علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
تقارير
محمد كمال
محمد كمال

كاتب وباحث حقوقي

بين الخيمة والركام.. ماذا تغيّر في غزة بعد اتفاق التهدئة؟

بعد عام على إعلان اتفاق التهدئة في غزة، تحسن وصول بعض المساعدات واتسع التعلم الطارئ، لكن استمرار الخسائر البشرية وتعطل الخدمات وتأخر الإعمار حال دون تعافٍ واسع. وتوضح المصادر الإنسانية أن تحسن بعض المؤشرات لم ينهِ احتياجات السكان الأساسية.

مشاركة:
حجم الخط:

بعد عام على إعلان اتفاق التهدئة في غزة، تحسنت بعض مسارات الإغاثة والتعلم الطارئ،

لكن استعادة الحياة بقيت بعيدة عن حاجات السكان. وبين استمرار الخسائر البشرية، وتعطل الخدمات،

وتأخر الإعمار، تكشف البيانات الإنسانية فجوة واسعة بين الاتفاق وما يستطيع الناس عيشه فعليًا.

خيمة بجوار البيت الذي اختفى

تعيش نجوى أبو عيطة في خيمة قرب أنقاض منزلها بالنصيرات. فقدت ابنتها، البالغة سبعة أعوام،

في قصف إسرائيلي في سبتمبر/أيلول 2024، وأصيبت هي وأطفالها الآخرون. وبحسب شهادتها لوكالة أسوشيتد برس،

فقدت إحدى عينيها، ولم تعد تعمل في تصفيف الشعر كما كانت قبل الحرب.

وبعد اقتراب عام التهدئة من نهايته، تجمع حياتها بين خسارة الطفلة والبيت والعمل، وإصابة تحتاج إلى رعاية.

إنها شهادة على أن تراجع القصف لا يعيد، بمفرده، ما فقدته الأسرة.

من هنا يبدأ سؤال الذكرى الأولى: ماذا يعني الاتفاق لمن بقي بيته ركامًا، أو تعطلت دراسته،

أو ظل علاجه مرتبطًا بإمكانية مغادرة القطاع؟ الإجابة تحتاج إلى أكثر من مراجعة البيانات السياسية؛

فهي تتطلب النظر إلى المسافة بين التعهدات والقدرة اليومية على العيش.

من إعلان الاتفاق إلى اختبار التنفيذ

في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلن المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصاري التوصل إلى

جميع بنود وآليات تنفيذ المرحلة الأولى. وربط الإعلان بين إنهاء الحرب، والإفراج عن المحتجزين الإسرائيليين

والأسرى الفلسطينيين، وإدخال المساعدات.

وبذلك، لم يكن الإعلان وعدًا بالهدوء وحده، بل بداية مسار يفترض أن ينعكس على حياة السكان.

غير أن بيان الإعلان لم ينشر التفاصيل الكاملة، وهو ما يستوجب التمييز بين المرحلة المتفق عليها وأهداف الخطة الأوسع.

وبحسب مراجعة رويترز المنشورة في 6 أكتوبر 2026، تحققت عمليات إفراج، ولم تعد العمليات العسكرية إلى نطاقها الأوسع،

لكن الضربات استمرت وتعثر الانسحاب والإعمار. وتقول إسرائيل إنها تستهدف حماس وتمنع إعادة تسلحها،

بينما تنفي الحركة الاتهامات الموجهة إليها. كما بقي الخلاف حول ترتيب نزع السلاح والانسحاب عقبة أمام المراحل التالية.

إذن، تقييم الاتفاق يحتاج إلى مستويين منفصلين: ما أنجزه في تخفيف بعض مظاهر الحرب،

وما أخفق في تحويله إلى حماية وتعافٍ مستدامين. والخلط بينهما قد يحجب التحسن الحقيقي،

أو يقلل من حجم المعاناة المستمرة.

الخسائر مستمرة.. والأرقام تحتاج إلى تدقيق

في 9 أكتوبر، قالت أكثر من مئة منظمة إنسانية وحقوقية إن القوات الإسرائيلية تسببت في استشهاد أكثر من 1400 فلسطيني

خلال عام الاتفاق، بينهم 327 طفلًا على الأقل. كما أفرد البيان الجثامين المنتشلة من الركام في فئة أخرى.

وهذه حصيلة منسوبة إلى الجهات الموقعة ومراجعها، وليست إحصاءً مستقلًا أعدّه هذا التقرير.

ولا ينتقص هذا التمييز من المأساة؛ بل يحمي توثيقها. فالعائلة التي تستعيد جثمان قريب بعد أشهر

تعيش فقدًا متجددًا، لكن تاريخ العثور عليه لا يغيّر تاريخ استشهاده.

العودة لا تعني استعادة المنزل

تكشف تقديرات الأضرار حجم ما يواجه أي مسار للتعافي. ففي تقييم مشترك نشرته الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي

والبنك الدولي في 20 أبريل/نيسان 2026، تجاوز عدد الوحدات السكنية المدمرة أو المتضررة 371 ألف وحدة،

وفقد أكثر من 60% من السكان منازلهم.

وقدّر التقييم احتياجات التعافي والإعمار بنحو 71.4 مليار دولار خلال عشر سنوات، منها 26.3 مليارًا في الأشهر الثمانية عشر الأولى.

وهذه تقديرات احتياجات، وليست أموالًا جرى تحصيلها أو إنفاقها.

لذلك، لا تكفي الإشارة إلى عودة السكان إلى مناطقهم لإثبات انتهاء النزوح.

فمعيار التعافي هو وجود مأوى آمن، وخدمات، وإمكانية استقرار، وليس الوصول إلى عنوان سابق فقد مقومات السكن.

ومع اقتراب الشتاء، حذرت «أوتشا» من مخاطر الفيضانات والمباني المتضررة، وقالت إن أكثر من 13% من السكان

يقيمون في مواقع أو مبانٍ غير آمنة. وهكذا يستمر خطر المأوى حتى حين لا يكون القصف هو التهديد المباشر.

الغذاء تحسن.. لكن الخروج من الجوع لم يكتمل

على صعيد الغذاء، يقدم التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي صورة مركبة.

فقد ساعد توسع المساعدات بعد اتفاق أكتوبر 2025 على تحسين الأوضاع،

لكن أكثر من 1.2 مليون شخص ظلوا في مستوى «الأزمة» أو أسوأ بين منتصف أبريل ونهاية يونيو 2026.

وفي تحليله الصادر في 23 يوليو، توقع التصنيف ارتفاع العدد إلى أكثر من 1.4 مليون شخص خلال يوليو–ديسمبر.

ومن المهم هنا أن الرقم الأخير توقع للفترة، وليس تعدادًا ميدانيًا جديدًا أُجري يوم ذكرى الاتفاق.

إضافة إلى ذلك، يربط التحليل صعوبة الحصول على الغذاء بضعف القوة الشرائية وارتفاع التكاليف واضطراب دخول السلع.

لذلك قد تتوفر بعض المنتجات في الأسواق، بينما تبقى خارج قدرة الأسرة على الشراء.

وتوضح هذه الفجوة لماذا لا يكفي عدّ الشاحنات وحده. فدخول السلع خطوة أساسية،

لكن الوصول إلى الغذاء يتطلب أيضًا توزيعه بصورة آمنة، واستمرار الإمداد، وامتلاك الناس دخلًا يمكنهم من شرائه.

الماء والكهرباء.. تفاصيل صغيرة توقف خدمات كبيرة

وفي الخدمات الأساسية، تظهر قيود تتجاوز تدمير المباني. فقد وثقت «أوتشا» نقص قطع الغيار وزيوت المحركات والمعدات،

وتأثيره في تحلية المياه وتشغيل المولدات وجمع النفايات. كما قدّرت اعتماد 74% من السكان على مياه الشرب المنقولة بالصهاريج.

وبالتالي، فإن استعادة الخدمة ليست مجرد إعلان إعادة فتح منشأة. فالمضخة تحتاج إلى صيانة وطاقة،

والمركبة تحتاج إلى وقود وقطع غيار، والمستشفى يحتاج إلى انتظام سلسلة الإمداد.

وهذا ما يجعل تقييم التعافي قائمًا على الخدمة المتاحة فعلًا، لا على عدد المرافق الموجودة اسميًا.

العلاج لا يحتمل انتظار المفاوضات

وفي بيان المنظمات الصادر في 9 أكتوبر، لا يوجد بين مستشفيات غزة الستة والثلاثين مستشفى يعمل بكامل طاقته.

كما يشير البيان إلى أكثر من 18,500 مريض يحتاجون إلى إجلاء طبي، بينهم أربعة آلاف طفل على الأقل.

ولا يعني عدم العمل الكامل أن جميع المستشفيات مغلقة، بل أن قدرتها على تقديم الرعاية لم تُستعد.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد عرضت، في تحديث 16 فبراير، آلية الإجلاء بما تتضمنه من إحالات طبية،

وموافقات دول مستقبلة، وتصاريح عبور وترتيبات نقل. وأكدت ضرورة تأهيل النظام الصحي داخل غزة،

وتوسيع استقبال المرضى خارجها، وضمان عودتهم بعد العلاج.

وفي الوقت نفسه، وثقت «أوتشا» في أغسطس، نقلًا عن المنظمة، 45 اعتداءً أثر في الرعاية الصحية

منذ بداية 2026. وشملت الوقائع تعطيل النقل الطبي وتأخيره وتفتيشه، ولا سيما قرب معبر رفح.

وهذا يجعل حرية الحركة قضية علاج وبقاء، لا مجرد بند تفاوضي. كما يبين أن تحسين المستشفيات

وتيسير الإجلاء مساران متكاملان، ولا يغني أحدهما عن الآخر.

المدرسة المؤقتة تمنح فرصة.. ولا تعوض ما ضاع

أما التعليم، فقد شهد محاولات منظمة لاستعادة بعض ما انقطع. ففي 27 يناير/كانون الثاني،

أعلنت اليونيسف توسيع برنامج «العودة إلى التعلم» ليستهدف 336 ألف طفل.

وذكرت آنذاك أن 60% من الأطفال في سن الدراسة لا يصلون إلى تعليم حضوري، وأن أكثر من 90% من المدارس تضررت أو دُمرت.

وبالتوازي، دعمت المنظمة أكثر من مئة مساحة تعليمية تجمع التعلم واللعب والمساندة النفسية.

وهذه أرقام تخص وقت الإعلان، ولا تُعرض هنا بوصفها إحصاءً جديدًا لشهر أكتوبر.

كما وثقت اليونيسف مبادرات مجتمعية لإقامة صفوف مؤقتة في الخيام والمباني المتضررة.

وهي جهود تعكس إصرار الأسر والمعلمين على حماية التعليم، لكنها تظل جسرًا نحو المدرسة النظامية، لا بديلًا دائمًا عنها.

الأطفال يحددون ما يحتاجه التعافي

وفي فبراير، نقلت اليونيسف شهادة هالة، البالغة خمسة عشر عامًا، من مركز تعلم مؤقت في دير البلح.

تحدثت عن أثر الانقطاع على دراستها، وعن رغبتها في بيت آمن وغرفة ومدرسة جيدة.

وجاءت الشهادة ضمن مبادرة استمعت إلى أطفال غزة بشأن مستقبلهم. فقد شارك 1603 أطفال في استبيان،

وانخرط آلاف آخرون في أنشطة تعبيرية. وتكررت مطالب الأمان والسكن والمدارس والمستشفيات وأماكن اللعب.

من جهة أخرى، تكشف هذه المشاركة أن السكان لا ينتظرون المساعدة بلا تصور لما يريدونه.

لديهم أولويات يمكن أن توجه الإعمار: حماية عاجلة، ثم خدمات مستقرة، ثم مؤسسات وفرص تعيد إمكان التخطيط للمستقبل.

https://www.ochaopt.org/content/humanitarian-situation-report-2-october-2026?utm_source=chatgpt.com

الإعمار بين الخطط المعلنة والعمل المنجز

في 23 سبتمبر، أعلن «مجلس السلام» تصورًا بقيمة 2.45 مليار دولار، يضم 66 مشروعًا على مدى ستة أشهر،

وفق أسوشيتد برس. غير أن الإعلان عن خطة لا يساوي بدء تنفيذها، ولا يثبت توافر كامل التمويل أو وصول المعدات.

وفي المقابل، ظهرت أعمال محدودة يمكن توثيقها على الأرض. ففي أبريل، رصدت رويترز مشروعًا لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي

يعيد معالجة الركام لاستخدامه في إصلاح طرق ومساحات خدمية. وكانت الكمية المزالة آنذاك

نحو 287 ألف طن، مع قيود مرتبطة بالمعدات والوقود ومخلفات الحرب غير المنفجرة.

وهنا يظهر الفارق بين الإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار: إصلاح طريق يساعد الناس الآن،

لكنه لا يعني إعادة بناء الحي. وإعلان التمويل يفتح احتمالًا، لكنه لا يمنح الأسرة بيتًا قبل تحويله إلى مشروع مكتمل.

https://palestine.un.org/en/314090-final-gaza-rapid-damage-and-needs-assessment?utm_source=chatgpt.com

ماذا ينبغي أن تقيس الذكرى؟

بحلول الذكرى الأولى، تبدو المحصلة متفاوتة: فرص تحسن في بعض الخدمات والمساعدات،

يقابلها استمرار خسائر وقيود تمنع استعادة الحياة الطبيعية. وهذه خلاصة تحليلية للمصادر السابقة،

وليست حكمًا بأن كل القطاعات تحركت بالاتجاه نفسه.

ولذلك، فإن المسؤولية لا تتوقف عند إبقاء الاتفاق قائمًا سياسيًا. المطلوب قابل للقياس:

حماية المدنيين، وانتظام الإمدادات، ووصول العلاج، وعودة التعليم، ومأوى آمن، ومشروعات منفذة بشفافية.

أما معيار النجاح بالنسبة للأسر، فيظل أبسط من لغة الخطط: أن يصبح السكن آمنًا، والعلاج متاحًا،

والمدرسة مستقرة. عندها فقط يمكن أن تتجاوز التهدئة إعلان توقف الحرب إلى بداية خروج الناس من آثارها.

جدول موجز: التعهدات ومسار التنفيذ

هذا جدول متابعة للموضوعات الأساسية، وليس نقلًا حرفيًا لجميع بنود الاتفاق.

الموضوع ما تحقق أو أُعلن ما بقي معلقًا أو محدودًا المصدر والتاريخ
الإفراج والتبادل تنفيذ عمليات إفراج لا يُستنتج منها اكتمال بقية المسار رويترز، 6 أكتوبر 2026.
الغذاء تحسن مدفوع بالمساعدات هشاشة الوصول وضعف القدرة الشرائية التصنيف الغذائي، 23 يوليو 2026.
التعليم توسيع التعلم الطارئ الحاجة إلى استعادة التعليم النظامي اليونيسف، 27 يناير 2026.
الرعاية الصحية استمرار الرعاية والإحالات نقص القدرة والحاجة إلى الإجلاء الصحة العالمية، فبراير؛ بيان المنظمات، أكتوبر 2026.
الإعمار تقدير الاحتياجات وإعلان مشروعات الإعلان لا يثبت التمويل المصروف أو الإنجاز الأمم المتحدة، أبريل؛ أسوشيتد برس، سبتمبر 2026.

خط زمني مختصر

التاريخ المحطة
9 أكتوبر 2025 إعلان الاتفاق على ترتيبات المرحلة الأولى.
10 أكتوبر 2025 بدء وقف إطلاق النار.
27 يناير 2026 إعلان توسيع برنامج العودة إلى التعلم.
20 أبريل 2026 نشر التقييم المشترك لاحتياجات التعافي والإعمار.
23 يوليو 2026 نشر تقييم غذائي يوثق التحسن ويحذر من تدهور لاحق.
23 سبتمبر 2026 إعلان تصور يضم 66 مشروعًا للإعمار والخدمات.
9 أكتوبر 2026 بيان لأكثر من مئة منظمة ينتقد حصيلة عام الاتفاق.

 

 

شارك المقال:

شاركنا برأيك