محمد سعد عبد اللطيف يكتب: محمد عطا من كفر الشيخ إلى برجي التجارة العالمية
المفاجأة كانت أن الشارع الذي كنت أسكن فيه هو نفسه الشارع الذي عاش فيه محمد عطا، وكان رمزي بن الشيبة أحد الذين ارتبطوا بذلك المكان.
أحداث 11 سبتمبر غيرت العالم سقطت دول وتغيرت خريطة العالم الإسلامي
الطريق إلى هامبورج.. الشارع الذي نام فيه محمد عطا واستيقظ منه 11 سبتمبر
هناك مدن لا تمر بها ثم تنساها، وهناك مدن تترك في ذاكرتك علامة لا تمحوها السنوات.
هامبورج بالنسبة لي ليست مجرد مدينة ألمانية رأيتها خلال وجودي في ألمانيا، وليست فقط ميناء أوروبيا ضخما على بحر الشمال، وإنما مدينة ارتبط اسمها بواحدة من أكثر العمليات الإرهابية تعقيدا في التاريخ الحديث.
بشاب مصري خرج من مدينة كفر الشيخ، درس الهندسة المعمارية والتخطيط العمراني، وكتب في مقدمة رسالته كلمات قرآنية تبدو في ظاهرها كلمات إيمان وإخلاص، ثم تحول بعد سنوات إلى أحد أهم عناصر المؤامرة التي غيرت وجه العالم في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.
محمد عطا الاسم الذي لم يكن في بداية حياته يوحي بما ستؤول إليه نهايته.
ولد محمد عطا في كفر الشيخ عام 1968، وتخرج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1990، ثم ذهب إلى ألمانيا لاستكمال دراسته في مجال التخطيط العمراني.
وفي جامعة هامبورج التقنية اتجه إلى دراسة المدن والعمارة والتخطيط، وكانت أطروحته تدور حول منطقة باب النصر في مدينة حلب القديمة وتطور المدينة الإسلامية الشرقية.
وهنا تبدأ المفارقة الأولى.
رجل يدرس المدينة الإسلامية القديمة، يبحث في عمرانها وتاريخها وتطورها، ويتعامل أكاديميا مع تفاصيل المكان والإنسان والعمارة، ثم يتحول لاحقا إلى رجل ينتمي إلى مشروع يقوم على تدمير أحد رموز العمارة الحديثة في قلب نيويورك.
كان الذين عرفوه في سنواته الأولى في ألمانيا يصفونه بالهدوء والتحفظ والأخلاق، ولم يكن في صورته الأولى ذلك الرجل الذي يمكن أن تتخيل أنه سيصبح واحدا من أهم عناصر عملية إرهابية بهذا الحجم.
التاريخ لا يحكم على الإنسان من بدايته، وإنما من المسار الذي انتهى إليه
في مقدمة رسالته كتب عطا الآية القرآنية:
«قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ».
وهنا يطرح السؤال نفسه.بر
ماذا كان يقصد؟
لا توجد وثيقة يمكن أن تسمح لنا بأن ندخل إلى عقله ونقول إننا نعرف يقينا لماذا اختار هذه الآية تحديدا. لكن قراءة هذه الكلمات في سياق حياته اللاحقة تجعلها مدخلا مهما لفهم التحول الفكري الذي حدث له، لا باعتبار الآية نفسها سببا في الجريمة، وإنما باعتبار الطريقة التي أعاد بها شخص متطرف تفسير مفاهيم دينية لخدمة تصوراته الخاصة.
فالآية في أصلها تتحدث عن إخلاص العبادة لله، وعن أن حياة الإنسان ومماته لله رب العالمين، وهي ليست نصا يبيح قتل الأبرياء أو تدمير المدن.
وهنا تكمن خطورة التطرف.
إنه لا يحتاج دائما إلى اختراع نص جديد، وإنما يستطيع أن ينتزع نصا من سياقه، ثم يضعه داخل منظومة فكرية مغلقة، ويمنحه معنى آخر يخدم مشروعه.
من هامبورج بدأت القصة تأخذ شكلا مختلفا.
في نهاية التسعينيات لم يعد عطا مجرد طالب أجنبي يعيش في ألمانيا، وإنما أصبح جزءا من دائرة صغيرة من المتطرفين الإسلاميين الذين تشكلت بينهم علاقات وثيقة، وكان من أبرز الأسماء التي ارتبطت به رمزي بن الشيبة ومروان الشحي وزياد الجراح وسعيد بحاجي وغيرهم.
في شارع ماريين شتراسه في هامبورج عاش عطا مع رمزي بن الشيبة وسعيد بحاجي في شقة أصبحت لاحقا إحدى أشهر العناوين المرتبطة بما عرف باسم خلية هامبورج.
وتشير التحقيقات إلى أن المجموعة كانت تجتمع بصورة منتظمة، وأنها تحولت تدريجيا من دائرة من الأصدقاء إلى مجموعة ترتبط بمشروع أوسع لتنفيذ عمليات ضد الولايات المتحدة.
هامبورج أكثر من مجرد خلفية للقصة، تصبح نقطة التحول
في هذه المدينة الأوروبية التي يعيش فيها عشرات الآلاف من الناس بصورة طبيعية، كان هناك في الوقت نفسه مسار سري يتشكل داخل شقة عادية، لا يثير في ظاهرها ما يكفي من الشك.
هذا هو الجانب الأخطر في الإرهاب الحديث.
أنه لا يبدأ دائما في معسكر عسكري مكشوف.
أحيانا يبدأ في شقة، أو مقهى، أو جامعة، أو بين مجموعة من الطلاب الذين لا يلفتون انتباه أحد.
بمرور الوقت تحولت المجموعة إلى شبكة أكثر تنظيما، ثم ارتبطت بقيادات تنظيم القاعدة خارج ألمانيا.
وفي عام 2000 غادر عطا ألمانيا إلى الولايات المتحدة ليتعلم الطيران.
هنا ظهرت مفارقة أخرى
الرجل الذي درس التخطيط والهندسة لم يذهب إلى أمريكا لدراسة العمارة أو التخطيط، وإنما دخل عالم الطيران.
وتلقى تدريبا في فلوريدا، ثم حصل على رخصة طيار تجاري في ديسمبر عام 2000، وتلقى أيضا تدريبا على أجهزة محاكاة لطائرات بوينج.
وتكشف وثائق لجنة 11 سبتمبر أن عطا ومروان الشحي كانا في بعض مراحل التدريب عدوانيين مع مدربيهما، وأنهما كانا في عجلة من أمرهما، بل إنهما دخلا في خلافات مع أحد المدربين بسبب محاولة السيطرة على أجهزة التحكم أثناء التدريب.
كما أخفقا في اختبار مرحلة من تدريب الطيران بالأجهزة في إحدى المدارس قبل أن يستكملا طريقهما التدريبي.
لم تكن القضية إذن رجلا لم يعرف الطيران، وإنما رجلا تعلم ما يكفي من الطيران ليستخدم المعرفة في عملية لم يكن الهدف منها الهبوط بالطائرة، وإنما تحويلها إلى سلاح.
هنا تظهر إحدى أكثر النقاط إثارة في قصة 11 سبتمبر.
الطائرة التي كان من المفترض أن تكون وسيلة نقل للركاب تحولت إلى صاروخ بشري.
في صباح 11 سبتمبر 2001 لم يبدأ عطا رحلته من بوسطن مباشرة.
كان قد ذهب في الليلة السابقة إلى بورتلاند بولاية مين برفقة عبد العزيز العمري، ثم عادا صباحا بالطائرة إلى بوسطن، ومنها صعدا إلى الرحلة 11 التابعة لشركة أمريكان إيرلاينز والمتجهة إلى لوس أنجلوس.
وكانت الطائرة تحمل عشرات الركاب وأفراد الطاقم.
لم يكن أحد منهم يعرف أن الطائرة دخلت في الدقائق الأخيرة من تاريخ العالم.
أقلعت الرحلة من مطار لوجان في بوسطن، ثم سيطر الخاطفون عليها.
لم تكن نيويورك هي الوجهة الأصلية للطائرة، لكنها أصبحت هدفها الأخير.
وفي الساعة 8:46 صباحا تقريبا اصطدمت الرحلة 11 بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي.
في تلك اللحظة لم يسقط مبنى فقط.
سقط تصور كامل عن طبيعة الأمن الأمريكي، وتغيرت قواعد السفر والطيران والاستخبارات والحروب، وتغيرت معها خريطة العلاقات الدولية.
لكن هناك تفصيل آخر أكثر غرابة.
حقيبة عطا لم تصعد معه إلى الطائرة.
كانت الرحلة التي أعادته من بورتلاند إلى بوسطن قد تأخرت، ولذلك لم تصل حقيبته إلى الطائرة التي اختطفها. وبعد الهجمات عثرت السلطات في مطار لوجان على حقيبته وحقيبة عبد العزيز العمري.
وكان بين محتوياتها أوراق مرتبطة بدراسته في مصر، وجوازات ووثائق شخصية، ومواد مرتبطة بتدريب الطيران، ونسخة من وصية عطا.
وصية قبل الموت
أوراق تركها الرجل الذي كان يعلم أنه ذاهب إلى الموت.
وكانت الوثائق التي عثر عليها في أمتعته تكشف أن الأمر لم يكن اندفاعا لحظيا، بل استعدادا ذهنيا ونفسيا
طويلا للموت، وأن هناك تعليمات تتعلق بالموت والجثمان والصلاة وغيرها من التفاصيل.
وهنا يعود السؤال إلى الآية التي كتبها في مقدمة رسالته.
«ومحياي ومماتي لله رب العالمين».
هل كان يرى نفسه ذاهبا إلى الموت باعتباره جزءا من عقيدته؟
الوثائق التي عثر عليها في حقيبته تشير إلى أنه كان قد بنى لنفسه تصورا دينيا متطرفا عن الموت وما سماه الشهادة، لكن ذلك لا يعني بأي حال أن هذا التصور يمثل الإسلام أو أن النص القرآني نفسه يبرر ما حدث.
وهذه نقطة يجب ألا تضيع وسط الرعب الذي خلفته الجريمة.
الإرهابي قد يرفع نصا مقدسا، لكن النص لا يتحول بسبب ذلك إلى تبرير لجريمته
المشكلة في عقل المتطرف ليست في وجود النص، وإنما في المنظومة التي تضع النص داخل تفسير مغلق يبرر قتل الإنسان المختلف.
هنا أصل إلى الجزء الذي لا أستطيع أن أضعه في خانة الوثائق التاريخية فقط.
لأنني عشت بنفسي المفارقة التي جعلت قصة محمد عطا بالنسبة لي أكثر قربا من أي قصة أخرى عن 11 سبتمبر.
كنت في ألمانيا، وكنت أتابع وأغطي برنامج يسري فودة، وكانت له تغطية شديدة الحساسية مرتبطة بقصة هامبورج وبالأماكن التي عاش فيها أفراد المجموعة.
في أحد الأيام، وأنا أخرج من الشارع الذي كنت أقيم فيه، فوجئت بتجمع وكاميرا وتصوير.
كان يسري فودة وفريقه يصورون المنزل الذي كان يقيم فيه محمد عطا.
لم أكن أعرف في تلك اللحظة أنني أعيش في المكان نفسه الذي ارتبط اسمه بأحد أخطر فصول الإرهاب في التاريخ الحديث.
المفاجأة لم تكن في أنني رأيت صحفيا يصور منزلا قديما.
المفاجأة كانت أن الشارع الذي كنت أسكن فيه هو نفسه الشارع الذي عاش فيه محمد عطا، وكان رمزي بن الشيبة أحد الذين ارتبطوا بذلك المكان.
لحظة كهذه تجعل التاريخ يتوقف عن كونه كتابا تقرأه.
يصبح عنوانا تمشي أمامه، بابا تمر بجواره، شارعا تعبره كل صباح.
وجها تراه في صورة قديمة، ثم تكتشف أن الرجل الذي كان يعيش خلف ذلك الباب كان بعد سنوات قليلة سيصبح اسمه مرتبطا بأكبر عملية إرهابية شهدتها الولايات المتحدة.
كان الشارع عاديا، البيوت عادية، الناس يعيشون حياتهم، الطلاب يذهبون إلى جامعاتهم.
السيارات تمر، المحال تفتح أبوابها، ولا شيء في المشهد كان يقول إن التاريخ كان يختبئ في هذا المكان.
لكن التاريخ كان هناك، وهذا هو الدرس الأكبر في قصة هامبورج.
إن أخطر التحولات لا تكون دائما مرئية في لحظتها.
فالرجل الذي عرفه البعض طالبا هادئا، ودرَس العمارة والتخطيط، وكتب عن مدينة إسلامية قديمة، عاش في ألمانيا داخل مجتمع مفتوح.
ثم انتقل تدريجيا إلى دائرة فكرية مغلقة، وبعدها إلى شبكة دولية، ثم إلى الولايات المتحدة، ثم إلى مدارس الطيران، ثم إلى قمرة قيادة طائرة مدنية.
في النهاية أصبحت تلك الطائرة واحدة من الأدوات التي غيرت العالم.
لم تكن 11 سبتمبر مجرد عملية اختطاف أربع طائرات.
كانت عملية مركبة جمعت بين الفكر المتطرف والتنظيم السري والتخطيط طويل المدى واستغلال حرية الحركة في المجتمعات المفتوحة، واستغلال المعرفة المدنية في تنفيذ عملية عسكرية ذات طبيعة غير مسبوقة.
لهذا فإن قصة محمد عطا لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها قصة رجل واحد.
إنها قصة تحول، تحول طالب إلى عنصر في شبكة، وتحولت الشقة إلى نقطة اتصال.
تحولت الصداقة إلى تنظيم، وتحولت الدراسة إلى غطاء، وتحول الطيران من علم مدني إلى أداة قتل.
تحولت الطائرة من وسيلة مواصلات إلى سلاح، وتحول صباح عادي في أمريكا إلى بداية عصر جديد.
أما أنا، فقد بقيت صورة ذلك اليوم في هامبورج عالقة في ذاكرتي.
كاميرا يسري فودة، الشارع، المنزل، التجمع أمامه.
ثم السؤال الذي جاء بعد ذلك.
كيف يمكن لشارع عادي في مدينة ألمانية أن يكون قد مر به أشخاص كانوا في طريقهم إلى صناعة حدث سيغير العالم؟ربما كانت تلك هي الحقيقة الأكثر رعبا في قصة 11 سبتمبر.
التاريخ لا يعلن دائما عن نفسه عندما يبدأ
قد يبدأ في مكان هادئة، في شقة صغيرة، بين طلاب مهاجرين، داخل جامعة، في مدينة لا يشعر أهلها أن شيئا استثنائيا يحدث، ثم بعد سنوات، يستيقظ العالم كله على النتيجة.
في 11 سبتمبر 2001 لم تتغير نيويورك وحدها.
تغيرت الولايات المتحدة، وتغيرت قواعد الأمن الدولي، وتغيرت علاقة الغرب بالعالم الإسلامي، وبدأت حروب وأزمات وسياسات أمنية جديدة امتدت آثارها إلى الشرق الأوسط والعالم كله.
من هنا تبقى هامبورج في قصة محمد عطا ليست مجرد مدينة مر بها رجل مصري
إنها واحدة من الأماكن التي شهدت انتقال الفكرة من الرأس إلى التنظيم، ومن التنظيم إلى التدريب، ومن التدريب إلى التنفيذ.
أما الآية التي كتبها في مقدمة رسالته فتبقى شاهدا على شيء آخر أكثر تعقيدا.
النص الديني يمكن أن يكون دعوة إلى الإيمان والإخلاص، لكن حين يقع في يد عقل متطرف يستطيع صاحبه أن يحمله إلى معنى لم يرده النص.
هنا يصبح الخطر الحقيقي ليس في الكلمات وحدها، وإنما في الإنسان الذي يعيد تفسيرها وفق مشروعه.
وهكذا، بين طالب الهندسة في كفر الشيخ، والباحث في عمارة حلب، وساكن شارع ماريين شتراسه في هامبورج، ودارس الطيران في فلوريدا، وقائد الطائرة المختطفة، تمتد خيوط قصة واحدة.
قصة رجل بدأ حياته طالبا في الهندسة، وانتهى اسمه في صفحات التاريخ باعتباره أحد أبرز منفذي الهجوم الذي غيّر العالم في صباح 11 سبتمبر.
شاركنا برأيك