السينما والجيل الجديد.. كيف تصنع الأفلام وعينا بالعالم والقرارات السياسية؟
في العلاقات الدولية، لا تقتصر قوة الدول على قدراتها العسكرية والاقتصادية، بل تشمل أيضاً قدرتها على التأثير في الطريقة التي يراها بها الآخرون.
صورة السينما
لم تعد السينما، في نظري مجرد قضاء وقت ممتع، بل أصبحت إحدى الوسائل التي نفهم من خلالها هذا الواقع، ونكوّن تصوراتنا عن المجتمعات والأشخاص والأحداث التي لم نعشها بأنفسنا.
فالفيلم لا ينقل لنا قصة فحسب، وإنما يقدم لنا طريقة معينة لرؤية العالم، من خلال الشخصيات التي يختارها، والمواقف التي يسلط الضوء عليها، والنتائج التي يجعلنا نتعاطف معها أو نرفضها.
وتكمن أهمية هذه المسألة بالنسبة إلى الجيل الجديد في أن كثيراً من معارفه عن التاريخ والسياسة والثقافات الأخرى تتشكل عبر الصور والقصص التي يتلقاها.
فقد يتعرف شاب إلى تجربة حرب لم يعشها، أو إلى مجتمع لم يزره،
أو إلى أزمة سياسية لم يكن قد ولد عندما وقعت، من خلال عمل سينمائي واحد يثير فضوله ويدفعه إلى البحث.
وهنا تتجاوز السينما حدود الترفيه لتصبح مدخلاً إلى المعرفة، وإن لم تكن بديلاً عن المصادر التاريخية والتحليل المتخصص.
حين تدخل السينما إلى غرفة صناعة القرار
من الأمثلة التي أجدها لافتة في هذا السياق فيلم Thirteen Days الصادر عام 2000، الذي يتناول أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، عندما واجه الرئيس الأمريكي جون كينيدي وشقيقه روبرت كينيدي وعدد من مستشاري البيت الأبيض.
أزمة وضعت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي أمام خطر مواجهة نووية.
تكمن أهمية الفيلم في أنه لا يكتفي بعرض أزمة دولية من الخارج، بل ينقل المشاهد إلى النقاشات التي دارت داخل الإدارة الأمريكية.
حيث تتعارض التقديرات، وتتباين الخيارات، ويصبح القرار السياسي محكوماً بحسابات الأمن القومي والضغط العسكري واحتمالات التصعيد وتداعيات كل خطوة على الطرف الآخر.
ومن منظور العلاقات الدولية، تكشف هذه القصة أن القرارات السياسية الكبرى لا تُتخذ دائماً في بيئة تتوافر فيها إجابات واضحة،
بل قد تصدر في ظروف يسودها الغموض، ويصبح فيها تقدير نيات الخصم عاملاً حاسماً.
فالقرار الذي قد يبدو حازماً من زاوية حماية الأمن القومي يمكن أن يُفسَّر لدى الطرف المقابل باعتباره تهديداً يستدعي الرد.
فتدخل الدول في دائرة من التصعيد المتبادل.
وعندما يشاهد الجيل الجديد هذه المداولات، فإنه لا يتعرف إلى حدث تاريخي فحسب، بل يقترب أيضاً من طبيعة التفكير السياسي.
ومن الصعوبة التي تواجه صناع القرار عندما يحاولون الموازنة بين الردع والدبلوماسية وتجنب الحرب.
وقد يدفعه ذلك إلى إعادة النظر في أحكامه المسبقة عن القادة والقرارات العسكرية،
وإدراك أن فهم السياسة يتطلب النظر إلى البدائل المتاحة والظروف التي أحاطت بالقرار، لا إلى نتيجته وحدها.
ومع ذلك، لا ينبغي التعامل مع الفيلم بوصفه سجلاً حرفياً لما حدث؛ فالأعمال الدرامية تعيد ترتيب الوقائع وتمنح بعض الشخصيات أدواراً أكبر لخدمة السرد.
ولهذا تبرز ضرورة المقارنة بين الصورة السينمائية والمصادر التاريخية عند دراسة أزمة بهذا الحجم.
من التعاطف إلى تشكيل المواقف السياسية
لا يقتصر تأثير السينما على تعريفنا بالأحداث، بل يمتد إلى الطريقة التي نحكم بها عليها. فعندما تقدم لنا الأفلام شخصية سياسية من خلال الخوف أو التضحية أو المسؤولية،
فإنها قد تجعلنا نتفهم قراراتها بصورة مختلفة عما لو قرأنا عنها في خبر مقتضب
وهنا تظهر مسألة مهمة: المشاهد لا يستقبل الوقائع بمعزل عن طريقة عرضها. فاختيار زاوية الرواية، وتوزيع الأدوار بين البطل والخصم، والموسيقى المصاحبة للمشهد،
وحتى المعلومات التي لا تظهر على الشاشة، كلها عناصر يمكن أن تؤثر في انطباع الجمهور.
وقد بحثت دراسة منشورة في دورية Social Science Quarterly في قدرة الأفلام الشعبية على التأثير في المواقف السياسية، ووجدت أن الأفلام التي تتضمن رسائل سياسية قد تغيّر مواقف المشاهدين.
خصوصاً تجاه القضايا التي لا يمتلكون بشأنها تصورات راسخة.
وهذا لا يعني أن كل من يشاهد الفيلم سيتبنى الرسالة نفسها، أو أن السينما تتحكم بصورة مباشرة في قرارات الجمهور.
لكنه يشير إلى أن التأثير الثقافي قد يحدث بصورة غير مباشرة، عبر التعاطف والانطباعات والتصورات التي تتراكم مع المشاهدة.
ومن هنا، يصبح الوعي بطريقة بناء الرواية السينمائية جزءاً من الوعي الإعلامي والسياسي الذي يحتاج إليه الجيل الجديد.
السينما والقوة الناعمة: من يروي القصة؟
في العلاقات الدولية، لا تقتصر قوة الدول على قدراتها العسكرية والاقتصادية،
بل تشمل أيضاً قدرتها على التأثير في الطريقة التي يراها بها الآخرون. وتوفر السينما إحدى المساحات التي يمكن أن تتشكل فيها هذه الصورة.
إذ قد تقدم دولة باعتبارها نموذجاً للحرية أو التقدم، أو تصور مجتمعاً آخر من خلال الصراع والعنف والتخلف، فتتحول الأعمال الفنية، أحياناً، إلى مصدر مهم للانطباعات العابرة للحدود.
لكن المسألة لا تتعلق فقط بما إذا كانت الصورة إيجابية أو سلبية، بل بمن يمتلك القدرة على إنتاجها ونشرها، وبأي رواية تصبح الأكثر انتشاراً.
فعندما يشاهد الجمهور الأحداث الدولية مراراً من منظور واحد، قد يصبح هذا المنظور مألوفاً إلى درجة يصعب معها التمييز بين ما تعرضه الشاشة بوصفه اختياراً درامياً وما حدث بالفعل.
ومن هنا أرى أن متابعة السينما العالمية لا ينبغي أن تعني الاكتفاء باستهلاك قصصها، بل محاولة فهم السياق الذي أنتجها، ومقارنة رواياتها، والتساؤل عمن غاب عن المشهد ولماذا.
مسؤولية المشاهد في عصر الصورة
أعتقد أن أهمية السينما بالنسبة إلى الجيل الجديد لا تكمن في قدرتها على تقديم إجابات جاهزة،
وإنما في قدرتها على إثارة أسئلة لم نفكر فيها من قبل.
فقد يبدأ الأمر بمشاهدة فيلم عن أزمة دولية، ثم يتحول إلى اهتمام بتاريخها، أو بمواقف أطرافها، أو بالقواعد التي تحكم العلاقات بين الدول.
وعند هذه النقطة، تصبح المشاهدة بداية للتفكير المستقل بدلاً من أن تكون نهاية المعرفة.
وفي عالم تتنافس فيه الروايات السياسية والإعلامية على جذب الانتباه، تزداد أهمية التمييز بين التأثر بقصة مؤثرة وفهم قضية معقدة.
فالتعاطف مع شخصية لا يكفي للحكم على موقفها، والانبهار بقائد سينمائي لا يجعله بالضرورة نموذجاً واقعياً للقيادة.
كما أن تصوير حدث تاريخي بطريقة مقنعة لا يضمن دقة جميع تفاصيله.
لهذا، فإن العلاقة التي أطمح إلى رؤيتها بين السينما والجيل الجديد هي علاقة تقوم على الفضول النقدي: أن نشاهد، ونتأثر، ثم نبحث ونقارن ونعيد التفكير.
شاركنا برأيك