محمد كامل خضري يكتب: البنسلين والرادار
بعد هذا العمر الطويل إختفت كل أنواع البنسلين الحقن والكبسول تقريبا إلا ذلك البنسلين طويل المفعول الذى يستعمل فى علاج الحمى الروماتيزمية

الحروب تحفز خبراء السلاح على تطوير أسلحتهم وإكتشاف أسلحة جديدة مضادة لأسلحة العدو وأتذكر أنه فى يوليو من عام 1965 وكنا نحتفل بعيد الثورة فكان من مظاهر الإحتفال الليلية كشاف ضخم نُصب على كورنيش النيل فى عاصمة المحافظة يتحرك محورياً لينير السماء ويمسحها بحثا عن طائرات العدو وكان خلف هذا الكشاف مدفع من المفترض أن ينطلق عندما يرى أحدى طائرات العدو لاستكمال المشهد”أسلحة من أيام الحرب العالمية الأولى مكانها المتاحف تعرض لشعب من البسطاء” لكن مالم أكن أعرفه حينها أن وجود مثل هذا الكشاف المنير جعله هدفا سهلا للطائرات المعادية مع المدفع الذى يقف خلفه بطواقم التشغيل ولكن مع تطور الأسلحة و إكتشاف الرادار الذى أنبأ بتردداته اللاسلكية عن وجود طائرات فى السماء وتحديد أماكنها وإتجاهها وسرعتها دون خطر على طواقمه مما سهل إصطيادها دون خسائر تقريبا ثم تطورت أنواع من أسلحة تشوش على الرادارات أو تكتشف مكامنها بتتبع إشاراتها وقصفها.
كذلك فى حرب الإنسان مع الميكروبات حدث مثل هذا وكان أعظم إكتشاف هو البنسلين أول مضاد حيوي ضد الباكتيريا عرفه الإنسان وبفضله نجا الملايين فى الحرب العالمية الثانية من الموت بعد إصابتهم بجروح وحروق بفضل العلاج به لدرجة أن الخسائر البشرية أثناء الحرب العالمية الثانية كانت أقل بكثير عنها فى الحرب العالمية الأولى رغم شراسة الأسلحة الأحدث وقوة فتكها والتى كانت فيها الجروح تتقيح ومواضع البتر تتلوث وتتعفن حتى الموت دون وجود دواء أو مانع لتدهور الحالات وهى بالملايين.
وعند عملى بالصيدلة فى أول حياتى العملية فى منطقة ريفية كانت حقن البنسلين من أعمدة العلاج فى حالات كثيرة”بنسلين صوديوم” وجزء من روشتات الأطباء “مع حقن الستربتومايسين لحالات أمراض الصدر والسيدوستين لحالات الحمى “حقن تذوب بسرعة وتحقن فى العضل أو من خلال المحاليل فى الوريد..كنت أشترى لإستهلاك الصيدلية مئات الزجاجات كل شهر منها.
وكان هناك نوع من البنسلين الرخيص والذى لايذوب “بنسلين بروكايين”فعند إضافة ماء مذيب للبدرة كانت تتحول إلى محلول لبنى”مثل الحليب” وكان معظم الممرضين والحلاقين الذين يغطون الخدمة الطبيةفى مثل هذه النواحى”من أهل الخبرة من غير المتخصصين” يشترونها منى بالعلبة والعلبتان ” العلبة100 حقنة” كانت أمراض العيون بسبب عدم النظافة كثيرة حتى تجد عددا لابأس به من الأطفال “معمص”وعينيه.
“خريانة” وهذا هو التوصيف الشعبى للحالة
وكان هؤلاء الناس يقومون بتقطير بعض النقط فى عين الطفل ويحقنوه بالباقي بمحقنهم الزجاجى وكان له مفعول السحر “إكتشفنا فيما بعد أن المحقن الزجاجى كان سببا فى إنتشار عدوى فيروس C بين المصريين الذين لم يقربوا الترع ولم يصابوا بالبلهارسيا فكانت النافعة هى الضارة !”
كان هذا العلاج أرخص من القطرات والمراهم وبرضو فيه لقمة عيش للممرض”مقاولة شاملة منها إعطاء الحقنة”
ثم ظهرت كبسولات البنسلين بالفم “أمبسلين”وكان لها مفعول السحر ولكنها كانت مرتفعة الثمن، وبعد هذا العمر الطويل إختفت كل أنواع البنسلين الحقن والكبسول تقريبا إلا ذلك البنسلين طويل المفعول الذى يستعمل فى علاج الحمى الروماتيزمية.
الصراع مع المرض والباكتيريا والفيروسات هى حرب من نوع مختلف أشبه بالحروب السرية وتطوير أسلحتها يتم فى المعامل العلمية للدول المتقدمة…
ودولنا النايمة تشترى السلاح تلو السلاح لكنه ليس الأحدث كما تشترى الدواء تلو الدواء لكنه ليس الأنجع لأننا لسنا قادرين على البحث والإكتشاف والإبداع.
الدواء سلعة إستراتيجية ومربحة إقتصاديا وباب كبير للتمويل الذاتى للبحث والمعرفة”مكاسب شركة جلاكسو الإنجليزية عن دواء زانتاك لقرحة المعدة فى أول عام للطرح تجاوز ال 2 مليار جنيه إسترليني وأرباح فايزر عن لقاح كورونا فى عام 2021 قارب ال20 مليار دولار ”
ومصر لديها أكثر من ربع مليون صيدلى وليس لديها شركة دواء وطنية كبيرة بها أبحاث “الأردن لديها شركة الحكمة” ولا عندها مراكز بحث فى هذا المجال.
وحظنا فى مجال الدواء كمن يستخدم ذلك الكشاف الذى يمسح السماء فى زمن الرادار،حتى ذلك الكشاف نحن كنا لانصنعه،كنا نستورده.
إصحى يانايم .. ياريت تنفع النصيحة مع قوم نيام نيام ؟!
رابط المقال المختصر:






