علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
ترجمات
محمد كمال
محمد كمال

كاتب وباحث حقوقي

«الموت أهون».. شهادات تكشف معاناة أطفال فلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية

يكشف تحقيق لمجلة +972 شهادات أطفال فلسطينيين عن الضرب والتجويع والعزل أثناء الاحتجاز الإسرائيلي. وتؤكد بيانات أممية حديثة توثيق احتجاز 981 طفلًا فلسطينيًا خلال 2025، مع ورود شهادات عن العنف وسوء المعاملة.

مشاركة:
حجم الخط:

كشف تقرير لمجلة +972 الإسرائيلية شهادات لأطفال فلسطينيين وعائلاتهم عن الاعتقال والاستجواب والضرب

والتجويع والعزل عن الأسرة داخل منشآت احتجاز إسرائيلية، في وقت تؤكد فيه

بيانات أممية حديثة ارتفاع أعداد الأطفال الفلسطينيين المحتجزين وتوثيق حالات عنف وسوء معاملة أثناء الاعتقال

طفل في الخامسة عشرة يُعتقل من منزله

بدأت إحدى القصص التي وثقها التقرير في منتصف ليل 15 فبراير/شباط 2025،

عندما اقتحمت قوة إسرائيلية منزل عائلة فلسطينية بالقرب من رام الله في الضفة الغربية المحتلة.

وبحسب رواية الأسرة لمجلة +972، كان الجنود يبحثون عن زيد، البالغ آنذاك 15 عامًا.

وقال والداه إن الجنود اقتادوه من المنزل دون إبلاغهما بمكان نقله أو سبب اعتقاله. 

ولم تكن المداهمة حادثة منفردة في سياق الضفة الغربية. فقد وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق

الشؤون الإنسانية نحو 7,500 عملية اقتحام وعملية أخرى للقوات الإسرائيلية في البلدات والقرى الفلسطينية

بين بداية 2025 و29 سبتمبر/أيلول من العام نفسه، بزيادة 37% مقارنة بالفترة المقابلة من 2024. UNOCHA OPT

الاعتراف بعد ساعات من الضرب

بعد اعتقال زيد، بدأت عائلته البحث عنه ومحاولة تأمين تمثيل قانوني له.

وبحسب التقرير، كان الطفل قد اعترف بإلقاء الحجارة قبل أن تتمكن أسرته من ذلك.

إلا أن زيد نفى لاحقًا ارتكاب الفعل، وقال إن الاعتراف جاء بعد تعرضه للضرب لساعات.

وبناء على ذلك الاعتراف، وجه الادعاء العسكري الإسرائيلي إليه اتهامًا رسميًا،

ليقضي نحو تسعة أشهر ونصف الشهر رهن الاحتجاز. 

ويشير التقرير إلى أن تجربة زيد ليست الوحيدة. إذ نقل عن جهات حقوقية إفادات

بشأن أطفال طُلب منهم توقيع وثائق لا يفهمون لغتها، إلى جانب حالات جرى فيها الاستجواب دون حضور محامٍ. 

981 طفلًا اعتقلوا خلال عام واحد

وتدعم البيانات الأممية الأحدث الصورة الأوسع لحجم الاعتقالات.

ففي تقرير الأمين العام للأمم المتحدة عن الأطفال والنزاعات المسلحة،

الصادر في يونيو/حزيران 2026 ويغطي عام 2025، تحققت الأمم المتحدة من احتجاز 981 طفلًا فلسطينيًا،

بينهم 973 فتى و8 فتيات. ونُسب احتجاز 978 منهم إلى القوات المسلحة والأمنية الإسرائيلية،

بينما احتجزت أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية ثلاثة أطفال. United Nations

كما أفادت السلطات الإسرائيلية، وفق التقرير الأممي، بأن 180 طفلًا فلسطينيًا كانوا رهن الاعتقال الإداري

دون تهمة أو محاكمة حتى 31 ديسمبر/كانون الأول 2025، بالإضافة إلى سبعة أطفال

نُقلوا من غزة إلى إسرائيل واحتُجزوا تحت تصنيف «المقاتل غير الشرعي». United Nations

شهادات عن الضرب وسوء المعاملة

ولا تتوقف القضية عند أعداد المحتجزين.

فالأمم المتحدة قالت إنها تلقت شهادات من 66 طفلًا أفادوا بتعرضهم للعنف الجسدي وغيره من

أشكال سوء المعاملة أثناء احتجازهم لدى القوات الإسرائيلية. كما سجل التقرير الأممي

وفاة فتى فلسطيني أثناء الاحتجاز، مشيرًا إلى أن نتائج التشريح أثارت مخاوف بشأن سوء تغذية

شديد وممتد وعدم كفاية الرعاية الطبية.

United Nations

كذلك، خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة

في تقرير صدر في يونيو/حزيران 2026 إلى أن أطفالًا فلسطينيين من غزة والضفة الغربية تعرضوا للاعتقال

والتعذيب وسوء المعاملة في السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية.

United Nations

إبراهيم.. شهادة أخرى عن الاستجواب

وفي شهادة أخرى أوردها تحقيق +972، تحدث إبراهيم، وهو فتى يبلغ 15 عامًا

من مخيم العروب، عن اقتحام منزله واقتياده إلى قاعدة عسكرية.

وبحسب روايته، اتهمه المحققون بإلقاء زجاجة حارقة، فيما قال إنه تعرض للضرب

وأُجبر على خلع ملابسه وحُرم من استخدام المرحاض.

وأضاف أنه تعرض لضغوط لتوقيع اعتراف مكتوب بالعبرية، لكنه رفض لأنه لا يجيد اللغة.

وعندما قُدمت إليه وثيقة بالعربية، قال إنه لا يستطيع القراءة. وأُطلق سراحه في اليوم التالي، بحسب التقرير. 

«لا تتكلم.. وقّع فقط»

أما زيد، فقال إن الاستجواب أخذ مسارًا مختلفًا.

وبحسب شهادته، تعرض للضرب حتى أُصيب بكسر في ضلعين. وقال إنه أبلغ المحققين

بما أرادوا سماعه حتى يتوقف الضرب، قبل أن يُطلب منه توقيع وثيقة مكتوبة بالعبرية، وهي لغة قال إنه لا يجيدها. 

وتبقى هذه التفاصيل رواية للطفل كما نقلها التحقيق الصحفي، وليست نتائج قضائية مستقلة.

داخل سجن مجدو

انتقل التقرير بعد ذلك إلى ظروف احتجاز زيد في سجن مجدو.

وقال الطفل إنه كان يتقاسم زنزانة مع عشرة فتيان آخرين،

بينما ظلت الإضاءة مشتعلة طوال الوقت. وأضاف أنه لم يتمكن من الحديث مع محامٍ

إلا بعد أربعة أيام من اعتقاله، خلال أولى جلسات المحكمة. 

كما تحدث عن نقص شديد في الطعام، قائلًا إن طبقًا واحدًا من الأرز كان يقدم لعشرة سجناء.

ووفق روايته، عانى الأطفال أيضًا مشكلات صحية، من بينها الإصابة بالجرب واضطرابات معوية. 

وفاة وليد أحمد داخل السجن

ومن أكثر أجزاء التقرير خطورة رواية وفاة الفتى الفلسطيني وليد أحمد، 17 عامًا.

وبحسب النص، كان وليد يعاني إسهالًا ودوارًا وقيئًا، ثم فقد وعيه في 22 مارس/آذار أثناء الخروج

إلى ساحة السجن. ويذكر التقرير أن طبيبًا إسرائيليًا خلص لاحقًا إلى أنه كان يعاني

سوء تغذية حادًا وفقدانًا شديدًا للوزن وضمورًا في العضلات.

ويتسق ذلك مع تقرير الأمين العام للأمم المتحدة لعام 2026، الذي وثق وفاة فتى فلسطيني في الاحتجاز،

وقال إن نتائج التشريح أثارت مخاوف بشأن سوء التغذية الشديد والمطول وعدم كفاية الرعاية الطبية.

United Nations

الأمم المتحدة: مخاوف من نمط أوسع

في يونيو/حزيران 2026، أصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة

تقريرًا موسعًا عن الانتهاكات التي تطال الأطفال الفلسطينيين منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وخلصت اللجنة إلى أن أطفالًا فلسطينيين تعرضوا للاعتقال والتعذيب والعنف الجسدي

داخل السجون ومراكز الاحتجاز، كما تناولت حالات الحرمان من الوصول إلى

المحامين والأهل والمعلومات المتعلقة بمكان الاحتجاز.

United Nations

وطالبت اللجنة إسرائيل بإنهاء الاعتقال التعسفي والإداري للأطفال واستخدام التعذيب وسوء المعاملة،

وضمان استخدام الاحتجاز كملاذ أخير ولأقصر مدة ممكنة، وفق معايير عدالة الأحداث الدولية.

United Nations

غزة.. نظام احتجاز مختلف

ويمتد ملف اعتقال الأطفال إلى قطاع غزة، لكن ضمن إطار قانوني مختلف.

ويشير التحقيق إلى استخدام إسرائيل قانون المقاتلين غير الشرعيين لاحتجاز أشخاص من القطاع.

ووفق التقرير، يسمح القانون باحتجاز أشخاص دون محاكمة لفترات غير محددة في ظروف معينة. 

وأكدت لجنة التحقيق الأممية أن العدد الإجمالي للأطفال الذين اعتُقلوا من غزة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023

لا يزال غير معروف، بسبب عدم نشر السلطات الإسرائيلية بيانات كاملة عنهم أو أماكن وجودهم.

United Nations

الإفراج لا ينهي آثار الاعتقال

غير أن تحقيق +972 لا ينتهي عند أبواب السجن.

فبعد 12 جلسة استماع انتهت كل منها بتأجيل جديد، قبل زيد في الجلسة الأخيرة

الإقرار بالذنب، وصدر بحقه حكم يعادل المدة التي أمضاها بالفعل رهن الاحتجاز، ثم أُطلق سراحه في اليوم التالي. 

وعاد الفتى إلى أسرته والتحق بمدرسة مهنية لدراسة ميكانيكا السيارات.

لكن عائلته قالت إن شخصيته تغيرت بعد تجربة السجن، وإنه أصبح سريع الانفعال ويعاني الكوابيس.

وعندما سُئل عما سيفعله إذا حاول الجنود اعتقاله مرة أخرى، جاءت إجابته التي اختارها التقرير عنوانًا لتجربته:

إنه يفضل الموت على العودة إلى السجن. 

وهكذا، يضع التقرير قضية الاعتقال في إطار يتجاوز فترة الاحتجاز نفسها، ليشمل الآثار النفسية

والاجتماعية التي قد تستمر بعد عودة الطفل إلى أسرته.

 

شارك المقال:

شاركنا برأيك