علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
إبراهيم القاضي
إبراهيم القاضي

كاتب وروائي

إبراهيم القاضي يكتب: لا مساس بالدستور طمانة أم بداية تغيير؟

تبرز ضرورة التغيير الحقيقي من داخل النظام، تغيير لا يكتفي بتبديل الوجوه أو إطلاق التصريحات، وإنما يمس جوهر العلاقة بين السلطة والمجتمع.

مشاركة:
حجم الخط:

بعد تصريح الرئيس بعدم المساس بالدستور، انقسمت المواقف بين مرحب يرى في التصريح بارقة أمل، ومشكك يستقبله بحذر، مستندًا إلى ما راكمه من تجارب مع تصريحات سابقة لم تكن، في نظره، كافية لبناء الثقة.

وللمشكّكين ما يبرر شكوكهم، فهم يرون في التصريح مناورة سياسية لامتصاص القلق وعبور المرحلة الراهنة، حتى ينتهي الطوفان، ثم تُترك الأمور لحسابات اللحظة، وربما يُقال وقتها:

حتى عام 2030، يحلّها ألف حلال!

بين التفاؤل الحذر والشك المشروع، ثمة حقيقة لا يمكن تجاهلها

البلاد تمر بظروف اقتصادية وسياسية بالغة الصعوبة، لا تسر عدوًا ولا حبيبًا.

أما دول الخليج، التي امتدت إلينا أيديها بالعون في أوقات الشدة، فقد بات أكثرها في أمس الحاجة إلى من يمد إليه يد العون، وهو يواجه مخاطر الحرب التي تهدد استقرار المنطقة بأسرها.

وفي محيط إقليمي مضطرب، تتشابك الأزمات وتتعاظم المخاطر، من تداعيات الحروب إلى التهديدات المرتبطة بالأمن المائي المصري، وفي مقدمتها أزمة سد النهضة الإثيوبي.

في مثل هذه اللحظات، لا يعود التوافق بين السلطة والمجتمع ترفًا سياسيًا، ولا تصبح مراجعة السياسات ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية.

نحن بحاجة إلى الاتفاق على الحد الأدنى من المصالح الوطنية، لا لأن الخلاف انتهى، ولا لأن الثقة عادت، وإنما لأن الوطن أكبر من أن يُترك رهينة للصراعات والحسابات الضيقة.

هذا البلد يشبه عمارة آيلة للسقوط؛ لا تحتمل هزة جديدة، ولا تملك رفاهية المغامرة بمصير ساكنيها

لكنه، في الوقت نفسه، لن يحتمل أن تستمر إدارة شؤونه بالطريقة ذاتها التي أوصلته إلى هذا القدر من الاختناق.

فلا ثورة جديدة لا يمكن ضمان عواقبها في ظل هذه الظروف، ولا استمرار للأوضاع كما هي يمكن أن يكون ضمانًا للاستقرار.

بين الخطرين، تبرز ضرورة التغيير الحقيقي من داخل النظام، تغيير لا يكتفي بتبديل الوجوه أو إطلاق التصريحات، وإنما يمس جوهر العلاقة بين السلطة والمجتمع.

التغيير الحقيقي يبدأ من السياسة، ولا يمكن أن يتحقق من دونها

لكي يحدث ذلك، لا بد أن يفتح الرئيس المجال العام، وأن تتسع مساحة الحرية السياسية والإعلامية، وأن يصبح تداول المعلومات حقًا أصيلًا، لا منحة تُعطى حينًا وتُحجب أحيانًا.

نحن بحاجة إلى أحزاب سياسية حقيقية، تمتلك برامج واضحة، وتستطيع التواصل مع الناس، وتوجد بينهم في الشوارع والقرى والنجوع، وتستمع إلى مشكلاتهم، وتقدم حلولًا بديلة للأزمات، وتنافس السلطة بالحجة والبرنامج، لا بالشعارات المستهلكة.

أما الأحزاب التي لا يعرف الناس عنها شيئًا، ولا يعرف بعض قادتها، ما الذي تقوم عليه برامجها السياسية، فقد نشأت حولها شكوك عميقة بشأن استقلالها وقدرتها على تمثيل المجتمع.

والأخطر أن يتحول العمل الحزبي إلى مجرد لافتات ومقار واجتماعات مغلقة، بينما تظل الشوارع خالية من السياسة، ويظل المواطن مقتنعًا بأن صوته لا يغير شيئًا، وأن مشاركته لا تقدم ولا تؤخر.

إننا لا نحتاج إلى أحزاب تزين المشهد السياسي، ولا إلى معارضة تؤدي دورًا مرسومًا سلفًا، ولا إلى إعلام يكتفي بترديد الرواية الرسمية.

نحن بحاجة إلى حياة سياسية حقيقية، فيها اختلاف وتنافس ومحاسبة، وفيها من يستطيع أن يقول للسلطة إنها أخطأت، وأن يقترح طريقًا آخر، من دون أن يُعامل باعتباره خصمًا للوطن أو تهديدًا لاستقراره.

في المقابل، لا يمكن إلقاء اللوم كله على السلطة وحدها، فثمة فراغ سياسي هائل، وعزوف جماهيري يكاد يكون شاملًا.

لقد طلق كثيرون السياسة، وأداروا لها ظهورهم، مستسلمين للمثل الشعبي: “الباب اللي يجيلك منه الريح، سدّه واستريح”

لم يعد المواطن يرى في السياسة وسيلة لتغيير واقعه، بل عبئًا إضافيًا على حياة مثقلة بالأعباء.

صار الابتعاد عنها، في نظره، أكثر أمانًا من الاقتراب منها، وصار الصمت أحيانًا وسيلته لحماية ما تبقى له من طاقة وأمل.

لقد أسهمت ممارسات السلطة، والقبضة الأمنية، وضيق المجال العام، في تعميق هذا النفور، حتى بدا كأن المجتمع قرر أن يبتعد عن السياسة اتقاءً لشرورها، وأن يتركها لمن يملكون أدواتها ومفاتيحها.

لكن السياسة، مهما ابتعدنا عنها، لا تبتعد عن حياتنا، إنها حاضرة في رغيف الخبز، وفي أسعار الدواء، وفي فرص العمل، وفي التعليم، وفي مستقبل الأبناء.

وحين ينسحب الناس منها، لا تتوقف عن التأثير في مصائرهم، بل يتركون المجال خاليًا لغيرهم كي يقرروا عنهم.

هنا تكمن المفارقة

نريد التغيير، لكننا فقدنا الثقة في أدواته، نبحث عن مخرج من أزماتنا، لكن المجال الذي يسمح بتداول الأفكار والحلول يضيق، ونخشى الفوضى، لكننا لا نمنح المجتمع ما يكفي من المشاركة كي يشعر بأنه شريك في حماية الاستقرار وصناعة المستقبل.

عودة السياسة ليست خطرًا على الدولة، إنما غيابها هو ما يجعل الدولة أكثر هشاشة.

فالدولة القوية ليست تلك التي يخلو مجالها العام من الأصوات المخالفة، بل تلك التي تستطيع استيعاب الاختلاف، وتحويل الغضب إلى حوار، والاحتقان إلى مشاركة، والاعتراض إلى اقتراحات قابلة للنقاش والتنفيذ.

إن فتح المجال العام ليس تنازلًا من السلطة، بل استثمار في بقاء الدولة وقدرتها على مواجهة الأزمات.

والحوار مع المجتمع ليس علامة ضعف، بل دليل على إدراك أن الأوطان لا تُدار طويلًا بالخوف وحده، وأن الاستقرار الذي لا يستند إلى الرضا والثقة والعدالة يظل استقرارًا هشًا، مهما بدا صلبًا من الخارج.

لسنا في حاجة إلى مزيد من التصريحات بقدر حاجتنا إلى أفعال تؤكدها، ولسنا في حاجة إلى وعود جديدة بقدر حاجتنا إلى مسار واضح يعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

فالكلمات، مهما كانت مطمئنة، لا تكفي وحدها لتبديد الشكوك، ولا تستطيع أن تحل محل المشاركة السياسية، أو حرية التعبير، أو وجود مؤسسات تمثيلية حقيقية.

لقد طال الغياب، وامتدّ الصمت، وتراكمت الأزمات حتى بدا الجسد المصري كأنه يعيش موتًا سريريًا، لا هو قادر على استعادة عافيته، ولا هو يملك ترف الاستسلام.

وربما تكون اللحظة الراهنة فرصة أخيرة لإدراك أن إنقاذ الوطن لا يكون بإبقاء كل شيء على حاله، ولا بالمغامرة بمصيره، وإنما بفتح نوافذ التغيير، وإعادة الاعتبار للإنسان والمجتمع والسياسة.

عودة السياسة هي السبيل إلى عودة الروح للجسد المصري، بعد عقد ونيف من الموت السريري.

شارك المقال:

شاركنا برأيك