لتبرير ما تعرض له اليمن؟ إذا كانت الإجابة بالنفي، سقطت الحجة من أساسها. وإذا كانت بالإيجاب، فنحن أمام محاولة واضحة لابتزاز الإنسان بحاجته، ومصادرة حقه في تقييم السياسات التي تمس وطنه.

لا يحتاج اليمنيون إلى أن تُستخدم أرزاقهم في المزايدة عليهم، ولا إلى من يحول غربتهم إلى شهادة حسن سلوك لدولة. ما يحتاجونه هو حقهم في وطن آمن، واقتصاد قادر على توفير سبل العيش، وعلاقات إقليمية لا تجعل مستقبلهم رهينة صراعات الآخرين وحساباتهم. أما أن يعمل اليمني في الغربة كي يعيل أسرته، ثم يجد ثمرة جهده تُستخدم لتبرئة السياسات التي ساهمت في إنهاك وطنه، فذلك استغلال يتجاوز الاقتصاد إلى محاولة فرض رواية سياسية على حساب الحقيقة.

السعودية ليست صاحبة الفضل في عرق اليمنيين، ولا تملك تحويلاتهم، ولا يحق لها أو للمدافعين عن سياساتها أن يجعلوا من أرزاقهم صك براءة من آثار الحرب. العامل اليمني يستحق أجره وحقوقه وكرامته، ويستحق ألا يُختزل في رقم يُرفع عند الحاجة إلى الدعاية، ثم يُترك خارج الحساب حين تبدأ مساءلة السلطة عن قراراتها.

فليس كل من وجد رزقه في بلد قد نال منه إنصافا، وليس كل مال عبر الحدود شهادة براءة لمن يملك القوة. عرق اليمنيين حق لهم، وتحويلاتهم ثمرة جهدهم، أما مسؤولية السعودية عن سياساتها في اليمن فلا تُمحى بأجور العمال، ولا تُحسم بحسابات الدعاية.

شارك المقال:

شاركنا برأيك